ينبغي انشاء مدينة للاجئين في الجولان

حجم الخط
0

صحف عبريةحينما قرعت جدتي أبواب سويسرا في تلك الايام أجابتها السلطات بأن ‘قارب النجاة مليء’. فتابعت السير قُدما وغرقت وماتت في تريزنشتات. ومع الفرق الكبير أقول انه حينما قصف صدام حسين قلب اسرائيل في حرب الخليج في سنة 1991 وجد ملجأ عندنا في البيت غير قليل من الاصدقاء والأقرباء من سكان المنطقة (أ). يوجد دائما في قوارب انقاذنا مكان لواحد آخر. كانت اوقات الخطر الكبيرة أكثر من مرة هي اللحظات الكبيرة للتكافل والأخوة. ونحن أسخياء ايضا حينما لا يكون الحديث عن أنفسنا وعن لحمنا: وحينما تحدث كارثة طبيعية في مكان ما في العالم تنشأ فورا مراكز طوارىء وأحياء خيام ومقرات مساعدة، ونحن نبذل كل جهد كي نكون هناك بجميع قدراتنا. هذا طبيعي وهذا انساني وهذا سياسي دائما تقريبا. ان متطوعينا يأتون زرافات زرافات لأن هذا ما تأمرهم به قلوبهم، وتهب حكومة اسرائيل بمواردها كي تحظى بنقاط في الرأي العام العالمي والمحلي.

وها هو ذا يحدث خلف الجدار ونحن نتصرف كأنه يقع خلف جبال الظلام. ان كارثة سياسية من الطراز الاول تحدث بجوارنا في سوريا ونحن نتصرف بعدم اكتراث ساخر اسوأ مما كان في سويسرا تلك. فالسويسريون استقبلوا على الأقل بضع عشرات آلاف من اللاجئين اليهود قبل ان يمتليء القارب، لكننا لا نزن حتى هذا. ‘ليس هذا أمرنا’، قال لي وزير رفيع المستوى. ‘أنا أتمنى النجاح للطرفين’، بيّن ببسمة ذئبية رئيس لجنة مهمة في مقابلة تلفازية مستكبرة. ‘نحن مستعدون لجميع التطورات مع اصبع على الزناد واستعداد للاطلاق’، سكّن ضابط رفيع المستوى النفوس.

ان بشار الاسد هو مجرم حرب من أحط نوع، من النوع الذي يذبح أبناء شعبه. لكننا ايضا لسنا أبرياء فنحن آثمون لعدم الاكتراث والصلف. ويمكن التصرف بصورة اخرى ايضا. فاسرائيل تستطيع، ولهذا يجب عليها ان تفتح فورا المعابر الحدودية بينها وبين سوريا. وينبغي ان يتم انشاء في هضبة الجولان ‘مدينة انقاذ’ للاجئي النظام ومطارداته.

إنسوا لحظة جميع الصعاب التي مصدرها شعور الاسرائيليين بالمطاردة. فهي كلها يمكن ان تُلخص بصفتنا المعروفة لنا جدا وهي: ‘سيأتون ولن يذهبوا’. يمكن حل كل هذه الاشياء وحتى اذا لم نفعل فمن الواجب ‘ألا تقف على دم صديقك’. لأن الخطر الذي يتعرض له لاجئو النظام المجاور يصد كل شيء.

هذا هو الجوهر الداخلي الأعمق للدولة ‘اليهودية’، ولو من اجل مفهومين أساسيين بُنيت اليهودية عليهما: الاول ان التوراة كلها على رجل واحدة تقوم على ‘إكره لصاحبك ما تكره لنفسك’. وان عدم الاكتراث بالمطاردات السياسية التي وقعت علينا كان بغيضا إلينا منذ الأزل. والثاني ‘من أحيا نفسا واحدة فكأنما يحيي عالما كاملا’. وهذا النص لا يتحدث عن نفس واحدة ‘من اسرائيل’ بل عن الجنس البشري كله.

أنا أتخيل الابتسامات الهازئة، والاستخفاف الواضح واحكام القوة ازاء الاقتراح البسيط الذي يكاد يكون ساذجا. إننا جميعا ضحايا نفسيين لأنفسنا. فحياتنا المتشككة ولّدت استراتيجية وطنية هي أسوار صليبية عالية بيننا وبين محيطنا وايمانا بأبدية صراعاتنا. ولم نفحص قط عن الامكان الجوهري والاستراتيجي للاندماج في المنطقة وان نكون جزءا منها ومن أخطارها وآمالها. ان مساعدة فورية لمطارَدي الاسد هي عمل صحيح من جهة انسانية وهي ايضا فرصة لمرة واحدة لنمد يدا اخرى الى الشرق الاوسط، يد سلام ومساعدة.

فكروا لحظة في اسرائيل التي تفتح أبوابها وتدعو المجتمع الدولي ليكون حاضرا وشريكا في ادارة الموقع. وسيُدعى متطوعون من البلاد ومن العالم للمشاركة في المهام الانسانية لهذا المكان. وسيعالج ويدرس اطباء ومعلمون بلا حدود. وحركات الشباب ومنظمات المجتمع المدني ستتبنى فتيانا وفتيات في ساعات فراغهم، يساعدون الشيوخ ويمدون يد العون لكل محتاج. بعد ذلك سيسقط نظام الاسد لأن حكمه قد بُت وسيعود اللاجئون الى بيوتهم، الى دمشق وحمص. ونشك في ان يكون لاسرائيل ألبتة سفراء أفضل من اولئك الذين استُنقذت نفوسهم بسبب الحقيقة البسيطة وهي ان اسرائيل ولاول مرة في تاريخها غيرت معاملتها الاستراتيجية للمنطقة.

لو حدث هذا لانقلب مصير اسرائيل من عزلة وطنية الى أخوة وتكافل مع أبناء المجتمع المشترك في الشرق الاوسط. وربما نستطيع ان نقول آخر الامر ان الخير يأتي من الشمال.

هآرتس ـ 9/2/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية