لن يكون ممكنا مقاربة الحركية الفكرية والإبداعية، بمعزل عن دمجها في حركية فضاءاتها الثقافية، التي تقوم بدور أساسي في تعبيد مسارات التلقي. بمعنى أن غياب الفضاءات الثقافية، يعني عمليا غياب التلقي الذي من شأنه عزل التراكم الفكري والإبداعي في دائرة مغلقة، وبعيدة عن أي سياق تواصلي محتمل. وفي اعتقادنا أن وضعية الغياب هذه، تتجاوز النصوص الإبداعية والفكرية، كي تمتد إلى مختلف الخطابات المعتمدة عادة في هندسة ملامح اللحظة التاريخية، التي تمر بها المرحلة.
من هذا المنطلق، يصبح التركيز على أهمية الفضاءات الثقافية ضرورة قصوى، لا تقل شأنا عن أهمية التراكم الفكري والإبداعي، حيث لا قيمة فعلية لأي منجز معرفي، ما لم يكن مصاحبا بما يليق به من مقروئية، وما لم يكن محفوفا بغبطة المواكبة.
والجدير بالذكر أن إفلاس الفضاءات الثقافية في العالم العربي، هو امتداد طبيعي للإفلاس العام الذي تعرفه الفضاءات السياسية، في ظل الهيمنة التامة التي تمارسها السلطة، وأيضا في ظل قدرتها على تأجيج الاحترابات المجانية، القائمة تباعا بين اليسار واليمين، وبين اليسار واليسار، ثم بين اليمين واليمين. وهكذا دواليك. وهو مشهد مأساوي بقدر ما هو كاريكاتيري، من شأنه تعميق حالة النفور العام لدى المتلقي، سواء تجاه هذا القطاع أو ذاك. ما يكشف عن استحالة قيام أي تواصل حقيقي، يعود بالنفع على كل من الخطاب الإبداعي والسياسي.
وبالنظر للتغلغل المذهبي الذي يشمل أغلب المؤسسات والفضاءات الثقافية، فإنها تظل باستمرار معرضة للذبحة الصدرية، بفعل الأعطاب التنظيمية والفكرية المستفحلة في نظيرتها السياسية المزامنة لها. وهو وضع جد طبيعي بالنظر للوضعية غير الطبيعية، المعبر عنها بتماهي السياسي والثقافي في البنية الواحدة، خاصة بالنسبة لليسار الذي دأب على استقطاب النخبة المثقفة، التي كانت تجد فيه ومنذ السنوات الأولى لما بعد الاستقلال، الإطار الملائم لمقولات التغيير والتحديث. وهي المرحلة التي كان فيها المعجم النضالي بمثابة جواز مرور رسمي، للشرعية الإبداعية والفكرية. ورغم تصرم كل هذه العقود، فإن ظاهرة ولاء المثقف لهذا اللون الحزبي أو ذاك، لا تزال تحافظ على استمراريتها، ولو بصيغة محتشمة، كأداة غير مباشرة لضمان ما تيسر من المكتسبات المادية والامتيازات الرمزية، خاصة منها حظوة الحضور في المشهد العام.
والغريب في الأمر، أن هذا التآزر والتلاحم الثقافي والسياسي، الذي توحي به ظاهر التحالفات، لا يلبت أن يكشف عن نار التناحرات المستعرة في دواخله، كلما تجاوز الأمر حدود الحوارات المجاملاتية والبروتوكولية، إلى بعض القضايا المتميزة بحساسيتها السياسية أو الثقافية، حيث تكون الشرارات المعدودة التي يحدث أن تقذف بها هذه النار، كافية لتفجير أكثر الحصون الثقافية والسياسية قوة ومناعة. والأصل في ذلك، انعدام الحد الأدنى من شروط التواصل العقلاني، الذي لا مجال بدونه للحديث عن أي حركية فكرية أو إبداعية محتملة.
وإذا ما كانت شروط إنضاج حوار صحي، عقلاني وموضوعي، غير متوافرة في الظروف العادية، فما بالك بها والعالم العربي، يعاني حاليا ما يعانيه من كل أصناف التمزقات، والانهيارات والاختلالات، التي تبدع أنظمته في إنزالها بشعوبها، حيث يعتبر الحديث عن الشأن الثقافي والسياسي بمثابة نكتة سوداء، غير مرحب بها.
وكما هو معلوم، فإن الارتقاء بالحوارات المؤسساتية والمدنية إلى مستواها المطلوب، من شأنه إضاءة الجوانب المعتمة في ما يثار من إشكاليات ثقافية أو سياسية. باعتبار أن حضور “الإشكال” يفيد ضمنيا بحضور عائق معرفي، يستدعي من المتحاورين تدبير أمر رفعه وتجاوزه، على أساس ما يراكمونه من خبرات ثقافية وعلمية. وبالنسبة للمجتمعات العربية فإن الأمر يختلف، ذلك أن العائق الذي تصطدم به في مسارها، والذي يأخذ صيغة “إشكال”، لا يخرج عن كونه عاملا من عوامل التخلف، التي تحول دون تلمس الطريق باتجاه تدبيره عقلانيا ومؤسساتيا.
إلى جانب ذلك، يساهم الارتقاء بالحوار، في إضاءة الموقع الذي يتحدث منه الآخر، بمعنى أنه يكشف عن هويته للفكرية والمعرفية، كما يكشف عن نوعية الاختيارات التي تقترحها علينا آلياته التدبيرية. وعبر ذلك، نستطيع تبين وجهة الاختيار الذي يستهدفه خطاب هذا “الآخر”. كما سنتبين مستوى قابليته للاندماج في رؤية مشتركة، أو أخرى منعزلة، حيث تمتد تلك المسافة الفاصلة بينه وبين هذا “المشترك”، الذي يمكن على أساسه الحديث عن الحد الأدنى من مستويات الحوار. علما أن الالتفاف على “المشترك” يمر بمرحلتين اثنتين، تتمثل الأولى في تحديد ما يتضمنه من إشكالات، بغاية بلورة رأي عام تجاه إيجابياتها أو سلبياتها، فيما تتمثل المرحلة أو الخطوة الثانية، في تحديد منهجية وآلية تجاوز سلبيات الإشكال، ودائما ضمن شرط الإجماع. وبقوة هذا الالتفاف، يستجيب المشترك تلقائيا لمنطق الحوار الإيجابي، المفضي نسبيا إلى مكسب التفاهم.
وهنا تحديدا، سوف يصطدم الملاحظ هو أيضا بعائق حتمي، يحول دون استمراره في الحلم ببلورة مقتضيات هذه “الترسيمة” التنظيرية على أرض الواقع، كي يظل مفهوم المشترك مؤجلا تماما، ولا يبشر بإمكانية ظهوره. ذلك أن الإجماع على ظاهرة استشراء الفساد – مثلا – في المؤسسات الإدارية، لا يعني بالضرورة اتفاق الأطراف المتحاورة، على منهجية واضحة ومحددة كفيلة بقطع دابرها، واستئصال جذورها، بالنظر للاختلافات التدبيرية، القائمة بين المواقع التي يتحدث منها المتحاورون، حيث يستقل كل منهم بوجهة نظره، على أساس ما يتبناه من مرجعيات، ومن أهداف وغايات، لا يجد لها بالضرورة صدى في موقع الطرف الآخر.
ومن المؤكد أن المشهد الثقافي ككل، يعاني من غياب تقاليد موضوعية للحوار والنقاش، ما يؤثر سلبا في إمكانية تطوير آلية إدارتهما، كي يظل عاجزا عن الإلمام بالمقومات التي يتشكل بها ومنها “المشترك”، وغير مؤهل لوضع الترسيمات التقنية، الكفيلة بانتزاع الشوكة من حنجرة “الإشكال”. وغني عن الذكر أن الأرصدة الإيجابية التي تراكمها التقاليد الموضوعية للتواصل والحوار، تسمح عادة بإمكانية تجاوز التصورات الجاهزة والمسبقة، كما تسمح بالتخلص من أوهام احتكار الحقيقة. وهي الأوهام ذاتها التي تزج بالنخب في صراعات ثانوية، تجهز لا محالة على كل بارقة أمل في إعداد فضاءات ثقافية، جديرة بتلقي إبداعاتنا وأفكارنا. وهي الحالة التي يخلو فيها المجال تماما للسلطة، كي تعمل على تعميم ما ينسجم مع منهجيتها من شرائع وقوانين وأعراف، خاصة حينما يكشف الحوار المتشنج بين النخب عن هشاشته النظرية، وعن نزوعاته الإقصائية التي لا قبل لها باستشراف أفق ما هو “مشترك” وجدير بالإجماع.
وإذا ما كانت شروط إنضاج حوار صحي، عقلاني وموضوعي، غير متوافرة في الظروف العادية، فما بالك بها والعالم العربي، يعاني حاليا ما يعانيه من كل أصناف التمزقات، والانهيارات والاختلالات، التي تبدع أنظمته في إنزالها بشعوبها، حيث يعتبر الحديث عن الشأن الثقافي والسياسي بمثابة نكتة سوداء، غير مرحب بها. ذلك أن المعرفة هنا تصنف في خانة “الكماليات” التي تعتبر فائضة عن الحاجة، في أزمنة عربية يسودها القتل، والتهجير، وكل أصناف الأوبئة المادية والرمزية، ولا ينظر إليها بوصفها سلاحا ناجعا لمواجهة سموم المحن وتكالب النوائب. وهي مفارقة عجائبية تنضاف لغيرها من المفارقات، حتى أن المثقف أمسى يشعر بالخجل من فكرة ترويج أعماله الإبداعية والفكرية، رغم تمحورها حول القضايا الأكثر إلحاحا، والأكثر التصاقا بهموم ومكابدات الإنسان العربي. سواء كان مهددا بالقتل، بالجوع، بالتهجير، أو القمع.
شاعر وكاتب من المغرب