باريس- ‘‘القدس العربي’’:
في مقال بمجلة “لوبوان” الفرنسية تحدث عالم الاجتماع والباحث في مركز الدراسات والبحوث الدولية CERI، والمتخصص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، رولان مارشال، عن مخاطر لجوء باماكو المحتمل إلى الجماعات شبه العسكرية التابعة لشركة فاغنر الروسية؛ فمجددا – يقول الكاتب – تتطور مظاهر التقارب في العلاقات بين روسيا ومالي، بما يتناقض مع الاتجاه الذي تدعو إليه فرنسا القوة الاستعمارية السابقة لمالي.
من مظاهر ذلك التصريحات الأخيرة لوزير خارجية مالي عبد الله ديوب الذي أعلن أنه يعول على قيام نظيره الروسي سيرغي لافروف بزيارة بلاده في أسرع وقت ممكن. علما أن الطرفين أبديا رغبتهما في مواصلة الشراكة العسكرية بين البلدين، بحجة أن الخطر الإرهابي يزداد بسبب الانسحاب الجزئي للقوات الفرنسية، دون التطرق إلى اللجوء إلى مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية، وهذا هو جوهر الموضوع.
لماذا يثير واقع وجود منظمة فاغنر تساؤلات؟ رسميًا تعتبر مجموعة فاغنر غير موجودة، فالقانون الروسي يحظر المرتزقة تماما مثل القانون الفرنسي. وهذا هو السبب الذي دفع كلا من رئيس وزراء مالي ورئيس جمهورية إفريقيا الوسطى إلى القول إنهما لم يسمعا عن فاغنر من قبل.
لكن فاغنر موجودة وهي من بين الشركات العسكرية الخاصة الممولة من قبل الأوليغارشية الروسية يفغيني بريغوزين وتحت قيادة ديمتري أوتكين، ضابط المخابرات العسكرية الروسية السابق. أول مرة تم فيها اكتشاف مجموعة فاغنر كانت في أوكرانيا عام 2014، ثم في روسيا وبعدها ليبيا إلى جانب قوات المشير خليفة حفتر. كما تبين أن هذه الجماعات شبه العسكرية تستفيد أحيانًا من دعم الجيش الروسي في ليبيا، على سبيل المثال، في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بالإضافة إلى عملها في موزمبيق.
لماذا يثير لجوء مالي إلى مرتزقة فاغنر قلق شركائها التقليديين وعلى رأسهم فرنسا؟ مجموعة فاغنر متهمة، على وجه الخصوص من قبل فرنسا، بتلقي مكافآت من موارد البلدان التي تعمل فيها وخدمة مصالح الكرملين في توسعه الجيوسياسي. المشكلة الحقيقية هي أن اللجوء إلى فاغنر له عواقب عدة، من ناحية بالنسبة للسكان، ومن ناحية أخرى بالنسبة للجيش المالي الذي سيتم مهاجمته بشكل مباشر للغاية ولن يكون لديه دعم من شركائه الآخرين. أول من سيعاني ومن سيقتل هم المدنيون. هم الذين سيخسرون أكثر في هذا التاريخ الذي يشبه بشكل متزايد الصراع على السلطة. بعد ذلك، سيكون الجنود الماليون على الأرض، وهم الذين يدفعون بالفعل ثمناً باهظاً.
ما هي الورقة التي يلعبها الكرملين من وراء تعزيز شراكته العسكرية مع السلطات المالية، لدرجة توفير ما يقرب 80 في المئة من المعدات؟ يريد الروس إظهار أن عرضهم أفضل وأهم من العرض الفرنسي، لكن مقاربتهم تختلف عن مقاربات شركاء مالي التقليديين. الصينيون يستخدمون القوة الناعمة ولا يضعون أنفسهم في تناقض مباشر مع الغرب. إنهم لا يقدمون بديلاً شاملاً بشأن القضايا الأمنية وهم حذرون للغاية، ويميلون في اتجاهاتهم إلى جانب المجتمع الدولي، بينما لا يستخدم الروس القوة الناعمة. إذن هناك فرق كبير.
عدة جماعات مسلحة في مالي عبرت عن رفضها لجوء مالي إلى الشركة الروسية شبه العسكرية… أدرك العديد من الماليين أن وصول الروس سينتج عنه اتفاق مع هرم الدولة، أما على الأرض فلن تملك مجموعات مثل تنسيق حركات أزواد، الخيار سوى الصمت أو المواجهة. بينما الأمر مختلف بالنسبة للفرنسيين لأنه توجد على الأقل مفاوضات وإمكانية اللجوء إلى الحوار.
ما هي التكلفة المالية للحصول على خدمات مجموعة الأمن الروسية الخاصة في باماكو؟ فاتورة الصفقة مع فاغنر ستكون حتما باهظة، ففي حين وصولهم إلى مالي سيتعين على المجتمع الاستثمار في جودة مقاتليه وفي إمكاناته القتالية الجوية الكبيرة، لأن الماليين لن يعودوا قادرين على الاعتماد على الأمريكيين ولا على الفرنسيين. مالي ستخاطر بشكل كبير على الأرض، لأن الوجود الفرنسي، ولو كان صغيراً يضمن وجوداً أوروبياً، من خلال قوة تابوكا. عدى ذلك، ستفقد باماكو دعم الميزانية الذي تتمتع به حاليًا في حربها ضد الإرهاب.
هل تتحدث أوروبا بصوت واحد في هذه القضية؟ حذرت عدة دول أوروبية، بقيادة فرنسا وألمانيا، من أن اتفاقًا بين باماكو وفاغنر من شأنه أن يشكك في وجودهما العسكري في مالي. لكن في الحقيقة توجد هناك اختلافات على المستوى الأوروبي. من الناحية الرسمية، لا تستطيع الدول الأوروبية العمل مع الروس، لكنها من ناحية أخرى لا تريد أن تفقد كل شيء. لأنه بطريقة ما، فإن المشاركة في مكافحة الإرهاب تعني أيضًا السيطرة على موجات الهجرة. هذا الجانب يهم العديد من الدول الأوروبية التي هي في أمس الحاجة إلى إبقاء المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط. هناك نقاش سياسي هو بلا شك أوسع بكثير حيث تكون المواقف أكثر دقة مما يظهر في الخطب والتصريحات العامة.
ماذا يجب أن تفعل فرنسا ومالي بعد ثماني سنوات من الشراكة؟ يجب على الدولتين تبني رؤية جديدة في عملياتها في البلدان المعنية، استراتيجية فرنسا المتمثلة في تسليط الضوء على دولة والخروج علنًا مع دولة أخرى، استراتيجية لا تعطي ثمارها. نحن نعلم الآن أن التدخل الدولي لا يمكن أن يستمر. ناهيك عن أنه كلما شعر الناس أن الجيش يدير زمام الأمور، كلما تم النظر إليه على أنه قوة أجنبية.