نيويورك – رويترز: يتوقف انخفاض أسعار البنزين للمستهلكين في العام المقبل على مجموعتين من المنتجين تكافحان لزيادة الإنتاج النفطي في أعقاب جائحة كوفيد-19 هما منظمة الدول المُصدِّرة للنفط وحلفاؤها في مجموعة «أوبط+» من جانب، وشركات النفط الصخري الأمريكية من الجانب الآخر.
فقد ساهم بطء استجابة صناعة النفط العالمية لزيادة الطلب في 2021 في ارتفاع أسعار الطاقة بشدة، ومعها الضغوط التضخمية في مختلف أنحاء العالم. ومع تعافي الاقتصاد وعودة الناس للانتقال بركوب السيارات والقطارات والطائرات عاد الطلب العالمي على النفط إلى مستوياته قبل الجائحة تقريباً.
لكن العرض لم يرتفع بالسرعة ذاتها، ولذا فإن صناعة النفط تستهلك النفط الموجود في مخزوناتها لمجاراة الطلب.
بطء الاستجابة لزيادة الطلب أسهم في ارتفاع أسعار الطاقة بشدة
وقد ارتفعت أسعار النفط الرئيسية إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات متجاوزة 86 دولارا للبرميل، ويحذر بعض الاقتصاديين من أنها قد تتجاوز 100 دولار للبرميل بما يهدد التعافي.
وتتوقع «وكالة الطاقة الدولية» أن ينقلب الحال في سوق النفط، الذي يبلغ حجمه قرابة 100 مليون برميل يومياً، إلى فائض في الربع الأول من العام المقبل وأن يفوق العرض الطلب بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً بما يخفف يدفع الأسعار للتراجع.
وتقدر الوكالة أن الزيادة في المعروض قد ترتفع إلى 2.2 مليون برميل يومياً في الربع الثاني.
غير أن هذه التقديرات تتوقف على زيادة إنتاج «أوبك» وحلفائها 400 ألف برميل يومياً كل شهر في إطار تراجع التكتل المعروف باسم «أوبك+ «تدريجيا عن تخفيضات الإنتاج التي اضطر للجوء إليها خلال الجائحة.
لكن تقرير الوكالة الشهري الصادر أمس الأول أظهر أن «أوبك+» ليست قريبة بأي حال من الأحوال من تحقيق أهدافها، إذ أنتجت نحو 700 ألف برميل يومياً أقل من هذه المستويات في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول.
ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اثنين من كبار المنتجين في افريقيا، هما نيجيريا وأنغولا اللتان يرجح أن تؤثر مشاكل الصيانة والاستثمار لديهما سلباً على الإنتاج في العام المقبل.
وإذا استمر الإنتاج دون المستوى المستهدف فربما يمحو قدراً كبيرا من الفائض في الربع الأول، ويُبقي التوتر على صعيد العرض والطلب في الأسواق لفترة أطول.
وقد رفعت «وكالة الطاقة الدولية» توقعاتها لمتوسط الأسعار في العام 2022 إلى 79.40 دولار للبرميل، رغم أنها قالت أن زيادة العرض قد تخفف من ارتفاع الأسعار بعض الشيء.
وحذرت شركة «ترافيغورا» عملاق تجارة السلع الأولية، من «سوق يقل فيها العرض عن الطلب جداً» مع تراجع الاستثمار في الإنتاج لأسباب منها انتقال الصناعة إلى مصادر مُستدامة للطاقة بما يزيد الضغوط السعرية.
وطالبت الولايات المتحدة وغيرها من كبار مستهلكي الطاقة تكتل «أوبك+» بزيادة الإنتاج بوتيرة أسرع، غير أن التكتل رفض بسبب المخاوف من أن تؤدي جائحة فيروس كورونا من جديد إلى تراجع الطلب خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
ويتطلع السوق الآن إلى صناعة النفط الصخري الأمريكية التي كانت مصدر معظم الزيادة في الإنتاج من خارج منظمة «أوبك» خلال السنوات العشر الأخيرة.
وقال ماركو دناند، الرئيس التنفيذي لشركة «مركوريا إنِرجي» لتجارة النفط في قمة رويترز لتجارة السلع الأولية هذا الأسبوع «ثمة عنصر واحد ربما يمكن فيه زيادة القدرة وهو النفط الصخري في الولايات المتحدة».
وتتوقع «وكالة الطاقة الدولية» زيادة كبيرة في الإنتاج الأمريكي من النفط الخام والسوائل المصاحبة للغاز الطبيعي قدره 480 ألف برميل يومياً خلال الربع الثاني من 2022، وبمقدار 1.1 مليون برميل يومياً خلال العام بأكمله.
أما توقعات «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية» في الأجل القريب فهي أقل، إذ أنها ترى أن إنتاج النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي سيرتفع بمقدار 220 ألف برميل يومياً في الربع الثاني.
وتتوقع الإدارة أن تتسارع وتيرة الإنتاج الأمريكي في الربع الثاني من العام المقبل، لتصبح الزيادة في العام كله 1.25 مليون برميل يومياً من النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي.
غير أن استجابة منتجي النفط الصخري كانت أبطأ مما كان عليه الوضع خلال فترات الزيادة السابقة في الأسعار. فقد طالب المستثمرون وحملة أسهم الشركات بقدر أكبر من الانضباط في استثمارات الصناعة مما كان عليه الوضع في دورات الصعود والهبوط السابقة، وعاقبوا الشركات التي تستثمر في القدرة الإنتاجية، وأثابوا الشركات التي توزع أرباحاً وتعمل على تقليص ديونها.
وقال جيفري كاري، رئيس أبحاث السلع الأولية في بنك «غولدمان ساكس» الاستثماري الأمريكي، في قمة رويترز «نحن عند سعر 83 دولاراً لمزيج برنت ولا نرى زيادة كبيرة في عدد منصات الحفر».
وتكافح شركات النفط الصخري نقصاً في العمالة والمعدات، بينما يقول آخرون أن الغموض يلف الطلب بدرجة يستحيل معها زيادة الإنتاج في وقت تتعافى فيه الصناعة من الركود الناجم عن الجائحة.
وقال وليام بيري، الرئيس التنفيذي لشركة «كونتِنِنتال ريسورسز» في مؤتمر عبر الهاتف عن أرباح الشركة «الوضع لا يزال في غاية الهشاشة. لا أعتقد أن من الملائم لأحد في الصناعة أن يزيد إنتاجه عن الحاجة في هذا السوق الهش الذي ينطوي على زيادة المعروض عن الطلب».
من جهة ثانية يعمد منتجو النفط غير الأعضاء في منظمة «أوبك» في أمريكا اللاتينية لزيادة الإنتاج. ومن المقرر أن تنتج غايانا الجديدة نسبياً على مسرح النفط العالمي 220 ألف برميل إضافية في شبكة الإنتاج العائمة التي تديرها شركة «إكسون موبيل» في أوائل العام المقبل.
كذلك تعمل شركة «بتروليو برازيليرو» التي تديرها الدولة في البرازيل على زيادة الإنتاج من منصتها العائمة كاريوكا، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية 180 ألف برميل يومياً والتي بدأت الإنتاج في أغسطس/آب في حقل سيبيا في المياه العميقة في حوض سانتوس.
وقال فرانشيسكو مونالدي، مدير برنامج الطاقة في أمريكا اللاتينية في معهد بيكر التابع لجامعة رايس، أن فنزويلا شهدت زيادة في صادراتها بعد تلقيها مكثفات إيرانية وإن كان الغموض يكتنف احتمال استمرار هذا الاتجاه.
وقالت آن لويز هيتل، نائبة الرئيس في شركة «وود ماكينزي الاستشارية» أن من المحتمل أن يرتفع الإنتاج الكندي بما يقرب من 100 ألف برميل يومياً في الربع الأول. غير أن شركات النفط في كندا رابع أكبر منتج للنفط في العالم تعمل أيضا على تقييد الإنتاج.
وأضافت أن إجمالي المعروض النفطي قد يبلغ 99.8 مليون برميل يومياً في الربع الأول من العام المقبل، متجاوزاً الطلب الذي قدرته بنحو 98.9 مليون برميل يومياً.
إلا أن شركة «إف.جي.إي» لاستشارات الطاقة حذرت من أن التوازن بين العرض والطلب في السوق ربما يتغير بسرعة لانخفاض مخزونات الدول المتقدمة إلى أدنى مستوى منذ ست سنوات.
وقالت الشركة «رغم أن الأسعار ستتجه على الأرجح للنزول من الذروة التي بلغتها الشهر الماضي، فإن وضع المخزونات المنخفضة حاليا يُغذي مخاطر ارتفاع الأسعار في الشهور القليلة المقبلة».