الانتخابات الرئاسية الليبية والموقف الأممي: دعم لفظي أم حقيقي؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-»القدس العربي»: نظمت الأمم المتحدة، بالشراكة مع ألمانيا وإيطاليا في العاصمة الفرنسية 12 تشرين الثاني/نوفمبر مؤتمرا رفيع المستوى بشأن ليبيا، ركز على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها في ليبيا، يوم 24 كانون الأول/ديسمبر المقبل. وشارك في المؤتمر زعماء 20 دولة، بمن فيهم نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي.
وخاطب المؤتمر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عبر الفيديو، قائلا إن للمؤتمر هدفا واحدا رئيسيا هو اغتنام هذه اللحظة من أجل تحقيق السلام، الذي حُرِم منه الشعب الليبي لفترة طويلة جدا. وقال إن ليبيا باتت اليومَ أقرب إلى حل أزمتها الداخلية وكسر دوامة التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد على امتداد سنوات عديدة «فدعونا ألاّ نفوت هذه الفرصة».
وأكد الأمين العام أن الأمم المتحدة لا تزال ملتزمة التزاما كاملا بالعمل مع الليبيين والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، والبلدان المجاورة في هذا الظرف الحاسم للوصول بالانتخابات إلى الغاية المرجوة منها وهي إيصال ليبيا إلى بر الأمان والاستقرار والوحدة الداخلية وإنهاء فصل النزاعات الطويل.
لا شك أن هناك تأييدا دوليا عارما لعقد الانتخابات في موعدها. فالمجتمع الدولي يساند بقوة المسار الذي انتهجه الليبيون منذ حزيران/يونيو 2020 وصولا إلى هذه المرحلة على النحو المتفق عليه في خريطة الطريق السياسية التي اعتمدت عام 2020 والتي صدر ضمنها قرار مجلس الأمن 2570 (2021). وهذا التأييد إنما يستند إلى تأييد الغالبية الساحقة من الشعب الليبي لإجراء هذه الانتخابات في مواعيدها المحددة. فقد بلغ عدد المسجلين للمشاركة في التصويت ما يقارب من ثلاثة ملايين ناخب وناخبة، ما يؤكد أن الليبيين يتطلعون إلى الانتخابات وأنهم مصممون على المشاركة فيها إذا توفرت لها الحرية والنزاهة والشفافية والسلمية والمهنية. وإذا ما سارت هذه الانتخابات، كما هو مأمول منها، على الطريق السليم فستكون اللبنة الأساسية على طريق إحلال السلام والوصول إلى الاستقرار.

دور بعثة الأمم المتحدة

وقد طلبت «القدس العربي» من المتحدث الرسمي للأمين العام، ستيفان دو جريك، أن يحدد بالضبط دور الأمم المتحدة في هذه الانتخابات. فقدم هذا الجواب شفويا وكتابيا عن دور البعثة في الانتخابات المقبلة قائلا: إن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تواصل دعمها للسلطات الليبية استعدادا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وتعمل البعثة مع جميع أصحاب المصلحة الليبيين لضمان تنظيم انتخابات شاملة وذات مصداقية في الوقت المناسب، بما يتماشى مع خريطة الطريق السياسية الليبية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. كما تقدم الأمم المتحدة في ليبيا الدعم الفني للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات في عدة مجالات واسعة أهمها:
– التواصل مع صناع القرار وصناع الرأي، بما في ذلك المشورة الفنية والمساعدة، حسب الطلب، زيادة الوعي، ودعم مشاركة النساء والفئات المهمشة الأخرى في العمليات الانتخابية.
– تقديم الدعم والمشورة للعمليات الانتخابية بما في ذلك المساعدة في تحسين نظام تسجيل الناخبين، والتدريب، والتوعية العامة، وتنسيق العمليات، والأمن الانتخابي، والمشتريات والخدمات اللوجستية وتدابير التخفيف من آثار جائحة كوفيد-19.
– هناك عدد من مراقبي وقف إطلاق النار تابعين للأمم المتحدة بهدف دعم اللجنة العسكرية المشتركة والعمل معها عن كثب ومع الآلية الليبية لرصد وقف إطلاق النار.
– بناء القدرات المؤسسية.
– دعم تنسيق المساعدة الدولية.
وقال المتحدث الرسمي، ليس من مسؤولية الأمم المتحدة أن تبت في أهلية المرشحين. فلن تصدر أي فتوى في من يقبل ترشيحه أو يرفض. فهذه مسؤولية اللجنة الوطنية العليا للانتخابات. وقال إن بعثة «أونسميل» ستبقى تتعامل مع كافة القوى الليبية على الأرض لتسهيل إجراء الانتخابات.
من جهة أخرى أعلنت المفوضية أن عدد المرشحين لغاية يوم الأربعاء وصل إلى 15 ومن المتوقع زيادة العدد في الأيام الباقية. وأعلنت المفوضية أن قبول طلبات الترشح بمقرات المفوضية لا يعني أنها مقبولة لدخول المنافسات. «إنها مرحلة استلام طلبات الترشح فقط ولغاية يوم 22 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي حيث تغلق الطلبات». بعد ذلك تقوم المفوضية بالتدقيق في جميع البيانات ثم إحالة الملفات إلى الجهات المختصة للنظر في صحتها من عدمه. وتستمر هذه المرحلة 12 يوما. وبعد ذلك، تأتي مرحلة إعلان القوائم الأولية لفتح باب الطعون، وعند استكمال مرحلة الطعون والفصل فيها تقوم المفوضية بإعلان القوائم النهائية للمرشحين المؤهلين والتي سيتم تضمينها في ورقة الاقتراع.

تحديات أساسية

من السذاجة أن نعتقد أن الأمور ستسير بهذه السهولة وأن المترشحين الأساسيين سيقبلون جميعهم، وتتم المنافسة بكل حرية وشفافية. ونود أن نشير إلى بعض المطبات والأخطار التي قد تعرقل سير العملية برمتها:
– من بين المرشحين، سيف الإسلام القذافي المطلوب للمحاكم الدولية والمحلية. ولو رفضت اللجنة العليا للانتخابات ترشحه فقد ينعكس على بعض القبائل المؤيدة له وتحاول تعطيل العملية برمتها أو القيام بحركة تمرد قد تؤدي إلى عرقلة الانتخابات في مناطق نفوذها. أما إذا قبلت اللجنة هذا الترشيح فستحاول جماعات تعتبر نفسها وريثة ثورة فبراير وخاصة في منطقة الغرب إغلاق المراكز الانتخابية والتدخل في سير الانتخابات وعرقلتها.
– من بين المرشحين اللواء المتقاعد خليفة حفتر والذي أرسل ابنه صدام 7 تشرين الثاني/نوفمبر، كما ذكرت صحيفة «هارتس» لتل أبيب وهبط في مطار بن غوريون لمدة 90 دقيقة على متن طائرة إماراتية، للحصول على تأييد إسرائيلي إماراتي. وهذا يعني أن قبول ترشحه سيثير المناطق الغربية برمتها وإذا رفض ترشيحه سيستخدم قوة الجيش الذي يسيطر عليه في الشرق وقد يمنع كافة المناطق التي تحت سيطرته من المشاركة في الانتخابات. ولنفرض أن ترشيحه قبل في الانتخابات وفاز فيها جدلا فستكون نقطة البداية لاستئناف القتال وربما يؤدي ذلك إلى تقسيم البلاد.
– ومن بين المرشحين وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، والمحسوب على تركيا والذي سهل استدعاء القوات التركية إلى ليبيا. ويحظى باشاغا بتأييد كبير في مصراتة ومدن الغرب الليبي. وقبول ترشحه سيثير كثيرا من الخلافات في المناطق الشرقية. وما ينطبق عليه ينسحب على عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، معكوسا. فهو مرتبط بالأجهزة المصرية والإماراتية وغير مقبول في المناطق التي يسيطر عليها الثوار والميليشيات الداعمة لحكومة الوحدة الوطنية.
– التحدي الحقيقي هو الالتفاف حول عدد من المرشحين من غير المحسوبين على المحاور الإقليمية والدولية وأياديهم ليست ملطخة بدماء الليبيين. وهذا سؤال صعب سنكتشف إن كان هناك من يناسب هذه المواصفات.
– والقلق الأكبر لهذه الانتخابات هو استمرار وجود عناصر أجنبية قادرة على التدخل في الشؤون السياسية والأمنية الداخلية في ليبيا. وهذا يشكل مصدر قلق بالغ ومتواصل. والانتخابات النزيهة تتطلب وضع حد لجميع أشكال التدخل الأجنبي.
إن خطة الانسحاب التدريجي والمتوازن والمتسلسل والمتزامن لجميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية التي أقرتها لجنة 5+5 لم تنفذ. فقط تمت إعادة 300 مقاتل من المنطقة الشرقية وكان من المفروض أن ينسحب نفس العدد من المناطق الغربية إلا أن هذا لم يحدث لغاية الآن. إن تنفيذ خطة الانسحاب أمر عاجل وضروري ولا يحتمل التأجيل. وهذا يتطلب دعم جميع أصحاب المصلحة، في الداخل الليبي والخارج، بما في ذلك روسيا وتركيا والإمارات ومصر وفرنسا.
– التحدي الآخر هو عدم الإلتزام بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، فليس من المنطق أن تقوم بعض الدول الأعضاء بالدفاع عن السيادة الوطنية الليبية ووحدة أراضيها في نيويورك، وتمارس عكس ذلك تماما في ليبيا.
الرهان الأخير، إذا تعرضت عملية الانتخابات للتعطيل والعرقلة، هو الشعب الليبي، الذي سئم الحروب ويريد أن يعود لحياته الطبيعية في بلد غني فيه كل متطلبات النهضة والازدهار. فهل سيسير على خطى إخوته في السودان والجزائر ويفرض أجندته انطلاقا من الشوارع على السياسيين والعسكريين وليس العكس؟ هذا ما ستكشفه لنا الأسابيع الأربعة المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية