كنت في زيارة لاتيل عدنان نهاية الشهر الماضي في باريس للاستفسار عن صحتها. قطعت مقدمات السلام والكلام بقولها: «أريدك أن تسجّل ما سأقول». وبينما كنت أبحث عن المسجلة في هاتفي، كانت قد سبقتني لتقول بالفرنسية كأنها تختتم حديثا سابقا: «قال النقّاد الأمريكيون إني أدخلت الفلسفة إلى الشعر الأمريكي».
ثم انطلقت باتجاه آخر: «ما أراد نيتشه ان يقوله ولم يقله هو أن العودة الأبدية هي اكتشاف الألوهة في داخلنا».
«وقد اكتشفتُ شيئا آخر: القول شِعر. التفسير والتحليل نثر. الصوفي يقول: «قال لي…» [قالتها بالعربية]. إذا قلتُ «أنا جائعة»، يمكن لهذا القول أن يكون شعراً. أن يكون بيتاً في قصيدة. لهذا أقول: القول شعر. التفسير والتحليل نثر».
«وقد اكتشفت شيئا آخر أيضاً: جاءني صاحب غاليري حاملاً باقة زهر. شاهدت بين الزهور زهرة الفاوانيا Pivoine ظننتها وردة لأنها كانت غامقة اللون. شغلني الأمر. ثم فكّرت أن نيتشه لم يسأل في نظامه «ما هي المادة؟ ما هو اللون؟ قال «الإله مات. الإنسان مات، إلى آخره». أنا فكّرت أن اللون هو التعبير عن إرادة القوة في المادة. هذا ما اكتشفته منذ شهرين أو ثلاثة أشهر. من خلال اللون تعبّر المادة عن رغبتها في أن توجد، أن تكون».
– لماذا الاستشهاد بنيتشه؟ هذا قولك أنت وليس قول نيتشه. لماذا تنسبينه إليه؟
– «لا. نيتشه لم يقل ذلك. ولا هو تحدث عن «القول». الصوفي هو الذي يقول «قال لي».
«مررت بفترة من الآلام المُبرحة. تألمت كثيرا. كان الألم مثل طعن سكاكين في ساقيّ. المسكّنات لا تفيد. قلبي أضعف من أن يحتملها. الماء الذي لا يتخلّص منه جسمي يتجمع في الساقين والثقب الذي يخرج منه لا يمكن شفاؤه. إنه جحيم. قلت للطبيب: احقنّي بحقنة لكي أختفي. قال: إن فعلت انتهي في الحبس».
تتكلم عن الألم بصيغة الماضي. والألم حاضر. وتعلن رغبتها في الموت على جاري عادتها في أن تقول أعمق الأفكار وأخطر الآراء ببساطة وبداهة مَن يتحدث عن حالة الطقس.
– هل تفكّرين كثيرا بالموت هذه الأيام؟
– «ليس كثيرا لحسن الحظ. عادةً في الليل وليس في النهار. بلغت مرحلة صار فيها الموت هو التحرر من الألم. هل تفهمني؟ ليس الموت مشكلة كبيرة عندما تتألم».
– … فقط بسبب الألم؟
– «لا. إننا نرتضي الموت. نحن أشياء لا بد أن تختفي. علينا قبول ذلك. القسوة ليست هنا. القسوة هي كيف ومتى؟ أنت لا تموت بسهولة».
– هل يوجد أشياء لم تفعليها وتمنيتِ فعلها؟ أشياء لم تحققينها وتمنيت تحقيقها؟
– «لا. اشتغلت كثيراً. كان بودّي أن أبني جدراناً من السيراميك وأن أصمّم مزيداً من المنسوجات الجدارية. لقد حققت الكثير».
ثم صمتت. تكومّت على نفسها في المقعد الذي ينوب عن سرير وغرقت في سبات، يصدر عنها أنين ضعيف.
عاد الحضور إلى أحاديثهم، وقد لزموا الصمت خلال تلك الدقائق. وسط الجلبة، عاد صوت اتيل خافتاً، كأنها تعود للبداية: «كنت أريد للشِعر أن يتحرر…»
٭
البداية شعر والخاتمة شعر. وبينهما، تحاول اتيل عدنان في هذه التي تسميها اكتشافات وصل الأقانيم الثلاثة لحياتها وفكرها وإنتاجها: الفلسفة – الفن – الشعر. تمشج الواحد بالآخر. وهي النسّاجة التي عرضت المنسوجات الجدارية التي صممتها في عدد من المعارض عبر العالم وجمعتها في كتاب بعنوان «الحياة نسيج».
في حضرة الموت، تساجل اتيل نيتشه في إعلانه موت الإله ونظريته عن «العودة الأبدية» التي تقول بأن الكون يكرر ذاته إلى ما لا نهاية. إنما العودة الأبدية هي اكتشاف الألوهة في داخلنا، تؤكد اتيل، على الغرار الصوفي في قولة الحلاج: «أنا هو!». هكذا تجمع في معادلة واحدة أنسنة الألوهة ومعرفة الذات.
وتستلهم اتيل الصوفية أيضا لصياغة التمييز اللامع والمباغت بين الشعر والنثر. كم يبدو بسيطاً وبديهياً وكم هو مشاغب وتخريبي. ولعلها في عبارتها الأخيرة «أردت للشعر ان يتحرر…» كانت تعرب عن هذه الرغبة في إلغاء الفارق بين الشعر والحياة اليومية، بين الشعرّي واليومّي.
للعلاقة بين اللون والمادة مقدمات في شغل اتيل. لعدم قدرتها على الكتابة بالعربية قررتْ أن ترسم بالعربية، حسب تعبيرها. أضافت الرسوم والوسوم والرموز والتمائم إلى الحروف المطبوعة في نصّها الملحمي «سِفر الرؤية العربي». ثم تعرّفتْ إلى الحروفية ودخل اللون على الكتابة عندما اكتشفت الدفاتر اليابانية (ليبوريللو) ذوات الصفحات المطوية التي تفتح وتتمدد في شرائط من الورق المقوّى. «الكتابة هي رسم» هو عنوان معرض أقيم مؤخراً لدفاترها على اعتبارها لوحات فنية.
في حوارها المتواصل مع نيتشه، تستخدم اتيل نظرية القوة عند الفيلسوف المعادي للمذهب المادي، ولكن لغرض مادي. اللون هو إرادة القوة في المادة. واللون رغبة المادة في أن تكون. وهي صيغة قد لا يعترض عليها كارل ماركس، داعية تحوّل الأفكار إلى قوى مادية عندما تستحوذ على البشر. الأهم أن الذي يقرأ هذا التعريف للّون يكتشف سرّ الألوان «الدافئة» التي تستخدمها اتيل بوفرة في لوحاتها على حساب الألوان المسمّاة «باردة».
في هذه الاكتشافات لفتة عرفان بالجميل من ابنة الـ96 ربيعاً إلى المعلّم الكبير غاستون باشلار، الذي درست عليه الفلسفة في باريس وهي في سنيها العشرين. فصاحب «تكوين الفكر العلمي» و»القطيعة المعرفية» هو أيضاً مؤلف «شاعرية النار» و»الحق في الحلم» و»الماء والأحلام»، وهو الذي كرّس حياته وفكره للمصالحة بين العِلم والشعر وبين المادة والمخيّلة.
ودّعنا اتيل عائدين إلى بيروت ونحن لسنا ندري أنه سيكون الوداع الأخير. توفيت اتيل بعد أسبوع. وأحسب أنها أرادت مما سجّلته في هذا الحوار أن يكون بمثابة وصية.