تسعى سياسة التخطيط الصهيوني في القدس إلى تثبيت التفوّق الديموغرافيّ اليهوديّ في المدينة، وتكاد لا تتيح أيّ بناء مرخّص في الأحياء الفلسطينيّة.
القدس-»القدس العربي»: لا تتوقف مجزرة الأحياء في بلدات القدس المحتلة، فالهدم يتهدد المنازل في القدس وبلداتها فرادا وجماعات، وآخرها قرارات الهدم الجماعية التي ضربت الحي المقدسي الريفي حي ياصول في بلدة سلوان حيث أصبح 84 منزلا في مهب الريح.
يوم الخميس الماضي كانت محكمة المنازل عقدت جلسة استئناف للنظر في قرار محكمة البلدية القاضي برفض طلبات تمديد هدم 58 منزلاً من منازل الحي، البالغ عددها 84 منزلاً.
المحامي زياد قعوار عرض تفاصيل ما جرى في محكمة المنازل خلال مؤتمر صحافي عقده أهالي الحي مساء الخميس قائلا: «طلبنا من المحكمة المركزية أن تقوم بتمديد أوامر الهدم كي يتسنى للسكان تنظيم الحي وتحويله إلى منطقة سكنية».
وأضاف: «للأسف، بلدية الاحتلال ادّعت أن الأهالي مجرمين ولا يحق لهم التمديد، وطالبوا بالهدم الفوري للحي لكونهم قاموا بفعل البناء من دون الاستناد للقانون».
وتابع: «بلدية القدس قالت إن هدم الحي لن يحدث في يوم واحد، بل على مراحل، بحيث سيهدم عدد معين من المنازل في كل أسبوع». أما محكمة الاحتلال المركزية بحسب قعوار فقالت إنها ستقوم بدراسة ملف الأهالي الذي يطالب بتمديد قرار الهدم.
وكان أهالي الحي، الذي يقع بين حيّ أبو طور وحيّ سلوان، ونشطاء مقدسيون قد نظموا وقفة احتجاجية أمام محكمة الاحتلال المركزية بالقدس؛ رفضاً لقرار تهجير العائلات من منازلها إثر صدور الأحد الماضي قرار نهائي يقضي بهدم 84 منزلًا في الحي بحجة توسيع «غابة السلام» المقامة على أراضي الحي.
وينشط أهالي الحي منذ عام 2004 في محاولات مستمرة من أجل ترخيص منازلهم من دون جدوى. والعائلات المهددة منازلها بالهدم هي: عباسي، أبو خاطر، شويكي، سمرين، القاق، أبو خلف، الجعبري، الرازم، أبو رموز، برقان، أبو رجب، القاعود، الشلودي، ومراغة.
ويقع الحي في الجهة الجنوبية الغربية لبلدة سلوان، ويمتد على مساحة 310 دونمات، ويعيش فيه 1050 فردا، على أمل أن تنصفهم المحكمة الاحتلالية عبر منح الأهالي مهلة للعمل على إجراءات التنظيم. وهو أمر بحسب المحكمة تحت الدراسة، في حين يبلغ عدد الأشخاص المهددين بالتهجير 600 شخص.
شراء الزمن
الناشط خالد شويكي، عضو لجنة الدفاع عن الحي يرى أن أكبر مخاوف الأهالي يتمثل في خسارة المنازل، وردنا على ذلك يتمثل في عدم الخروج، «نحن أصحاب الأرض والحجر».
يؤكد شويكي أن هذه معركة عمرها 20 سنة، وهي جزء من معركة مستمرة من أجل التهجير، ونحن نريد أن ندخل منازلنا من دون أن نخاف أو ننظر للخلف.
ويرى أنه في مواجهة سياسات الاحتلال فإن هناك صحوة شعبية من السكان تقوم على مبدأ الاعتماد على النفس للدفاع عن الأراضي والمنازل.
ويشدد على إننا ندفع المخالفات منذ سنوات طويلة، وهو ما يجعلنا كأننا مستأجرين منازلنا من بلدية القدس، ونحن بهذا الفعل نشتري زمننا بالقدس للبقاء في المنازل.
ويؤكد أن قرار الأهالي مفاده «لن نهدم أي بيت، ولن نسمح لأحد أن يهدم لنا بيتا أيضا».
دفعنا للخروج من القدس
المقدسية فاتنة الرازم تقول إنها ومنذ أن سكنت في منزلها قبل 14 عاما تدفع الضرائب والغرامات و»اليوم تأتي المحكمة وتطالبنا بالرحيل والهدم».
وتضيف: «أكثر ما يقلقنا أننا نعرف أن عيونهم على أراضينا وبيوتنا، وهذا حال كل المقدسيين حيث أن الكل مستهدف، وهو ما يجعل حياتنا هنا عبارة عن مجاهدة من أجل البقاء في المكان الذي يعتبر حياتنا كلها وهو القدس».
وتتابع: «كل يوم نستيقظ ونتوقع أنه آخر يوم لنا في منازلنا، الله وحده يعلم كيف اشترينا الأرض التي بنينا عليها المنزل، وكيف تدبرنا الأموال وتحملنا الديون لسنوات طويلة حتى نتمكن من السكن، نحن لم نسرق الأرض حتى يطالبونا بالمغادرة أو التنظيم أو توفير إسكانات لنا في أماكن بعيدة، لم نعتد على أحد، وما يحركهم هو مخططات التهويد».
وتشير الرازم إلى أن أغلب العائلات كبيرة العدد، وبالتالي أين تذهب للسكن؟ ونحن نعلم أن الإيجارات في القدس مرتفعة التكاليف، وغالبا ما لا يمكن للسكان استئجار منازل إذا كان عدد أفراد الأسرة كبيرا «وهو ما يدفع لخيارات الذهاب إلى الضفة الغربية أم بلدات مثل: زعيم وعناتا وأبو ديس والعيزرية، وهذا تماما ما يريدونه لنا».
وتختم قائلة: «نحن لا نعيش في القدس للحفاظ على الهوية الزرقاء بل من أجل الرباط فيها».
الناشطة المقدسية منى بربر والتي قالت إن رئيس الوزراء الفلسطيني جاء إلى بلدة الرام في القدس ووعد المقدسيين بجودة الحياة، في وقت تهدم فيه منازل القدس، فأي جودة للحياة والمقدسي لا يمكنه أن ينام ليلة واحدة وهو آمن في منزله، كيف يمكن لنا أن نصدق ذلك ونحن لا نأمن على بيوتنا؟
وأضافت: «المقدسي يحاكم ويتم التفاوض معه على حق له، وهو يقف وحيدا لحماية بيته الذي يسكنه منذ أكثر من 18 عاما».
وتابعت: «أكبر درجات الظلم، يقضي المقدسي نصف حياته من أجل بناء بيت، فيما يقضي نصف حياته الآخر من أجل تسديد غرامات مخالفات لبلدية القدس، وفي هذه الأثناء يعيش على الخوف والهواجس المرعبة من أن يخسر بيته في كل لحظة».
التفوق اليهودي
وبحسب تقرير لمؤسسة «بتسيلم» المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة فإنه منذ عام 1967 تسعى سياسة التخطيط الصهيوني في القدس إلى تثبيت التفوّق الديموغرافيّ اليهوديّ في المدينة، وتكاد لا تتيح أيّ بناء مرخّص في الأحياء الفلسطينيّة. فالخرائط الهيكليّة التي أعدّتها البلديّة لهذه الأحياء هدفها الأساسيّ تقييد وتقليص إمكانيّات البناء بوسائل مختلفة منها تصنيف أراضٍ شاسعة كمساحات خضراء لكي تمنع الفلسطينيّين من البناء فيها.
وبحسب الأهالي فأنه في عام 2004 نظّم سكّان الحيّ أنفسهم وقدّموا إلى لجنة التخطيط والبناء اللّوائيّة خريطة هيكليّة مفصّلة بهدف تسوية وضع المنازل، لكنّ في العام 2008 رفضت اللّجنة المصادقة على الخريطة بحجّة أنّها تخالف تعليمات مخطّط «القدس 2000» التي حدّد أنّ الأرض التي أقيم عليها الحيّ مصنّفة «مساحة خضراء».
وبحسب «بتسيلم» فإن بلدية الاحتلال والصندوق الإسرائيلي «الكيرن كييمت» المسؤولان عن إدارة الغابة على خطّة قدّمتها جمعيّة «إلعاد» الاستيطانيّة تتضمّن تطوير مخطّطات لإقامة منشآت تخييم تستقبل جماعات للمبيت بما في ذلك منشأة «أوميغا» لرياضة التزحلق على الحبال تعدّ الأطول من نوعها في فلسطين المحتلة، حيث تمّت إقامة جزء من هذه المنشآت في الغابة بدون استصدار رخص بناء وقد أصدرت البلديّة أوامر هدم بحقّها لكنّها تتجنّب تنفيذ ذلك، أمّا أصحاب المنازل في وادي ياصول فقد قدّمت الدولة ضدّهم جميعًا خلال العقد الأخير لوائح اتّهام لدى محكمة الشؤون المحلّية التي أصدرت بدورها أوامر هدم لجميع المنازل وفرضت على كلّ أسرة غرامات بلغت عشرات آلاف الشواقل.
ويذكر أن سكّان الحيّ أقاموا منازلهم في بداية التسعينيّات على أرض بملكيّة فلسطينيّة خاصّة وذلك في محاذاة غابة السلام التي كانت أيضًا أملاكًا فلسطينيّة خاصّة صودرت من أصحابها في عام 1970 وفي عام 1977 صنّفت بلديّة القدس أراضي الغابة والأراضي التي أقيم عليها لاحقًا حيّ واصول «مساحات خضراء» يُمنع البناء فيها.
ووفق تقديرات مؤسسات حقوقية فإن أزمة السّكن الخانقة في القدس أجبرت السكّان على البناء بدون ترخيص، حيث يقدر عدد المنازل التي بناها فلسطينيون بدون ترخيص بعشرات الآلاف، فيما أسباب عدم منح الفلسطينيين التراخيص المطلوبة فهي معروفة للجميع، فالسياسات الاحتلالية تسعى إلى تعزيز التفوق اليهودي الديموغرافي في المدينة المحتلة.