الخرطوم ـ «القدس العربي»: رغم الرفض الواسع الذي قابل به الشارع السوداني توقيع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لإعلان سياسي جديد مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلا ان عددا كبيرا من السودانيين حاولوا إيجاد مبررات لحمدوك، الذي يتمتع بشعبية كبيرة، بينما اعتبره آخرون «خائنا للثورة» وذلك بالتزامن مع ترحيب دولي بالاتفاق الجديد، الذي اعتبر أستاذ جامعي أن صموده «صعب جدا في الوضع الراهن».
وفي استطلاع قامت به «القدس العربي» في شوارع الخرطوم، انقسم الشارع ما بين مطالب لرئيس الوزراء بالعدول عن هذا الاتفاق ومواصلة طريق الثورة، وما بين متسائلين حول الضغوط التي تعرض لها أثناء وجوده في الإقامة الجبرية لقرابة الشهر، في وقت رفض آخرون إيجاد مبررات لحمدوك رغم تعاطفهم معه، مؤكدين أن حقن الدماء لا يتم بوضع يد رجال الثورة في يد الانقلابيين.
سعاد عثمان، قالت: «نحن نرحب بعودة حمدوك. الرجل الذي نثق به، لكن الردة مستحيلة، هناك شهداء قتلوا منذ بداية الانقلاب ومنذ تولي المجلس العسكري للسلطة بعد سقوط نظام عمر البشير، ولذا يجب أن يذهب البرهان، ونؤكد لا يمكن أن يملي قائد الجيش على الشارع ما يريد حتى لو عاد حمدوك».
أما عمر أسامة فقد بيّن أن «حمدوك بتوقيعه لهذا الاتفاق سيفقد الشارع الذي ظل سندا له». واعتبر ما «قام به حمدوك خيانة للعهد والدماء التي لا تزال تسفك، رغم سلمية الشارع ومطالبته بالانتقال الديمقراطي». وأضاف: «التصعيد مستمر، وإما أن يعود حمدوك للشارع أو يذهب».
كذلك، اعتبر عبد الرحمن علي أن «ما حدث في القصر لا يعني الشارع السوداني في شيء» مشيرا إلى أن «ما قام به حمدوك يأتي في سياق عادة النخب السودانية أن تقصم ظهر الشعب السوداني وبسببهم تستمر حلقات الانقلاب».
وأكد أن «الشارع لن يتنازل ولن يثق في العسكر» مشيرا إلى البناء القاعدي بدأ وأن الشارع أصبح أكثر وعيا وسيواصل التصعيد وصولا لحكومة انتقالية ديمقراطية».
وطالب حمدوك بـ«التراجع عن هذه الشراكة المشوهة والمضي مع الشارع الذي يريد كسر حلقة الانقلابات الشريرة» على حد قوله.
وحسب سلمى أبو القاسم، فإن اتفاق «حمدوك ـ برهان بيع واضح للدم السوداني ومسرحية يرفضها الشارع» محملة حمدوك «مسؤولية الاتفاق مع الانقلابيين بشكل كامل».
وأضافت «لقد سقط حمدوك، نحن ثابتون على مواقفنا الرافضة للشراكة والتفاوض والشرعية للانقلاب».
أما إيمان إبراهيم، فهتفت بالهتاف الشهير : «الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والجيش للثكنات» مؤكدة أن «الشارع حسم موقفه، وأن ما حدث من اتفاق هو مواصلة لمسلسل الانقلاب وأن الشارع سيواصل في السلمية وينتظر من حمدوك تبريرا واضحا لما فعل».
ولفتت إلى أنهم «مؤمنون أن حمدوك رجل وطني، وأنه ربما تعرض لضغوطات، أو تم تهديده بسفك مزيد من الدماء».بينما قالت صفية أحمد: « نحن كشعب سوداني تكفينا التجارب السابقة، ربما يقصد حمدوك فعلا حقن الدماء، ولكننا إن وافقنا على ما فعله سنبقى طوال عمرنا تحت قبضة الجيش وتضيع دماء كل الشهداء هباء».
ورأى أبو ذر محمد أن «حمدوك ينظر للأمور بطريقته التوافقية مطالبا بتركه يحاول بطريقته إصلاح الأمور بينما يواصل الشارع طريقه في الضغط وصولا لإسقاط كل قادة الانقلاب وشراكة الدم» على حد قوله.
وحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي، فإن «الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك، جاء في ظل رفض من الشارع والقوى السياسية في السودان، وتأييد وقبول من المجتمع الدولي والاقليمي له» مشددا على أن «صمود الاتفاق صعب جدا في الوضع الراهن».
وقال لـ«القدس العربي» إن «صمود الاتفاق السياسي وتحقيق مهامه مرهون بدخول رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في حوار جاد مع الشارع والقوى المدنية والسياسية وشرح موقفه لها». وأكد أن «استمرار الرفض للاتفاق من الشارع والفاعلين السياسيين في السودان سينتقل لانسداد جديد في الأفق السياسي والدخول في سيناريوهات أخرى قد تكون غير مضمونة النتائج في السودان».
وأشار إلى أن «الشارع والقوى السياسية والحركات غير الموقعة على اتفاق السلام يعتبرون الاتفاق قطعا لمسار الثورة وتأخيرا لمهامها المتفق عليها» مشيرا إلى أن «المعادلة الحالية في الحكم، اقتضتها ظروف إقليمية ودولية ومحاولات تحقيق الاستقرار ونزع حدة التوتر».
دولياً، أبدى وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن، تفاؤله بالمحادثات في الخرطوم وعودة رئيس الوزراء حمدوك لمنصبه، واستئناف التنسيق بين الاطراف السودانية، محذرا من «استمرار الاعتداء على المتظاهرين».
كما دعت فرنسا الإثنين إلى «الإسراع بتشكيل» حكومة مدنية.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية «ترحب فرنسا بعودة عبد الله حمدوك إلى رئاسة الوزراء، وتدعو إلى مرحلة جديدة بالإسراع بتشكيل حكومة مدنية».
وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، آن كلير لوجاندر «تجدد فرنسا دعوتها للإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين الموقوفين منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر، واحترام حقوق السودانيين في التعبير عن آرائهم سلميا».
وأيضاً، حثت قطر، الإثنين، الأطراف السودانية على الوصول إلى صيغة توافقية تمثل كافة أطياف الشعب وتمهد الطريق للأمن والاستقرار.
ودعا بيان للخارجية القطرية «مجلسي السيادة والوزراء السودانيين للاستمرار في الحوار والتنسيق مع كافة القوى الممثلة للشعب السوداني، للوصول إلى صيغة توافقية تمثل كافة أطياف الشعب، وتمهّد الطريق نحو الأمن والاستقرار والتنمية».
ورحبت قطر بالاتفاق السياسي الذي تم التوقيع عليه في السودان، كما جددت التأكيد على «دعمها الكامل لوحدة وسيادة واستقرار السودان، ووقوفها إلى جانب الشعب السوداني الشقيق» حسب البيان ذاته.