تعليقي على الخط الصغير والدقيق الذي كان خطّي، ظلّ كلامي، على الدوام، الأكثر سطحيّة وتسرّعا بين ما يمكن أن أُجيب به. كنت أقول إني أحبّ الورقة مكتملة، غاصّة بأقصى حمولتها. أو أفكّر بإزاء الورقة التي حشدتُ فيها 1500 كلمة، أن صفحات كثيرة ستتولّد من هذه الصفحة الواحدة، عند طبعها في كتاب. ذلك القليل المختزِن للكثير، كان يبثّ فيّ شعورا بالكفاية، أنا المقلّ الذي يقضي ثلاث ساعات أو أربع ساعات لا يتحصّل منها سوى على سطرين أو ثلاثة أسطر.
الآن أعرف، بعد أن ولّى زمن الكتابة بالقلم، أن عادتي تلك كانت أكثر تعقيدا مما كنت أظنّ، ومما يمكن أن يكون لخيار عادي. ذلك الهوس بأن تكون الكلمات أضأل حجما كان يدفعني إلى الرغبة ببلوغ حدّ الضآلة الأقصى، باحثا لذلك في محلات القرطاسية عن الأقلام الأكثر استدقاقا. وبمقابل ذلك، بل على الضدّ منه، كنت أرغب في أن تتسع مساحة الورقة لتكون في حجم الـ A3بدلا من الـA4 التي كنت أستخدمها للكتابة.

شيء من ذلك، بل أكثر من ذلك، رأيته معلّقا على جدار في تلك الصالة الواسعة، القليلة الإضاءة. كانت ورقة واحدة تتدلى من أعلى الجدار إلى أسفله «بطول خمسة أمتار» حسب ما ذكرتْ كاتبتُها، أو خاطّتُها، شذا شرف الدين. ذلك أشبه بحلم يراود أولئك الذين يسعون إلى أن تتسع ورقة واحدة لكتاب كامل. حين اقتربت من تلك الورقة تبدّى لي أن ما هو مخطوط فيها ليس إلا شكل الكلمات وحركتها، وهي تتقدّم مسرعة إلى الأمام. لا شيء مفهوم، ولا شيء مقول بالكلمات. أقصد أننا إزاء كتابة بلا لغة. فقط ذلك التعبير بالخطّ الذي ينقل، بطريقة عصيّة على التفصيل، ما يدور في الرأس وما تنقله اليد، بل، حسب ما تقول شذا ردّا على سؤال من منال خضر منظمة المعرض: «كنت أنسخ الكلمات بحركة تلقائية أجعل فيها يدي تتحرّك على إيقاع تحدده الفقرات أو الكلمات» تلك التي ربما يصعب أن تكون كلمات ما دامت لا تحمل معنى تنقله بالمعنى الكتابي أو التخاطبي. إن هي إلا خطوط متخّذة شكل كلمات مكتوبة تسير أو تتتإلى بإيقاع يبدو قريبا من أن يكون آليّا حركيّا، لكنه في الوقت نفسه، حاضن لمعنى خاص بها، أو بحركتها، يصعب تفسيره أو إفهامه. هو الخطّ الكرشوني (ذاك الذي كانت تُكتب فيه العربية بأحرف سريانية) الذي نسخت به رسالة شذا شرف الدين إلى الأب، بمعنى لا يقل غموضا عن سائر ما يتعلّق بعلم الخطوط وأسرارها، لرسالة فرانز كافكا الشهيرة إلى أبيه.

ولا يحسن بمشاهد تلك «اللوحة» أن يسعى إلى إيجاد وجه شبه بين رسالة كافكا ومخطوطة صاحبة المعرض، إذ ستبدو كل مقارنة بينهما متعسّفة، أو غير مقنعة كفاية. أن نقول مثلا إن رسالة كافكا إلى أبيه، المنشورة في كتاب، كان يمكن لها أن تُغرق في الإطالة، ما دام أن كلاما كثيرا لم يقله الكاتب بعد عن علاقته بأبيه. كذلك ما قالته شذا عن قدرتها على أن تبلغ حجم رسالتها، وهي تتكلم عن «حجم» هنا، أضعاف حجم ذلك المخطوط المعروض في الصالة.
أما اللوحات الأخرى المعلقة على جدران أخرى في المعرض فهي إعادة تشكيل لسطور وصفحات كتاب كافكا، بالألمانية والعربية. أحسب أن نسختي الكتاب خطّت كلها، بكامل كلماتها، ما جعل بعض الحاضرين يؤولون ذاك الجهد المبذول بقولهم حينا إن ذلك يشبه القصاص بالكتابة، ذاك الذي كان يعاقب به الأساتذة تلامذتهم الصغار. بعض آخر قال إن ذلك طريقة ملحّة في القراءة، أو، وهذا قول ثالث، أن في هذا عودة إلى المخطوطات العربية وسحرها، الغامض هو أيضا.

هي خرائط متألفة من كلمات ومعانيها قائمة في خطوطها. هذه المرّة تنقل الكتابة، بل القراءة، ما تثيره في من يقرأ دافعة إياه إلى رسم ما تأخذه إليه الكتابة، أو، كما تقول عليا كرامي في تعليقها على الصفحات المعروضة، بأنها تخلق بعدا «يتداعى فيه الشفويّ والمكتوب، وينكسف فيه المعنى أمام الشكل». «أنا أرى أن خطّ واحدنا بمثابة تعبير عن حركته الداخلية» تقول شذا، وهي حين تصف ما يضعه القلم على الورقة، بكل الصغر والضيق اللامتناهيين لذلك الفعل، تلمّح أيضا إلى تلك الحيرة والترقّب اللذين يحملنا إليهما الفعل هذا. تلك الفقرات الراسمة للصفحات الذاهبة أفقيا وعموديا وحلزونيا، والمتشكلة حينا مثل أبواب، أو مثل قباب، لا تبقى، رغم ذلك، مقادة بالتشكيل الهندسي، إذ هناك دائما ما تقوله الرسوم عن الدور الخفي، غير المنتبَه له، للكلام المخطوط، ولوقع الكتابة على كاتبها وإدارتها دفّة استجاباته.
معرض شذا شرف الدين في «مركز مينا للصورة» موضوعه كتاب فرانز كافكا «رسالة إلى الأب» بلغتيه الألمانية والعربية. افتُتح المعرض في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر ويستمر حتى الثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر المقبل.
كاتب لبناني