المثقف العربي في الغرب… أي دور؟

حجم الخط
0

المثقف العربي في الغرب… أي دور؟

محمد غرافيالمثقف العربي في الغرب… أي دور؟من شاهد من العرب برنامج كيلتير إي ديباندانس علي القناة الفرنسية الثالثة ليوم 8 مارس الذي تمحور ـ علي هامش معرض الكتاب الدولي بباريس ـ حول الفرانكفونية، لا يسعه إلا أن يتعجب من أقوال وآراء الروائي الطاهر بنجلون وأن يستنكر بشدة مواقفه إزاء اللغة العربية خاصة. ففي الوقت الذي شدد فيه كل ضيوف البرنامج من كتاب فرانكفونيين علي دور اللغة التي يكتبون بها في صياغة خطاب مناهض للنزعة الكولونيالية ومحاربة هذه الأخيرة من داخل أداتها التعبييرية والتواصلية (اللغة الفرنسية)، وركزوا علي دورثقافاث ولغات بلدانهم الأصلية في تطعيم إبداعهم، قام الطاهر بنجلون بتقزيم الثقافة العربية واللغة العربية معا، وإعطائهما نفس الصورة القاتمة التي ترضي الرأي العام الفرنسي في السياق الجيوـ سياسي الراهن، صورة ثقافة دينية تعيق التطور والديمقراطية، وهي الصورة التي تعيدها علي مسامعنا وأنظارنا الوسائل السمعية البصرية منذ أحداث 11 شتنبر/أيلول. فالطاهر بنجلون الذي يكن احتراما للغة العربية سعيد علي حد قوله بفرانكفونيته لأن هذه الأخيرة فتحت له العديد من الأبواب من بينها علي حد قوله دائما ترجمة أعماله إلي العديد من اللغات”. ويضيف الكاتب الذي يرفض أن تصنف أعماله في خانة الكتاب الفرانكفونيين من أصل أجنبي لأنه بكل بساطة كاتب فرنسي : اليوم وحال الثقافة واللغة العربية في أزمة، فأنا سعيد أن أكتب بالفرنيسة”. لا أعتقد أن اللغة العربية في أزمة. أما الثقافة العربية، فمتي، علي غرار مجتمعاتها، لم تكن في أزمة ؟موقف الطاهر بنجلون هنا هو موقف الهارب من ثقافة يحلو له فقط أن يكتب عنها روايات فولكلورية، أما أن يساهم في إخراجها من الأزمة فذلك حسب ما يبدو من كلامه موقف المثقف العربي الذي يكتب بالعربية. غضب الطاهر بنجلون من أن تصنف أعماله في ا لمكتبات ضمن جناح الأدب الأجنبي المكتوب بالفرنسية ومحاولته نزع الإعتراف بأنه كاتب فرنسي هو دليل آخر علي هذا الهروب وعلي التنكر للثقافة التي أنتجت موحا الأبله، موحا العاقل و”طفل الرمل”. هكذا يكرس الطاهر بنجلون إسمه ضمن قائمة المثقفين العرب الذين بدأوا منذ سقوط المعسكر الإشتراكي وانهيار اليسار العربي وتصاعد المد الرأسمالي بما فيه رأسمالية الكتاب، يبحثون عن الإعتراف وتلميع الوجه خارج بلدانهم الأصلية وبالذات في البلدان الغربية ، فأصبح علي المثقف العربي الذي يكتب بالعربية أمام تحديين : أولهما أن يبدع بالعربية وثانيهما أن يجد مترجما لأعماله إلي الفرنسية أو الأنجليزية. التحدي الثاني أضحي هوس العديد من هؤلاء المثقفين. أما الذي يكتب مباشرة إلي لغة أجنبية كما هو حال صاحبنا فإنه يبحث عن سبل أخري لنزع هذا الإعتراف من أهمها إعطاء كتابته محتوي يروق للقارئ الغربي. ولنا في روايات الطاهر بنجلون منذ ليلة القدر الدليل القاطع علي ذلك. وفي كلتا الحالتين، فإن الذوق الغربي هو الذي أصبح يتحكم في عميلة الإنتاج الثقافي العربي لدي العديد من نخبتنا.ليس عيبا أن يحلم كل مثقف عربي بترجمة أعماله إلي لغات أجنبية، بل إن الترجمة تلك في حال مساهمتها في التعريف بالثقافة العربية الحديثة تعد مكسبا مهما ومفخرة لا للكاتب وحده بل للثقافة العربية برمتها. العيب هو أن نكتب ونحن نفكر في القارئ الأجنبي قبل أن نفكر في القارئ العربي، أن نكتب من أجل أن يترجم لنا، فتصيراللغة العربية هي الوسيلة فقط واللغات الأخري هي الهدف. معظم ما ترجم لنجيب محفوظ حتي قبل نيله جائزة نوبل للآداب، ولجمال الغيطاني ومحمود درويش أعمال فرضت نفسها إبداعيا علي الترجمة. فجاءت هذه الأخيرة في أقصي درجات شرعيتها. حال العديد من المثقفين العرب اليوم هو نزع الإعتراف بمكانتهم الأدبية عن طريق التهافت وراء الترجمة حتي وإن كانت هذه الأخيرة في أقصي درجات رداءتها. ها هنا تكمن إحدي مظاهر أزمة الثقافة العربية التي علي الطاهر بنجلون أن يساهم علي الأقل في فكها لا في الهروب منها. إن حال هذه الأزمة يقول إن مطرب الحي لا يطرب. ولذلك يجب البحث عن شرعية الكتابة لدي الآخر حتي وإن اقتضي الأمر ممارسة التملق في جميع مظاهره علي منابر المحطات الإذاعية والقنوات التلفزية الغربية، ولوك نفس الخطاب الذي لا يري في الثقافة العربية الآن سوي ثقافة إسلاموية وعائقا كيبرا أمام التطور. هذا علي الأقل ما صدر عن الطاهر بنجلون في هذا البرنامج خاصة حين أكد أننا لا يمكن أن نقول كل شيء باللغة العربية لأنها لغة القرآن”. هكذا ببساطة تصير اللغة العربية هي السبب في تخلف المجتمع العربي و”أزمة الثقافة العربية”، وليس عجز أبناء هذا المجتمع وفي طليعتهم المثقفون العرب عن كسر الحواجز السياسية والإجتماعية التي تفرضها الأنظمة العربية علي شعوبها منذ قرون عدة. إن هذا الرأي الذي يبدو ساذجا لا يدل علي فقر في ثقافة الرجل ولا عن قصور فكري، فالطاهر بنجلون يدرك جيدا أن اللغة العربية كانت وما تزال قادرة علي التعبير بدقة وبيان عن جميع القضايا بما في ذلك قضية الجنس التي يحلو لكاتبنا أن يتباهي بذكرها أما م مشاهدي القناة الفرنسية، وله في ألف ليلة وليلة و”الروض العاطر أمثلة مقنعة. أما في الأدب العربي الحديث فيكفي أن نحيل الرجل علي رواية الخبز الحافي لمحمد شكري التي قام بترجمتها هو نفسه إلي الفرنسية بعد أن رفضت الرقابة ـ لا اللغة العربية ـ خروجها إلي الوجود لمدة طويلة في حلتها العربية. إن المشكل لدي كاتبنا يكمن في أنه مازال علي عادته غير قادر علي المشاركة في الخطاب النقدي ضد الهيمنة السياسية والإيديولوجية للأنظمة العربية، بل علي العكس، فقد راكم في السنوات الأخيرة آراء تدرجه علي الأصح ضمن مثقفي السلطة، كان أخطرها اعتباره أثناء تقديم كتابه عن تازمامرت في مدينة تولوز بفرنسا أن هذا المعتقل الرهيب بالمغرب كان فقط حدثا عابرا في التاريخ المغربي ، وهو كلام لا يغفر له عنه ضحايا هذا المعتقل الأموات منها والأحياء. ويكمن المشكل من جهة ثانية في محاولته الدائمة والمستمرة في اللعب علي الوتر الحساس لدي القارئ والمستمع والمشاهد الغربي. القول إن اللغة العربية هي لغة القرآن وبذلك لا يمكن أن نقول فيها وبها كل شيء عبارة فولكلورية جميلة في أذن الرأي العام الفرنسي عن الشرق العربي، فهي تثير مسألة القداسة في الفكر واللغة وتغني المشاهد الفرنسي بما في ذلك النخبة عناء البحث عن الأسباب الحقيقية لأزمة المجتمع العربي. كما أن ربط اللغة بالقرآن عن طريق هذا الإختزال الخطير هو تكريس ليس إلا للدعاية الأمريكية التي تقول بتصادم الحضارات وللخطاب السائد حاليا في فرنسا الذي يضع ما هو عربي وما هو إسلامي في كفة واحدة والذي يروج له العديد من المثقفين الصهاينة في فرنسا.إن حاجة المثقف العربي إلي رضا وشهادة الآخر التي تشيد بإبداعه حتي وإن كانت هذه الشهادة صادرة عن أقلام لا صدي لها علي الإطلاق في بلدانه، أصبحت مظهرا خطيرا من مظاهر التبعية والرضوخ لنسق فكري وإيديولوجي يتحكم في إنتاجه وتطعيمه وضمان هيمنته أجهزة الإعلام الغربي. دعوت منذ بضعة أسابيع شاعرا عربيا كبيرا أشهر من نار علي علم ليكون ضيف السنة ليوم الشعر العربي بجامعة تولوز فتراجع عن قبوله المبدئي بعد أن علم أنه ليس ثمة فرنسي كما طلب يتحدث عن شعره. لا يكفي صاحبنا أن يتحدث عن شعره بالفرنسية كاتب عربي، بل يجب أن يكون الفرنسي ذاك فرنسي اللحم والدم حتي وإن كان أجهل الجاهلين بالشعر العربي حديثه وقديمه.هذا المرض الخطير الذي أصاب العديد من المثقفين العرب في الغرب، وهو مرض البحث عن جائزة بشتي الطرق، يجب التصدي له عاجلا. فمتي يجتمع المثقفون العرب في الغرب حول طاولة من أجل تحديد استراتيجية موحدة تخدم مصلحة الثقافة العربية وتعرف بوجهها الحداثي والمتنور لدي الآخر، ثم تقتسم الأدوار لفرض نفسها علي الأجهزة الإعلامية الغربية ؟ في فرنسا مثلا لا يخفي علي أحد مدي تحكم اللوبي الصهيوني في إدارة هذه الأجهزة سواء عبر الصحافة المكتوبة أو القنوات التلفزيونية، ولذلك فالمتتبع لبرامج هذه القنوات يدرك سريعا حرص هذه الأخيرة علي استضافة نفس الأسماء من المثقفين العرب الذين يكررون خطابا واحدا عن العرب والثقافة العربية حتي تعود المشاهد الفرنسي علي تمثل نفس النماذج من هؤلاء المثقفين وتمثل نفس الخطابات. لماذا مثلا كلما تعلق الأمر بالفرانكفونية كان الطاهر بنجلون ناطقها الرسمي، بينما أصبحت ساحة الفرانكفونية العربية والمغاربية خاصة تعج بأسماء جديدة وقديمة ؟!شاعر واستاذ جامعي من المغرب يقيم في فرنسا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية