بغداد ـ «القدس العربي»: انتقدت وزارة المالية العراقية، الخميس، تكرار المطالبات السياسية بإعادة سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي إلى ما كان عليه في السابق، أي ألف و250 ديناراً مقابل كل دولار، أشارت إلى أن تعديل سعر الصرف أنقذ آلاف الموظفين من التسريح.
وقالت، في بيان صحافي، إن «في الأسابيع القليلة الماضية، كانت هناك تصريحات بين كبار الشخصيات السياسية بشأن سعر الصرف المناسب، ولقد عالجت وزارة المالية هذه المسألة عدة مرات وفي عدد من العروض التفصيلية فيما يتعلق بالاستراتيجية والسياسة الكامنة وراء تعديل سعر الصرف».
وذكرت الوزارة، وفق البيان، بموقفها السابق، مضيفة «نأمل من خلال عرض سياستنا بطريقة واضحة ومقنعة، سيكون لدى الحكومة القادمة المعلومات الاساسية الصحيحة للتفاعل مع هذا الأمر. علما أن المجتمع الدولي قد دعم تعديل سعر الصرف. حيث دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وجميع الدول الصناعية الخطوة علناً وفي الوثائق والتقارير المنشورة من قبلهم».
وبشأن ضرورة تخفيض سعر الصرف في كانون الأول/ ديسمبر 2020، بينت أن «عندما انهارت عائدات النفط العام الماضي، كانت الحكومة العراقية تواجه ضغوطا تمويلية هائلة، بينما كانت تكافح للوفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية الأساسية».
وتابعت: «كانت احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي في مسار هبوط سريع، وفي كانون الأول/ نوفمبر 2020 كان من المتوقع أن تنفذ في غضون عام. كان تأرجح العراق على شفا أزمة شاملة هو أحد أعراض الضعف الذي طال أمده أمام انخفاض أسعار النفط. لم تكن جهود الحكومة لتأجيل كل الانفاق غير ذي الاولوية والتركيز على دفع الرواتب في الوقت المناسب والمعاشات التقاعدية والمعونات الاجتماعية كافية».
وأشارت إلى أن «سد العجز المالي الكبير للغاية دون تخفيض قيمة العملة كان سيتطلب تخفيضات عميقة ومؤلمة في النفقات الاجتماعية وتسريح آلاف الموظفين. كان تخفيض قيمة العملة ضروريا للسماح بتعديل مالي أكثر تدريجياً، وبالتالي، تجنب الاضطرابات الكبيرة في الخدمات العامة الرئيسية. من خلال تشجيع الاستهلاك المحلي على الابتعاد عن الواردات، ساعد تخفيض قيمة الدينار أيضاً على حماية احتياطيات البنك المركزي العراقي من النقد الاجنبي ومنح المنتجين العراقيين فرصة لخلق فرص عمل ودخل من خلال المنافسة الأفضل في السوق المحلية».
وأوضحت أن «على الرغم من أن تخفيض قيمة العملة في العام الماضي واستعادة أسعار النفط قد ساعد على تحسين الوضع المالي للعراق، فمن الاهمية أن نأخذ في الاعتبار أن البلد لا يزال ضعيفاً للغاية».
ومضت إلى القول: «يمكن أن تتحول الفوائض الحالية إلى عجز مع عودة أسعار النفط إلى وضعها الطبيعي على المدى المتوسط. وقد يؤدي حدوث انكماش آخر في سوق النفط بسهولة اعادة البلاد إلى شفا أزمة. لكي يستعيد الاقتصاد العراقي قوته الكاملة ويكون مستداماً، يجب أن تكون السياسات الاقتصادية موجهة نحو تحسين المرونة في مواجهة تقلبات أسعار النفط من خلال بناء مصدات مالية وتنويع الاقتصاد. إعادة تقييم الدينار سيكون له تأثير معاكس».
ولفتت إلى أن «هناك أسبابا وجيهة لندرة إعادة تقييم أسعار الصرف الثابتة على سبيل المثال، في عام 2005، أعادت الصين تقييم عملتها استجابة لضغوط شديدة من الولايات المتحدة التي هددت بفرض رسوم جمركية على الواردات».
وأضافت: «ستؤدي إعادة التقييم إلى خفض قيمة الدينار لعائدات النفط وبالتالي القضاء على جزء كبير محتمل من موارد الميزانية، والتي يتم توظيفها في إعادة الاعمار، الصحة والتعليم والتحويلات الاجتماعية ومجالات أخرى ذات أولوية. ستضعف بشدة قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية. زيادة الطلب على العملات الاجنبية يمكن أن تزعزع استقرار سوق العملات وتؤدي إلى اتساع الهوامش العرض والطلب، المستوردون هم الأكثر استفادة من إعادة التقييم. تشير التجارب من البلدان الاخرى إلى أنه بعد إعادة التقييم، يمرر جزءاً صغيراً فقط من هوامش ربحهم الموسعة إلى المستهلكين ويستحوذون على الجزء الاكبر منها بأنفسهم».
وأتمت الوزارة: «ذلك لأن الهدف التجاري المتمثل في خفض الأسعار ليس إفادة المستهلكين بل إخراج المنافسة، لا سيما المنتجون المحليون. إذا كان المنتجون المحليون يعانون بالفعل من ضغوط مالية، فسيكون حتى خفض بسيط في الأسعار كافٍ لإخراجهم من العمل».
ورجحت، أن «تكون الفوائد التي تعود على المستهلكين ضئيلة، وسيكون الضحايا الرئيسيون لإعادة التقييم هم رواد الأعمال المحليون والمزارعون وعمال القطاع الخاص. سيصبح دفع تنمية القطاع الخاص وبناء قاعدة إنتاج محلية أكثر صعوبة عندما تصبح الواردات أرخص. وللسبب نفسه لن تشعر الفئات الفقيرة والضعيفة الا بقدر ضئيل من الفائدة، إن وجدت على الإطلاق».
وأكملت، أن «معظم البلدان أدركت منذ فترة طويلة أن أكثر الأدوات فعالية لمساعدة الفقراء، هي المساعدة النقدية المباشرة التي يتم تقديمها إلى جيوب من هم في أمس الحاجة إليها ستوفر ميزانية 2022 فرصة لتقوية شبكة الحماية الاجتماعية في العراق».
واستدرك البيان: «الآن بعد أن أصبحت لدى الحكومة الوسائل للقيام بذلك. إن محاولة مساعدة الفقراء من خلال رفع قيمة الدينار ستكون أشبه بإلقاء فواتير نقدية من طائرة مروحية على أمل أن تهبط على أعتاب المستفيدين المقصودين. في حين تم تعديل سعر الصرف منذ ما يقرب من عام، فقد ربطه العديد من المعلقين غير المسؤولين بالمستويات المتزايدة للأسعار خلال العام الماضي. هذا غير صحيح». وبينت، أن «العراق يتأثر كما هو الحال بالنسبة لبقية العالم، بانهيار سلاسل التوريد العالمية بسبب وباء كورونا، زادت تكاليف الشحن والنقل بشكل كبير، وزادت المواد الغذائية وزيوت الطعام بشكل ملحوظ، وكذلك تكاليف مواد البناء والعديد من السلع المصنعة، بما في ذلك السيارات والشاحنات».
وأشارت إلى أن «الرأي المتفق عليه بين الخبراء الاقتصاديين هو أن سلاسل التوريد ستتم إعادة تأسيسها في المستقبل القريب، وأن هذا سيكون له تأثير مثبط على الاسعر».
وبينت أن «الآثار الإيجابية لتعديل العملة بدأت في الظهور. وينعكس ذلك في الطلبات المتزايدة على التراخيص الصناعية في العراق، للاستفادة من سعر الصرف الأكثر تنافسية. ينظر العديد من المستوردين والتجار السابقين إلى السوق المحلية بشكل مختلف الآن، بهدف زيادة مستوى استثماراتهم الانتاجية. سيُترجم هذا إلى فرص عمل أكبر وأفضل لشعبنا».