نيويورك تايمز: المدرسة الحقانية التي خرّجت زعماء لأفغانستان الجديدة تطالب العالم بمنح طالبان فرصة الحكم

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”: في أي مدرسة درس قادة طالبان الجدد؟ تساءلت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لمراسلها في باكستان ضياء الرحمن. ففي مدرسة دار العلوم الحقانية، في أكوار خاتك، درس معظم قادة طالبان الذين يحتلون مناصب مهمة في أفغانستان اليوم.

وهي من أكبر وأقدم المدارس في باكستان، ودرّست قادة طالبان أكثر من أي مدرسة حول العالم. ويصفها النقاد بأنها “جامعة الجهاد” ويتهمونها بزرع العنف لعقود في كل المنطقة. كما يشعرون بالقلق من جرأة مدارس للمتشددين والأحزاب الإسلامية المرتبطة بها بعد انتصار حركة طالبان في أفغانستان. ولو حدث، فستزيد معدلات التطرف، رغم محاولات الحكومة وضع أكثر من 30 ألف مدرسة دينية تحت سيطرتها وإشرافها. ويقول مدراء المدرسة إنها تغيرت، ويجب منح حركة طالبان الفرصة لكي تظهر أنها ابتعدت عن طرقها العنيفة التي رافقت فترة حكمها الأولى 1996- 2001.

وقال نائب رئيس المدرسة رشيد الحق سامي: “لقد شاهد العالم قدراتهم على إدارة البلاد من خلال انتصاراتهم في المعارك الدبلوماسية والعسكرية”. وتعلق الصحيفة أن اللين في مواقف طالبان ليس مؤكدا في ظل انتشار العنف هذا العام مثل العمليات الانتقامية، وعدم السماح للفتيات بالذهاب إلى المدارس والحد من حرية التعبير. لكن سامي يرى أن سيطرة طالبان ربما كانت دموية، مشيرا إلى أنهم “لن يرتكبوا أخطاء التسعينات من القرن الماضي”.

يقول مدراء المدرسة إنها تغيرت، ويجب منح حركة طالبان الفرصة لكي تظهر أنها ابتعدت عن طرقها العنيفة التي رافقت فترة حكمها الأولى 1996- 2001.

ولا تبعد دار العلوم الحقانية سوى 60 ميلا عن الحدود الأفغانية ولديها دور مهم. وقام طلاب المدرسة بإنشاء حركة طالبان وحكموا أفغانستان في التسعينات من القرن الماضي. وقام الجيش الباكستاني القوي باستخدام مسؤولي المدرسة للتأثير على حركة طالبان، حسبما يقول الخبراء. واغتيل مؤسس المدرسة سميع الحق في بيته بإسلام أباد عام 2018 وكان والد سامي، وأطلق عليه اسم “الاب الحقيقي لطالبان”.

ونقلت الصحيفة عن عزمت عباس، مؤلفة كتاب “سراب المدرسة: تاريخ حديث للمدارس الإسلامية في باكستان” قولها: “كونها جامعة العشرات من قادة طالبان، فالحقانية تحظى باحترامهم”. ودرس سراج الدين حقاني (41 عاما) والذي قاد الجهود العسكرية لطالبان ووضعت الولايات المتحدة مكافأة 5 ملايين دولار على رأسه، في المدرسة، وهو اليوم وزير الداخلية بالوكالة في حكومة طالبان الانتقالية. وكذا أمير خان متقي، وزير الخارجية، وعبد الله حقاني، مدير التعليم العالي. ومرّ وزير العدل والمياه والطاقة وعدد من حكام الولايات والقادة العسكريين والقضاة من المدرسة الحقانية، حسبما يقول الإداريون فيها.

وقال سامي: “نشعر بالفخر بأن طلبتنا في أفغانستان هزموا أولا الاتحاد السوفييتي وأخرجوا الأمريكيين اليوم”. “هو شرف للمدرسة التي أصبح طلابها وزراء ويحتلون مناصب عالية في حكومة طالبان”. وعادة ما يلحق المتخرجون من المدرسة بأسمائهم لقب حقاني كعلامة فخر.

وترتبط شبكة حقاني، الجناح العسكري لطالبان، المسؤولة عن اختطاف الأمريكيين والعمليات الانتحارية والاغتيال المستهدف في المدرسة بالاسم والعلاقات المستمرة معها. ويدرس أكثر من 4 آلاف طالب معظمهم من عائلات فقيرة في المدرسة الكبيرة والمكونة من بنايات اسمنتية في البلدة الصغيرة الواقعة على ضفة النهر في شرق بيشاور. وتتراوح المساقات التعليمية من حفظ القرآن إلى الأدب العربي. وفي زيارة لها تمت قبل فترة، قدّم عالم محاضرة حول الفقه الإسلامي لقاعة فيها 1.500 طالب في سنتهم الأخيرة. واستخدم المحاضر النكات التي أضحكتهم، وفي الخارج وقف طلاب في طابور الغداء ولعب آخرون كرة اليد والكريكيت.

 ويشعر معظم الطلاب بالفخر لانتصار طالبان. وقال الطالب عبد الولي (21 عاما): “أخيرا، هزمت طالبان الولايات المتحدة بعد كفاح 20 عاما وقبل كل العالم بالواقع” و”يكشف هذا عن بعد النظر والالتزام من مدرسينا وطلاب المدرسة السابقين بأفغانستان”. واعتبر عبد الولي “الحقانية” بأنها أفضل مدرسة لتعليم وحفظ القرآن، قائلا: “الحقانية هي واحدة من المدارس القليلة المتميزة في البلد حيث يشعر الطلاب بالشرف للدراسة فيها نظرا لتاريخها وعلمائها البارزين ومستوى التعليم الإسلامي”.

وظلت العلاقة بين دولة باكستان والمدارس الإسلامية غير مريحة ومتقلبة، فقد رأى القادة في البلد فيها عجلة للتأثير على الأحداث في الجارة أفغانستان، ولكنهم يرونها أيضا مصدرا للتوتر داخل باكستان. ولدى البلد فرعه الخاص من طالبان، وهي طالبان باكستان المسؤولة عن سلسلة من أعمال العنف، وتوصلت الحكومة معها لاتفاق هذا الشهر.

 وترى الصحيفة أن مظاهر تشدد جديدة ظهرت في المدارس الدينية بعدما سيطرت طالبان على كابول، وعقد الطلاب تجمعات مؤيدة لطالبان، كما رُفع علم الحركة في المسجد الأحمر الذي كان مسرح مواجهة مع قوات الأمن قبل 14 عاما، وفوق مدرسة البنات قريبا منه.

ويقول باحثون إن دور المدارس الدينية قد تراجع بعدما سيطر المسؤولون على القرار والعلاقة مع أفغانستان. واستخدمت الحكومة عددا من الأساليب لتخفيف حدة التشدد من الضغوط المالية والمحادثات خلف الأبواب. ومنح رئيس الوزراء عمران خان المدرسة الحقانية 1.6 مليون دولار في 2018 و1.7 مليون دولار في 2017 في محاولة لجعلها مدرسة ضمن التيار التعليمي المعترف به.

وساعدت الأموال المدرسة في بناء مبنى جديد وقاعة للعبة الريشة ومختبر كمبيوتر من بين مشاريع أخرى. ووسعت الحقانية مقرراتها الدراسية لتشمل تعليم الإنكليزية والرياضيات والكمبيوتر والعلوم. وباتت تطلب وثائق كاملة من الطلاب الأجانب وخاصة القادمين من أفغانستان.

قال المتخرجون من المدرسة الحقانية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، إنهم لم يتلقوا تدريبا عسكريا. ولكن البعض قال إن المدرسين ناقشوا الجهاد بشكل مفتوح وحثوا الطلاب على الانضمام للجهاد الأفغاني

ويقول الإداريون إنهم لا يتسامحون أبدا مع النشاطات المعادية للدولة. ويرى الخبراء أن هذه الجهود أنتجت نتائج بسيطة، ولم تعد الحقانية تدرس أو تدعو للتشدد كما في السابق. ولكنهم يقولون إن المدرسة تلتزم بتدريس تفسير ضيق للدين، حيث يقضي الطلاب وقتا لدراسة كيفية الجدال مع الأديان الأخرى بدلا من تعزيز التفكير النقدي. وكذا تعليم الالتزام بالمبادئ الإسلامية المتعلقة بالسرقة وقطع أيدي السارقين وجلد ورجم الزناة.

وتعلق عباس: “في مناخ داعم بشكل واسع لطالبان، داخل الحكومة والمجتمع، فمن السذاجة التفاؤل بأن المدارس ومؤسسات التعليم الرئيسية ستقوم بتبني نهج غير ذلك الداعم لطالبان. وربما كان المقرر التعليمي أقل تأثيرا من المدرسين”. وأضافت: “كلما وجد أن مدرسة مرتبطة بأعمال عنف فعادة ما يتم تحميل النظام التعليمي المسؤولية بدون الالتفات للمدرس أو المدرسين الذين أثروا على الطلاب”.

وقال المتخرجون من المدرسة الحقانية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، إنهم لم يتلقوا تدريبا عسكريا. ولكن البعض قال إن المدرسين ناقشوا الجهاد بشكل مفتوح وحثوا الطلاب على الانضمام للجهاد الأفغاني. وقال علي إن الطلاب كانوا يتسللون بسهولة إلى أفغانستان أثناء العطل ويشاركون في القتال. ونفى نائب الرئيس سامي أن الطلاب في الحقانية لم يتدربوا على السلاح أو أجبروا على القتال في أفغانستان.

وأشارت المدرسة إلى موقفها الجديد، فبعد سيطرة طالبان على كابول، أصدرت جماعة علماء الإسلام، وهو الحزب الذي أنشأه والد سامي، بيانا دعا فيه الحركة للتأكد من سلامة الأفغان والأجانب، وخاصة الدبلوماسيين، وحماية حقوق الأقليات الدينية، والسماح للمرأة بالدراسة في الجامعات والكليات.

ويقول: “على أي حال، فالعالم لا خيار أمامه سوى الثقة بقدرة طالبان على الحكم. أنصح المجتمع الدولي بمنح طالبان الفرصة لإدارة البلد”. و”لو لم يسمح لهم بإدارة البلاد فستكون هناك حرب أهلية جديدة وستؤثر على كل المنطقة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية