ساويرس يتحول لحائط مبكى للباحثين عن استعاده مجدهم القديم… وكتاب طالبوه بالاعتذار وآخرون نصحوه بالصمت

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين مزيد من الهجوم على رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذي سقط، لتنهال عليه أقلام كتاب يبحثون بشق الأنفس عن معركة تعيد لهم سالف مجدهم الذي فقدوه، بعد أن ضاقت عليهم المهنة بما رحبت، وتحولت صاحبة الجلالة لخادم مطيع للكبار، وأغلبية ساحقة تبحث عن حقوقها الضائعة وتكتوي بنار الغلاء، رفعت صحف أمس الخميس 25 نوفمبر/تشرين الثاني شعار “الزبون دايما على حق”، وفي هذا الإطار حرص الكتاب حتى أولئك الذين تصدوا لنفوذ رجل الأعمال على أن يحافظوا على “شعرة معاوية”، على أمل أن يرضوا الأغلبية من غير أن يجلبوا على أنفسهم ويلات غضب الحكومة.
ومن أبرز موضوعات أمس الخميس جاء قرب افتتاح طريق الكباش السياحي في صدارة التقارير التي اهتم بها الكتاب، حيث يعد ذلك الطريق الذي يعتبر أطول ممشى أثري في العالم، هو واجهة محافظة الأقصر الغنية بالمعالم الأثرية التي تعبر عن الحضارة المصرية القديمة. وحول سبب تسميته بذلك الاسم فذلك لأن حيوان الكبش من رموز المعبود آمون، لذلك ارتبط بالطريق وأطلق عليه اسم الكباش، حيث كان الإله آمون هو البطل الرئيسي للاحتفال بعيد الأوبت، الذي كان يخرج فيه موكب المراكب المقدسة من متحف الكرنك إلى متحف الأقصر، في حضرة الملك وكبار رجال الدولة ويقف على الجانبين الشعب المصري فرحين ومهللين.
ومن الأخبار السارة: قال الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، أن كل الشواهد تقول إن مصر في نهاية الموجة الرابعة من فيروس كورونا، معقبا: “نقترب من بدء انخفاض حالات الإصابات بكورونا في الموجة الرابعة”. ومن ابرز تصريحات الدعاة: كشف الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلي للشؤون الإسلامية أن أعمال السحر والشعوذة ينفق عليها نحو 11 مليار جنيه من أموال الشعب المصري.. ومن أخبار الرياضيين: وجه أحمد حسام «ميدو» نجم الزمالك السابق، رسائل إلى مرتضى منصور، رئيس مجلس إدارة نادي الزمالك قال فيها: “كلنا سندعم نادي الزمالك في الفترة المقبلة”، داعيا إياه ألا يشوه صورة رموز نادي الزمالك، مؤكدا “مش كل أولاد الزمالك وحشين، عندما تتحدث في تلك الأمور في وسائل الإعلام، أنت بذلك تشوه جميع رموز الزمالك”.
ومن حوادث الطرق: تعرضت الدكتورة مايا مرسي رئيسة المجلس القومي للمرأة، لحادث تصادم، صباح أمس، بالقرب من مسجد فيصل، وتم نقلها إلى أقرب مستشفى من المطار. وكانت الدكتورة مايا مرسي، في طريقها لمطار القاهرة، استعدادا للسفر إلى محافظة الأقصر للمشاركة في احتفالية طريق الكباش، التي ستقام مساء اليوم الجمعة في عاصمة مصر السياحية.
«خليك في مالك»

لا يزال الهجوم على أشده على ساويرس، محمد دوريش في “الأخبار” قام باللازم: لا يقنع المهندس نجيب ساويرس بما يحققه من ترندات على موقع تويتر، وأحسبه منتشيا يتلذذ بآلاف التعليقات التي تعقب مجرد تويتة من سطرين بثتها أنامله على الموقع الشهير، ولا أدري مشاعره تجاه عشرات الطلبات من الباحثين عن عمل أو مساعدة مالية، أو من يعربون عن أمنياتهم أن يلتقوه من أجل حتى ولو صورة سيلفي. كل هذا لا يقنع مسيو نجيب فتراه على اليوتيوب مقدما نصائحه بتحويل الاستثمارات إلى سبائك الذهب فهي الأضمن والأبقى، أو يخاطب وكالة أنباء أجنبية مدعيا أن الدولة تسحب البساط من تحت أقدام القطاع الخاص وانهماكها في مشروعات كان هذا القطاع أولى بها، حيث يقدم كما يدعى تسعين في المئة من فرص العمل في مصر.. ولأن المصريين أياديهم في النار التي لا يشعر بها أمثال مسيو نجيب وأقرانه، فإن تصريحاته تزيد نارهم اشتعالا، وكأنه يصب البنزين على النار، هذه الغالبية من المصريين لم تلمس من الرجل ما يمكن أن نطلق عليه «التكافل الاجتماعي» كانت أمامه ربوع مصر ليحدد على خريطتها ما يشاء من مناطق هي أحوج أن تمتد إليها أيادي أمثاله من المصريين، الذين فتح الله لهم أبواب رزقه ليقيموا مشروعات يستفيد منها الناس وخاصة الغلابة، الذين فقدوا آليات الخروج من قاع الدنيا، ولن نعدد المجالات التي تحتاج مثل هذه المشروعات فهي أمام كل ذي بصيرة. مسيو نجيب يتوارى أمام الكاميرات المسلطة على المشروعات التنموية والمساهمات الخيرية التي لن تكون سوى قطرة من بحر مليارات أمثاله.. مسيو نجيب.. خليك في مالك.. ودع المصريين في حالهم لا يريدون منك جزاء ولا شكورا.

دون كيشوت

وفي “الأهرام” تولى المهمة الدكتور صبحي عسيلة: لم يكتف بدوره كرجل أعمال، حتى إن امتدت أعماله لكل المجالات. راح يتملك قناة تلفزيونية فاتحا بابها لكل من هب ودب، طالما أنه من الناشطين ودعاة الفوضي. أسس حزبا سياسيا ولد محاطا بهالة إعلامية وقدرات مالية ضخمة تصور معها أنه سيقود العمل الحزبي والسياسي في مصر. شارك أيضا في تأسيس جريدة. ثم مد مظلته لتطال المثقفين، فأنشأ جائزة باسم الراحل أحمد فؤاد نجم، ثم ضم إلى إمبراطوريته الجديدة مهرجانا للسينما بدا منذ دورته الأولى مهرجانا للفساتين ومساحات العري. والآن يحاول مد مظلته إلى غناء المهرجانات، شاهرا سيفه في وجه نقيب المهن الموسيقية الفنان الكبير هاني شاكر. مظلة الرجل تتسع دائما لكل شاذ يلفظه المجتمع، وكأنه في عداء مع ذلك المجتمع. ولم لا وقد قال عن نفسه أنه «غيّاظ» وبيزعل لما ما يتهاجمش كل كام يوم، ناصحا الآخرين أن يموتوا بغيظهم. وتأكيدا منه على أنه يجيد فن الغيظ، قال الرجل عن نفسه أقف دائما مع اللي بيتهاجموا. دافع عن محمد رمضان والآن يدافع عن العصابة وحنجرة وكسبرة ووزة وشواحة وعنبة وغيرهم. دافع عن مساحات التعري في مهرجانه السينمائي متهما المعارضين والمستائين بأنهم قوم يعيشون في القرون الوسطى. يفعل الرجل ما فعله دون كيشوت حين حارب طواحين الهواء بأن استل سلاحا قديما وبعضا من المعدات لتجعل من هيئته هيئة فارس وامتطى حصانا هزيلا ليحارب طواحين الهواء، ظنا منه أنها شياطين ذات أذرع خفية وأنها مصدر الشر وأخذ يرشقها برمحه، فإذا بها طبعا تطرحه أرضا. واليوم يجد دون كيشوت النجيب ضالته في محاربة المجتمع بالمهرجانات. المقصود بالمهرجانات هنا ليس فقط مهرجان الفساتين ولا دعم الهراء الذي يقدمه مؤدو المهرجانات. المقصود بسلاح المهرجانات هنا هو تقمص الرجل دور مؤدي المهرجانات حرفيا. حيث يخرج علينا كل فترة بمهرجان يملأ به وقت فراغه وينافس به حنجرة وكسبرة ووزة وأمثالهم. فتارة عبر مهرجان يهاجم الدولة وآخر يهاجم المجتمع وثالث يهاجم قناة السويس، ورابع يهاجم لبنان الشقيق، وخامس يهاجم هاني شاكر، وبينهم مهرجان التعليق على الحجاب.

هل سيصمد؟

سأل سامي صبري في “الوفد”: هل سيصمد هاني شاكر نقيب الموسيقيين، ويواصل الضرب بيد من حديد لاستئصال، أو على الأقل إبعاد هؤلاء النشاز عن الحفلات العامة والفضائيات؟ أم سيكون قصير النفس كسابقيه، وينسحب من معركة ساخنة أشعلها رجل الأعمال نجيب ساويرس برصاصة طائشة، معلنا وقوفه بجانب هذه الأصوات؟ ساويرس أعلن أنه حر يسمع ما يريد، وليس من حق أحد حرمانه من أي شيء يحبه، ربما لاعتقاده بأن الفن وذوق المجتمع يمكن شراؤهما بالمال واليخوت، متناسيا أن الدولة استردت مؤسساتها الفنية والثقافية بقوة، وأعلنت الحرب علانية على من يريدون سير السفينة عكس الاتجاه، وعلى هوى المزاج والمصالح الشخصية والاتجاهات الدينية والسياسية. هذه الخناقة بين هاني وساويرس، تصدرت الترند وجميع وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تكن لتصل إلى هذه الدرجة، إذا كان ساويرس «بقي في حاله، ولم يدس أنفه في ما لا يعنيه”، ولكنه كعادته يسرع إلى صب الزيت على النار، ولا يجد فرصة أو أزمة أو قضية سياسية أو فنية واجتماعية إلا ويحاول استثمار تداعياتها ونتائجها، لكي يقول أنا موجود، حتى لو كان تدخله ورأيه ضد الواقع والمصلحة العامة للمصريين وتراثهم وحضارتهم، بحجة أنه حر يقول ويفعل ما يشاء في أي زمان ومكان، مستقويا بالمال وبالكاس، وحفلات الهلس والرقص التي تفتح طريق الفوز بأعلى الصفقات، وتشييد الأبراج وإقامة المنتجعات ورفع الرصيد إلى 3.2 مليار دولار، وفوق كل ذلك يطلب المزيد ويشكو كما يزعم من تضييق الحكومة عليه وعلى رجال الأعمال. ولأنه يؤمن بنظرية «الحشرنة» والحديث والخوض في أي شيء، حتى إن لم يكن يفهمه ويستوعب نتائجه، وتوابعه، توقعت منه ذلك دون استغراب، فهدفه الدائم توسيع رقعة الشهرة والدعاية، حول نفسه ومشاريعه بحشر نفسه في ما لا يعنيه، والسعي لأن يكون دائما في قلب الحدث والبرواز، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة المجتمع الذي احتضن مشاريعه. كنت لا أريد أن أكتب عن هذا المستفز، ولاسيما أنني سبق ان كتبت عدة مقالات عن اغتصابه لحديقة زايد المركزية، قبل أن يتحايل بطرقه وأساليبه الخاصة على كبار المسؤولين في الدولة وينتزع قرارا باستثمار الحديقة العامة وتغيير اسمها، واغتيال حلم أهل المدينة الذين عمروها، وجعلوا من رمالها واحة خضراء، قبل أن يأتيها رجل مهرجانات الهلس والعري، ويشوهها بالأبراج.

مواطن وحكومة

أكد أشرف البربري في “الشروق”، أن مصر لديها اقتصادان وليس اقتصادا واحدا، الأول اقتصاد الحكومة المزدهر، الذي تشهد له المؤسسات الدولية من صندوق النقد إلى مؤسسات التصنيف الائتماني ومعهم مسؤولو الشركات الدولية، التي فازت بعقود بمليارات الدولارات من الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية. والثاني هو اقتصاد المواطن الذي عانى ويعاني من ارتفاع مستمر في أسعار احتياجاته الأساسية وغير الأساسية، وزيادات مستمرة ومتسارعة في أسعار الخدمات الحكومية والرسوم والضرائب التي تتنوع كل يوم، وآخرها فرض رسم جمركي بنسبة 10% على الهواتف المحمولة، التي لم تعد بالتأكيد سلعة كمالية في ظل سعي الدولة نفسها، وحديثها المستمر عن رقمنة كل شيء من امتحانات المدارس، وحتى خدمات الشهر العقاري. الحكومة ومسؤولوها يتغنون كل يوم بالحالة العظيمة للاقتصاد المصري، وبالنجاحات التي تحققت وتحسدنا عليها، بل وتسعى إلى تكرارها العديد من دول العالم. وأمس قالت وزيرة التخطيط إن المؤشرات المبدئية توضح نمو الاقتصاد بمعدل 9.8% خلال الربع الأول من العام المالي الجاري، وهو أعلى معدل ربع سنوي على امتداد العقدين الماضيين. وقبلها بيوم قال رئيس الوزراء، إن مصر من الدول القليلة جدا التي استطاعت تسجيل معدلات نمو إيجابية، على الرغم من التحديات التي فرضتها جائحة كورونا. في المقابل هناك المواطن الذي يواجه اليوم صعوبة تصل في حالات كثيرة إلى حد استحالة تلبية احتياجات أسرته نتيجة ارتفاع الأسعار بلا رابط، وفي الوقت نفسه يسمع ويقرأ ويشاهد الإعلانات الترويجية لإنجازات الحكومة وتصريحات المسؤولين عن المعجزة التي حققها الاقتصاد في عام كورونا. المواطن يسأل نفسه، لماذا إذن ترفع الحكومة رسوم خدماتها وتفرض عليه ضرائب أو جمارك جديدة تزيد أعباءه، إذا كانت قد حققت إنجازات اقتصادية يشهد لها العالم؟ وهل من المنطقي أن تكون ترجمة النجاح الاقتصادي هي زيادة في الأعباء التي يتحملها المواطن؟

حل فريد

انتقدت كريمة كمال مقترحا للدكتور حمدي السيد بأن يمنح الموظفين المدخنين ستة أشهر للإقلاع عن التدخين وإحالة من يستمر في التدخين إلى المعاش المبكر أو رفده.. وقالت الكاتبة في “المصري اليوم”: هالني هذا المقترح من قامة وقيمة كبيرة مثل الدكتور حمدي السيد، بما فيه من سيطرة شديدة وإحساس بفرض السلطة على الناس، في ما يعتبر حريتهم الشخصية. فهل هناك حالة من فرض السلطة في المجتمع المصري؟ نعم هناك هذه الحالة، فها هو مقترح الدكتور حمدي السيد يؤكد ذلك.. وهنا تساءلت، وأزمة منع مطربي المهرجانات في أوج ذروتها، هل هذا نوع آخر من فرض السلطة؟ هناك الكثيرون ممن يرون أن من حق أي شخص أن يسمع ما يريد من الغناء، دون أن تتدخل نقابة الموسيقيين أو نقيب الموسيقيين في ذلك، ولو كان هناك اعتراض على أن بعض أغاني المهرجانات تتضمن ألفاظا بذيئة، هنا لا يمنع كل من يغني مهرجانات، بل تتدخل المصنفات الفنية للمنع أو شرطة الآداب لإيقاف من يفعل هذا. طبقا لذوقه الخاص؟ فالنقيب يوقف حسن أبو الروس اعتراضا على طريقة لبسه إيمانا منه بأن العضو يجب أن يحافظ على المظهر اللائق، في الوقت نفسه الذي يرد فيه هانس شاكر عمن يتساءل لماذا لا يمنعون محمد رمضان، بأن محمد رمضان متحصن وله وضع خاص لأنه عضو في نقابة المهن التمثيلية، ومن يمنعه هو أشرف زكي، والجمهور له حق أنه يقبل أو ميقبلش.. إذن لماذا ينطبق هذا على محمد رمضان ولا ينطبق على مغني المهرجانات وجمهورهم؟ من ناحية أخرى دافع هاني شاكر عن مغني الراب ويجز، قائلا إن ابنه وزوجته حضرا حفله وإنه يعتبره ابنه، وهنا نتساءل هل يحكم النقيب ذوقه وذوق ابنه وزوجته فيمن يبقى ومن يمنع؟ أم يحكم قانون النقابة ولا يدخل ذوقه الشخصي ووضعه كمغن في المسألة.

ليست دادة

وأكدت كريمة كمال أنه لا يصح أن يقول إن «من يسمع أغاني المهرجانات ما يشرفنيش إنه يسمعني».. هنا نجد أن الأمر قد تحول إلى موقف شخصي وليس نقابة تحكم بما يسيرها من قانون. المشكلة هنا أن هناك جمهورا كبيرا لأغاني ومغني المهرجانات، فهل يستطيع أن يمنعهم هاني شاكر من الاستماع إليهم؟ أغانيهم منتشرة على اليوتيوب، ومن هنا فالمنع التام مستحيل، والغريب هنا أن تصرح نقابة الموسيقيين «خاطبنا موقع يوتيوب لمنع أغاني المهرجانات»، فهل تملك النقابة السلطة على العالم؟ من المؤكد أن النقابة لا تملك هذه السلطة، ومن هنا يستحيل أن تملك المنع النهائي. أنا هنا أتوقف أمام سعي النقابات للحصول على الضبطية القضائية، وهنا تسعى النقابات لكي تتحول من نقابات مهمتها رعاية أعضائها إلى سلطة تمنح وتمنع، أي أنها تسعى لكي تتحول لسلطة، ودورها في رعاية أعضائها رفضه النقيب هاني شاكر في مداخلة «النقابة ليست دادة».. فكرة السلطة والمنع فكرة لم تعد ممكنة، ولنتذكر ما حدث مع أحمد عدوية حينما منع من الغناء فخرج ليغني عبر الكاسيت، وصنع لنفسه إمبراطورية وملايين المعجبين والمتابعين، لأن الناس انحازت لغنائه وموهبته، واضطرت أجهزة الدولة للاعتراف به. من هنا لا يصح التدخل في التفاعل والتلاقي ما بين المغنى والجمهور، لأنه يحكم نفسه بنفسه، فهذا يحكمه الذوق، ويجب أن لا يحكم ذوق على ذوق آخر.

ديانة وهمية

لا يوجد ولم يعلن عن أن هناك ديانة جديدة تسمى بالديانة الإبراهيمية، ولكن جاء هذا المسمى التلفيقي كما أوضح جمال أسعد عبد الملاك في “المشهد” حين تم توقيع اتفاق سلام، وإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والإمارات العربية في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وكان ذلك ضمن البيان الصادر من الخارجية الأمريكية بعد التوقيع وجاء فيه: “إن أمريكا تقدر هذه العلاقات، التي تدلل على توافق الإبراهيمية، حيث أن إبراهيم هو أبو الأنبياء في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية”. ومنذ ذلك الحين وجدنا كتابات وتصريحات تتحدث عن الديانة الإبراهيمية، فهل كون إبراهيم شخصية ذكرت في كتب الديانات الثلاثة، يعنى أنه يمكن أن نتحدث عن ديانة تجمع الكل؟ لا شك في أن هذا كلام لا علاقة له بالمنطق ولا بالأديان الثلاثة، حيث أن هذه الأديان وإن كانت تؤمن بعقيدة الله الواحد، ولكن لكل منها رؤيتها وطقوسها الخاصة، الشيء الذي يجعل إيمان واعتقاد كل مؤمن بديانته، واعتبارها الحقيقة المطلقة، دون الديانات الأخرى على المستوى الواقعي والتطبيقي. فاليهود لا يؤمنون بالمسيحية، حيث توقفوا عند يهوديتهم، والمسيحيون آمنوا باليهودية لأنها سابقة عليهم فآمنوا باليهودية والمسيحية، أما الإسلام لأنه جاء بعد اليهودية والمسيحية فآمن بهما في إطار الإسلام، بعد ذكر الديانتين في القرآن، وفي إطار عقيدة الألوهية أي عبادة الإله الواحد، وهي عقيدة فطرية منذ آدم حيث تعدد الرسل والأنبياء والرسالات. ونقول كيف يكون ذلك واليهودية لا تؤمن بالمسيحية من الأساس، وما زال اليهود ينتظرون المسيح، كما أن المسيحية تؤمن بأن المسيح إله في الوقت الذي يؤمن فيه الإسلام بأن المسيح رسول؟ إذن ما هي الحكاية؟ الحكاية أنه لا علاقة لها بالأديان، ولكنها لعبة سياسية في المقام الأول تهدف أول ما تهدف إلى اختراق المجال العربي والإسلامي لصالح إسرائيل تلك الدولة الصهيونية التي أعلنت أنها دولة دينية يهودية لا تقبل غير اليهود.

سهل وحرام

اهتم محمود عبد الراضي في “اليوم السابع” بالجهود الأمنية لضبط التشكيلات الإجرامية التي تنشط في مجال التجارة بالأعضاء البشرية: حماية البشر من الاستغلال، مهمة إنسانية يؤديها رجال الشرطة، بمواجهة العصابات المنظمة التي تتاجر في الأعضاء البشرية، حيث تحقق أجهزة الأمن أعلى معدلات الضبط الأمني في هذا المجال. واحدة من الضربات الأمنية الناجحة حققتها وزارة الداخلية خلال هذه الأيام، بسقوط “شبكة للاتجار في الأعضاء البشرية” يتزعمها 3 أطباء، ينتزعون الأعضاء البشرية من الأشخاص مقابل 20 ألف جنيه لبيعها بربع مليون جنيه. هذه العصابات التي لا تعرف قلوبها الرحمة ولا الشفقة، ولا تجيد سوى “لغة المال حرصوا على تزوير الأوراق والمستندات، لإخفاء معالم جرائمهم، ومحاولة منهم لتقنين أوضاعهم، وأملا في تكوين ثروات طائلة بعيدا عن أعين العدالة. أحلام هؤلاء الطامحين في تكوين المال على حساب “صحة المواطنين” تحطمت على يقظة رجال الشرطة، الذين كشفوا مخططهم، وضبطوا أفراد العصابة، وأودعوهم خلف أسوار السجون، ليكون ذلك بمثابة ردع لكل من تسول له نفسه المساس بصحة المصريين. للأسف، هناك بعض الشاردين عن القاعدة، يحاولون جمع المال بشتى الطرق والوسائل، حتى لو كان ذلك على حساب صحة المواطنين وحياتهم، يفعلون أي شيء في سبيل جمع المال. البحث المستمر عن “المال” بطرق غير مشروعة، وثقافة الطمع لدى البعض، تنتهي في الأعم الأغلب خلف أسوار السجون، حيث تكون العواقب وخيمة، فتذرف دموع الندم معلنة حسرتها على ما اقترفت يداها في حق نفسها، ولسان حالها يقول: ليتني لم أفعل كذا، ليتني كنت نسيا منسيا.

فيها حاجه حلوة

مشهدان جذبا اهتمام أميرة خواسك في “الوطن”: منذ أيام قليلة انتشر فيديو مروع جرت أحداثه في نادى هليوبوليس في القاهرة، لرجل ذي بنيان قوي يجري كالمجنون تجاه طفل صغير ربما لم يتجاوز العشر سنوات ويوسعه ضربا وركلا، والطفل كالعصفور الصغير بين يديه، حتى جاء على الفور عدد من شباب فريق كرة القدم 2005، وتحديدا اللاعب محمد مرزوق، الذي أسرع ليفصل بين الرجل والطفل الصغير، الذي لا بد أنه يحتاج إلى علاج نفسي وبدني بعد ما حدث له. لن أتوقف كثيرا عند سلوك هذا الرجل، الذي منعه النادي من الدخول لمدة عام واتضح أنه فعل هذا لأن ابنه تعارك مع هذا الطفل، وقرر الأب أن ينتقم لابنه، لن أتوقف عند ما وصل إليه حال أناس من المفترض أنهم متعلمون ومثقفون، ثم يتضح أنهم لا يختلفون كثيرا عن الفتوات والبلطجية، ولكنني سأتوقف كثيرا عند هذا الشاب الرائع -محمد مرزوق- الذي أسرع بلا تردد لإنقاذ طفل صغير، لأن المشهد في حد ذاته مرعب. هذا يعني أن الدنيا ما زالت بخير، وأن ما نراه من مظاهر سلبية تضايقنا وتهز ثقتنا في مستقبل هذا البلد، ثم يظهر نور يمنحنا الأمل في أن الطبقة المتوسطة المصرية ما زالت بخير، وعلينا أن نبحث عن تلك النوعية من الشباب الواعد لنرعاها، في الوقت نفسه كان هناك فيديو آخر لمجموعة من خيرة شباب الإسكندرية، وقد ابتكروا فكرة إنسانية بسيطة نفذوها على الفور، فخلال الأيام الماضية التي شهدت فيها المدينة، التي كانت جميلة، أمطارا شديدة، قامت هذه المجموعة من الشباب بتوزيع المظلات على عمال النظافة، وعلى الفقراء والباعة الجائلين، ولم ينسوا وهم يعطونهم المظلة أن يحيوهم ويقبلوا رؤوسهم جابرين لخاطرهم. شاهدت هذه الفكرة الراقية قلت إن الخير ما زال فينا، رغم ما علا مجتمعنا من غبار على سلوكنا.

فضحتهم الأمطار

كشفت الأزمة المناخية وغزارة هطول الأمطار الأسبوع الماضي عن مخالفات جسيمة كان من العجب، كما أشار أحمد عبد التواب في “الأهرام” أن تُترَك دون التصدي لها بإجراءات حاسمة طوال سنوات، رغم وضوحها المستفِز ومن هذا أن عددا من المخالفين استولوا على مساحات من أراضي الدولة تتماس مباشرة مع مياه البحر في الإسكندرية، وبنوا عليها عمارات مرتفعة دون تراخيص، أمام الصف الأول المصرح به على بعض الشواطئ، لدرجة أن مياه البحر، المندفعة بالرياح الشديدة الأيام الماضية، غمرت الدور الأرضى للعمارات المُخالِفة، وظلت تدفقات الأمواج تضربها بشدة، وهناك لقطات لمشاهد مخيفة على صفحات التواصل. وتؤكد تعليقات بعض الخبراء أن هناك تأثيرات كارثية سوف تلحق بهذه المباني، بسبب الأملاح التي تتخلف عن مياه البحر، والتي تدمر الأساسات وحديد التسليح وتهدد المباني بالانهيار، بل إن الاقتراب الشديد للمباني من المياه يهددها بالتأثيرات الخطيرة للأملاح دون الغمر المباشر، بل لمجرد التعرض للمياه الجوفية التي تتسرب بسهولة أسفل المباني بسبب القرب الشديد من البحر. من جملة الأسئلة البديهية التي طرحها الكاتب، والتي تفجرها هذه المعلومات: أين كان الموظفون المسؤولون عن المتابعة ورصد المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية، لمنع المخالفات في بداياتها فور الشروع في البناء؟ ثم، بعد أن تمت المخالفات، كيف غَضَّ هؤلاء الموظفون الطرف عن عمليات التعاقد على السكن وعلى نقل أثاث وأمتعة السكان؟ وكيف جرى إدخال المرافق، من كهرباء ومياه وصرف صحي؟ وكيف تركوا الناس تقطن هذه المباني حتى بعد اكتشاف المخالفات منذ أيام قليلة؟ وكيف صمت السكان في العمارات الملتزمة بالتراخيص، رغم أنهم متضررون بشدة من المباني المخالفة التي حجبت عنهم رؤية البحر؟ وكيف لم تتحرك الجماهير التي مُنِعت من التمتع بالشاطئ؟ ثم، ما هي الإجراءات الواجبة التنفيذ الآن؟ وكيف يجري إخلاء المباني وإزالتها؟ وكيف يمكن تدبير سكن بديل للسكان؟ وما هي العقوبات على المخالفين؟ وكيف سيكون التعامل مع الموظفين الذين تستروا على المخالفات أو تقاعسوا عن أداء عملهم؟ وهل يمكن الاكتفاء بتصنيف السكان في العمارات المخالفة ضحايا، أم أنه يمكن اعتبارهم مشاركين في اقتراف المخالفات؟

فوز بالنقاط

فى جولة الاتفاق السياسي لما تشهده الخرطوم وفق ما يرى عبد الله السناوي في “الشروق”، فقد فاز البرهان بالنقاط، لا بالضربة القاضية، إذ أن الصراع ما زال على الحلبة. الكلام على مرجعية «الوثيقة الدستورية» بالألفاظ المراوغة، تأكيد على أنها الشرعية الوحيدة في البلد، وهذا مكسب معنوي يستدعي التمسك به والاحتكام إليه. والكلام عن استئناف المرحلة الانتقالية بألفاظ مراوغة أخرى تأكيد إضافي على استحالة تجاوز استحقاقاتها، هذا مكسب معنوي ثان صاحبة الفضل الأول فيه مليونيات الشوارع. في محاولة لتسويغ الاتفاق وصفه «حمدوك» بأنه «يضع الأسس الصحيحة للمرحلة الانتقالية». كان ذلك تجاوزا للحقائق ونصوص الاتفاق نفسه، وحدود الدور الذي سوف يلعبه في المستقبل. إثر إعلان الاتفاق انقسمت صفوف القوى المدنية وخفتت التظاهرات الاحتجاجية، هناك من وصفه بأنه «خيانة تمنح الانقلاب غطاء سياسيا»، وهناك من أيده ودعمه وتفهم ظروفه ودواعيه. النزاع المحتمل بين «رفاق الماضي القريب» يضعف في وقت واحد الحكومة المقبلة، والقوى المدنية الغاضبة. لا الحكومة بوسعها أن تكون شريكا حقيقيا في السلطة تتولى وحدها المهام التنفيذية على ما تنص الوثيقة الدستورية التي يقال الآن إنها مرجعية الحكم، إذا لم يكن هناك سند شعبي قوي وحاضر. ولا القوى المدنية بوسعها أن تحافظ على حضورها وتأثيرها إذا لم تكن مقنعة للشارع الغاضب أن لديها خطة عمل تتجاوز شعار: «لا تفاوض ولا شرعية».

يشبه أباه

وصف محمد أمين في “المصري اليوم” دعوة الإدارة الأمريكية إلقاء القبض على سيف الإسلام القذافي وعبدالله السنوسي، وجميع المطلوبين لدى الجنائية الدولية.. بالدعوة القاتلة بسبب توقيتها.. إذ إنها تأتي قبيل ذهاب الناخبين إلى صناديق الانتخابات الرئاسية بأسابيع معدودة، وسيف الإسلام مرشح للرئاسة.. ومعناه أن أي صوت سيوجه إلى سيف الإسلام سوف يذهب إلى الجحيم، وسوف يجر سيف الإسلام على ليبيا كثيرا مما جره عليها القذافي نفسه في الحكم.. وهي تحمل دلالات كثيرة في معناها وتوقيتها. ولا يعني أن مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أراد أن يؤثر في الانتخابات الرئاسية، فهو مطلب قديم، ولا يعني أنه يستهدف الوطنيين لصالح الآخرين، فهو كلام ليس في محله.. فسيف الإسلام لم يكن زعيما وطنيا في يوم من الأيام حتى تحاربه أمريكا أو تقف ضد ترشحه.. لكن معناه أن المجتمع الدولي لا يستريح لخطوة ترشيح ابن القذافي، ولا يعتبره نوعا من التغيير. الوضع في ليبيا لا يشغل الليبيين وحدهم، وإنما يشغل العالم كله، وفي الجلسة التي كانت تناقش الوضع في ليبيا وقف المدعي العام للجنائية الدولية يحيط العالم بما يحدث، وطلبه بتسليم سيف القذافي الباحث عن الحصانة، أكثر منه الباحث عن خدمة ليبيا.. وفي الحقيقة فإن هذا الطلب يصب في رصيد منافسيه في الانتخابات ليكون المشير حفتر الأقرب إلى منصب الرئيس، ليس لهذا السبب وحده، ولكن لأسباب أخرى كثيرة. قال المدعي العام أن سيف الإسلام كان مسؤولا عن جرائم حرب وكثير من سلبيات نظام القذافي.. وهو الرأي الذي ذهبت إليه، وكنت أرى أن اختيار سيف الإسلام ليس تغييرا، لكنه توريث لنظام الحكم وإن كان والده قد مضى للقاء ربه، وأصبح هناك فاصل بينه وبين حكم والده.. فسوف يظل عالقا في النفس أنه حكم واحد لا تغيير فيه.. قد تكون هناك ملاحظات على الآخرين، لكنها لا ترقى لخطايا القذافي في حكم ليبيا، مهما قيل في حكمه من المدائح والقصائد. انتخاب سيف القذافي سيكون له مردود سيئ على ليبيا، وسيظل خاضعا للمحاكمة الجنائية، ولذلك أكد الكاتب أنها دعوة قاتلة ضربته في مقتل، في وقت قاتل.. وتعني لا تنتخبوا القذافي من أجل ليبيا.

شرط النجاح

علمتنا تجربة العشر سنوات التي مضت، كما قال محمد الهادي الدايري وزير خارجية ليبيا الأسبق في “الشروق”، إنه بدون تسوية مجتمعية بين أطراف الخلاف والتناحر لا يمكن لأي تسويات سياسية أن تصمد ويكتب لها النجاح، حيث تظل تترنح تحت وطأة جراح الماضي، التي لم تضمد بعد، بالنظر إلى إهمالها، واللهث وراء سراب ما يسمى بالحلول السياسية التي كانت مجرد خطط لتقاسم السلطة. وقد رأينا أن التداول السلمي على السلطة قد غاب أساسا، وربما يطل ــ لا سمح الله ــ بظلاله الوخيمة مرة أخرى بعد الانتخابات، بسبب غياب الثقة بين أطراف النزاع. صحيح أن الجشع ونهب المال العام لا يزال هو الآخر يدفع ببعض المتصدرين للمشهد السياسي بالتشبث بالسلطة. لا بد إذن من تقلد الرئيس المنتخب لقيادة مسار المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية والسعي الحثيث لإنجاحه. ومسيرة الاستقرار تبدأ من الالتفات بهمة عالية لهذه المسألة المهمة. أما الدولة، فتحتاج إلى من يتوقون لتولي رئاستها إلى خطط يعرضونها، بحيث نرى عودة لسلطة المؤسسات الموحدة، بعيدا عن التشتت وبسط الهيمنة من قبل تشكيلات عسكرية تدعى انتماءها للدولة، ولا تخضع في الواقع لها، بحيث لا يمكن وضع حد للفوضى العارمة التي خلقتها إلا بتفكيكها وتوحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة حاليا، فلا استقرار نأمله بدون توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. وعندما نتحدث عن دولة القانون، فإن ذلك يعني بالدرجة الأولى على سيادته فوق الجميع، وأولهم أصحاب السلطة التنفيذية. بيت القصيد هنا أنه على هؤلاء المسيطرين على مقاليد الحكم، أن يمتثلوا للقانون، خاصة في ما يتعلق بالتصرف في المال العام. ومن ثم، يقع لزاما على من يود تولي الرئاسة أن يدلل لنا كيف سيعمل على وقف النزيف الحاد الذي يتعرض له المال العام على يد العابثين به في الحكومة الخاضعة لإشرافه التي سيعين رئيسها. وفى الوقت نفسه، تظل استقلالية القضاء ودعم هذه الاستقلالية محورا مهما في دولة القانون التي نصبو إليها ونحتاج إلى أجوبة شافية بشأنها من المترشحين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية