لافتات كبيرة عليها صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تزين شارع الكورنيش بغزة الذي يربط بين شمال القطاع وجنوبه. بعد بضعة أسابيع على عملية “حارس الأسوار” وعقب المفاوضات بين حماس ومصر وإسرائيل، دخلت إلى هناك عشرات الجرافات المصرية يرافقها نحو 80 مهندساً وعاملاً بهدف البدء في إعمار غزة.
في البداية أزالوا أنقاض البيوت التي خلفها القصف الإسرائيلي. وثمة آليات مصرية أعادت تعبيد اثنين من الشوارع الرئيسية. بعد ذلك، سيساعد المصريون في بناء البنى التحتية لشوارع أخرى، هذا جزء من المساعدة بمبلغ أعلن عنه بأنه 500 مليون دولار لإعادة إعمار القطاع. الرابح الأساسي من برنامج إعادة الإعمار هو شركة “أبناء سيناء” التي يملكها رجل الأعمال البدوي إبراهيم العرجاني، الذي يترأس قبيلة الطرابين واتحاد رؤساء القبائل في شمال سيناء، الذين يتعاونون مع المخابرات المصرية في محاربة منظمات الإرهاب. العرجاني، الذي يملك عدة شركات مقاولات منأاكبر الشركات في مصر، يعمل حسب توجيهات المخابرات المصرية، التي تحصل بدورها على نصيب كبير من المساعدة المصرية للقطاع ومن نقل البضائع من مصر إلى غزة، خصوصاً التي تجتاز الحدود في معبر صلاح الدين.
لا تحتكر مصر أعمال إعادة الإعمار الأولى في غزة فقط، فبالتشاور مع إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات اضطرت قطر إلى الموافقة على ترتيب جديد لنقل أموال المساعدة لتدفعها للمصريين مقابل النفط والوقود الذي تنقله مصر لحماس، وحماس تبيع الوقود لمحطات الوقود في القطاع، ثم يحول الثمن إلى العائلات المحتاجة ولدفع رواتب الموظفين في غزة. جاء هذا الاتفاق المتعرج بسبب معارضة إسرائيل تحويل قطر أموالاً نقدية لحماس في الحقائب، التي بدورها توزعها على 100 ألف عائلة محتاجة، هذا بذريعة أن حماس تستخدم هذه الأموال لاحتياجاتها العسكرية.
ليست وحدها صور الحقائب التي أرادت إسرائيل استبعادها من الخطاب الانتقادي، إنما أرادت إثبات بأنها لا تساعد حماس طالما أنها ترفض إطلاق سراح الأسرى وجثث الجنود الإسرائيليين. كان هذا تعهداً من وزير الدفاع بني غانتس الذي قرر أن إعادة إعمار غزة مشروط باتفاق على إطلاق سراحهم. ولكنه أدرك بأن الشرط الذي وضعه غير واقعي، بعد محادثات قلقة مع شخصيات مصرية وأمريكية رفيعة، التي أوضحوا له فيها بأن منع المساعدة قد يؤدي إلى جولة قتالية أخرى في غزة وتعريض الوساطة المصرية للخطر.
عرضت مصر أن تكون الوسيط غير المباشر للمساعدة القطرية التي ستبلغ 30 مليون دولار في الشهر. ولكن إذا كانت في السابق قد وزعت هذه المساعدة إلى ثلاثة بنود: الأول الدفع المباشر للمحتاجين، والثاني شراء الوقود لمحطات توليد الكهرباء، والثالث لمشاريع توفر أماكن عمل جديدة والتخفيف من نسبة البطالة العميقة التي وصلت إلى 60 في المئة، حسب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 18 تشرين الثاني، فسيتم تحويل 10 ملايين دولار المخصصة للعائلات المحتاجة إلى مصر التي ستشتري بها وقوداً يباع في القطاع. يبدو أن مصر وقطر تعهدتا بعدم استخدام هذه الأموال لأهداف تسلح حماس، لكن لا توجد آلية رقابة ناجعة، مصرية أو غير مصرية، تمنع حماس من أخذ نصيبها من مداخيل بيع الوقود.
حاولت إسرائيل تجنيد الإمارات لتكون عرابة المساعدة بدلاً من قطر، لكنها تلقت إجابة سلبية. كانت أبو ظبي أوضحت بأنها مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار غزة لو كانت مصر صاحبة البيت، وهذا موقف تم الاتفاق عليه بين الإمارات والأردن والسعودية في أيار الماضي، عندما التقى ولي عهد الإمارات محمد بن زايد الملك عبد الله لبضع ساعات في مطار عمان.
إلى جانب أعمال إعادة الإعمار، تعد مصر المزود لمواد البناء والمواد الاستهلاكية التي تصل إلى غزة في معبر صلاح الدين، الذي يتم من خلاله استيراد 17 في المئة من البضائع الداخلة للقطاع. حجم التجارة في هذا المعبر يبلغ 55 مليون دولار في الشهر، تجبي منها حماس 14 مليوناً كرسوم وضرائب. المفارقة هي أنه كلما زاد حجم الاستيراد من مصر، فإن السلطة الفلسطينية تفقد المزيد من المدخولات، حيث السلطة هي التي يحق لها عائدات الجمارك على البضائع التي تصل إلى القطاع عبر إسرائيل. وفي حين يحاول رئيس الحكومة ووزير الدفاع إقناع الدول المانحة بمساعدة السلطة الفلسطينية التي تقف على شفا الانهيار الاقتصادي، إلا أنهما يعملان على قضم مداخيلها، مرة من خلال خصم أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل بدلاً منهم كجزء من قانون منع تمويل عائلات السجناء والمخربين الفلسطينيين، ومرة من خلال تقليص حجم التجارة من إسرائيل للقطاع على حساب زيادة التجارة من مصر.
مقابل السيطرة المصرية على التجارة مع القطاع، زادت مصر عدد جنود حرس الحدود لديها على طول قطاع غزة، وهي تستخدم الضغط على حماس لعقد صفقة تبادل الأسرى والجثث مقابل التنازل عن طلباتها وشروطها. في تشرين الأول، دعي إلى مصر الوفد الأكبر من حماس لمناقشة اتفاق التبادل، وكان يبدو أنه تم التوصل إلى تفاهمات مبدئية، ولكن حسب مصادر فلسطينية، لم تعجب إسرائيل هذه التنازلات. وقالت مصادر إسرائيلية للصحيفة بأن الحديث لا يدور عن تنازلات، بل حول صياغة مختلفة لشروط غير مقبولة. يتبين على الأرض أنه رغم الشرط الإسرائيلي الذي يربط بين صفقة التبادل وإعمار القطاع، فإن أموال قطر إلى غزة ستتواصل في حين تواصل مصر أعمال إعادة الإعمار بالوتيرة التي ستحددها، مع صفقة تبادل أو بدونها.
أين السلطة؟ مسألة إعمار غزة غير منفصلة عن سياسة الرئيس الأمريكي جو بايدن، التي تقول بأن إدارته تعترف بأنه لا توجد في هذه الأثناء “إمكانية سياسية” للدفع قدماً بعملية سياسية شاملة، لكن هناك ضرورة لتحسين الوضع الاقتصادي في الضفة والقطاع. وحسب مصادر دبلوماسية، فإن الولايات المتحدة ستكون مستعدة للتبرع بسخاء لإعادة إعمار غزة مقابل اتفاق لوقف إطلاق النار طويل المدى ترافقه ضمانات بأن لا يقوم أي طرف بأي عمل يمس بنتائج إعادة الإعمار.
ولترجمة هذا الموقف المبدئي إلى واقع، فإن مصر تحاول التوصل إلى تفاهمات مع حماس حول مسائل أساسية، أهمها المصالحة بين حماس وفتح. وحسب مصدر رفيع في حماس، طاهر النونو، فإن مصر قدمت لحماس مسودة فيها تفاصيل عن ترتيبات المصالحة التي تستند إلى محادثات المخابرات المصرية مع الشخصيات الكبيرة في حماس.
من السابق لأوانه تقدير درجة نجاح مصر في تحقيق المصالحة، لا سيما عندما يدير محمود عباس الآن حملة مستقلة للدفع قدماً بالعملية السياسية مع إسرائيل. في هذا الأسبوع، التقى عباس مع الرئيس الروسي وطلب منه مبادرة بعقد اجتماع للرباعية التي روسيا عضو فيها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لتحريك العملية. هذا استمراراً للإنذار الذي وضعه لإسرائيل في خطابه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، الذي قال فيه إن أمامها سنة لإنهاء المفاوضات والانسحاب من “المناطق”، وإلا ستتوجه السلطة إلى محكمة الجنايات الدولية تطالبها بإلزام إسرائيل بالانسحاب. في هذه الأثناء، لا يبدو أن إسرائيل متأثرة من ذلك، خاصة إزاء موقف واشنطن وعدم الاهتمام الذي يظهره بوتين للتدخل في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.
إلى أن تتم المصالحة بين حماس وفتح، تحاول مصر إقناع حماس بالسماح بوجود، ولو رمزياً، ممثلي السلطة الفلسطينية في غزة، لإظهار أن أعمال إعادة الإعمار لا تتم فقط أمام حماس، وأنها تعمل حسب الاتفاقات السابقة التي تطالب بمشاركة موظفي جمارك من قبل السلطة، في المعابر مع مصر. تحرص مصر على أن تتم كل أعمال إعادة الإعمار بواسطة شركة “أبناء سيناء” التي يمتلكها العرجاني، وليس بصورة مباشرة بواسطة الجيش المصري، رغم أنه فعلياً هو الذي يشرف على الأعمال، ليكون بالإمكان التوقيع على اتفاقات عمل مع مقاولين من غزة دون أن يلتصق التعاون الاقتصادي المباشر مع حماس بالحكومة المصرية. هكذا تستطيع مصر الاستعانة بتمويل من السعودية والإمارات، اللتين لا تريدان في هذه الأثناء إقامة علاقات مباشرة مع حماس، لكنهما على استعداد لمساعدة مصر في الحفاظ على احتكار سيطرتها على القطاع.
إن توسيع تحكم مصر بغزة يتساوق جيداً مع سياسة إسرائيل التي تعتبر غزة كياناً منفصلاً، وبذلك تضمن عدم إمكانية تحقق اتفاق سياسي حتى في الطرف الفلسطيني. حسب هذه الرؤية، فإنه طالما لا توجد ممثلية فلسطينية موحدة ومتفق عليها، فليس لإسرائيل شريك فلسطيني. لذلك، لا يمكن لأحد أن يلومها على رؤيتها بأن لا جدوى للمفاوضات. ظاهرياً، هذا الموقف مناقض لمقاربة مصر التي تحاول بحقيق المصالحة بين فتح وحماس، التي يمكن أن تكون نتائجها إجراء انتخابات في كل المناطق الفلسطينية، انتخابات قد تفوز فيها حماس. ولكن إسرائيل تعلمت أن بإمكانها الاعتماد على محمود عباس ليقوم بوظيفة حارس العتبة، بعد أن سبق وألغى الانتخابات التي كانت ستجرى في أيار ولم يحدد موعداً جديداً. إسرائيل دائما يمكنها منع إجراء انتخابات في القدس. وبهذا، فإنها تنزع شرعية هذه الانتخابات، فضلاً عن أن الانقسام بين حماس وفتح يخدمها.
اعتبارات إسرائيل غير مخفية عن نظر مصر. وهي لم تعد تصدر أي دعوات لحل شامل للنزاع. هدفها “المتواضع” هو ترسيخ وقف طويل المدى لإطلاق النار يشمل مسؤولية كاملة لحماس عن كل السلاح الذي في القطاع، بما في ذلك الذي تخزنه وتستخدمه تنظيمات أخرى، والتوقف عن أعمال المقاومة العسكرية في الضفة وشرقي القدس لضمان إعمار القطاع والبقاء الاقتصادي لحماس. ولكن حسب ردود المتحدثين باسم حماس، فإن هذه الطلبات أيضاً لا تمر بسهولة في حلق حماس. سيطرة حماس على التنظيمات الأخرى غير كاملة، ونشاطاتها في القدس والضفة ازدادت بعد عملية “حارس الأسوار”، وهي على قناعة بأن الردع الذي تستخدمه أمام إسرائيل يعطي ثماراً اقتصادية، مثل المساعدات التي تحصل عليها من مصر وقطر، وهذا يخدمها لتنفذ إعمار القطاع.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 26/11/2021