انقلاب البرهان ينعكس على دارفور: عشرات القتلى وحرق قرى وانشغال قوات الأمن

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: يبدو أن انقلاب قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، الذي لا يزال السودان يعاني من تداعياته، بدأ ينعكس على إقليم دارفور الذي تجدد القتال القبلي فيه، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى، إذ أن «القوات المشتركة التي كانت تقوم بحماية المزارعين، تحولت، بعد الانقلاب، لحماية المرافق الحكومية داخل المدن وانشغلت بقمع التظاهرات» حسب ما قال مسؤول محلي لـ«القدس العربي».
وأكدت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 43 شخصاً لقوا مصرعهم في الأحداث الأخيرة في دارفور، التي استمرت على مدار أسبوع، وأن الآلاف فروا من منازلهم.
وحسب ما أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان (أوتشا) الخميس، فإن صراعا اندلع في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني، بين البدو العرب والمزارعين من قبيلة المسيرية، في محلية جبل مون.
وبدأت الأحداث الدامية في جبل مون، السبت الماضي، بعد تبادل الاتهامات بين مجموعات قبلية حول سرقة إبل تابعة لتجار من قبائل تنتمي مجموعات بينها لميليشيا مسلحة، والذين قالوا إن سارقي الإبل صعدوا لجبل مون واحتموا بفصيل مسلح هناك. وتطورت الأحداث، الأربعاء، لصراع مسلح، إذ قتل وجرح خلاله العشرات، بينما أحرق أكثر من 43 قرية، ونزح المئات من المواطنين هناك.

هدوء حذر

وقال المتحدث الرسمي باسم أصحاب المصلحة في معسكرات دارفور، الصادق محمد مختار «هناك هدوء حذر الآن في المنطقة، مع مخاوف من تجدد النزاع مرة أخرى بسبب الثأر بعد وقوع قتلى وجرحى، فضلاً عن الأضرار المادية الكبيرة ونزوح المئات في أوضاع أمنية وإنسانية سيئة».
وتقع محلية جبل مون على بعد حوالى (70) كيلو مترا شمال مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، بالتحديد في المنطقة المتاخمة للحدود السودانية التشادية، ويبلغ عدد سكانها حوالى 72 ألف نسمة، يعيشون في قرى صغيرة حول الجبل.
وأعلن حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في تغريدة، الجمعة، على حسابه في «تويتر» عن وصول لجان قام بتكوينها لتسويات بخصوص الأوضاع في جبل مون، مؤكدا أنهم يعملون بشكل حثيث لإنهاء التوترات هناك. وطلب من المواطنين تغليب صوت العقل والتعاون مع ولاة الولايات لحفظ الأمن في المنطقة.
وجاء الصراع الأخير بعد أشهر من الاستقرار شهدته المنطقة، عقب الصراع القبلي الذي وقع محيط مدينة الجنينة، مطلع العام الحالي، وراح ضحيته 54 شخصا وجرح نحو 60 آخرين، وأدى إلى نزوح 40 ألفا حسب إحصائيات الأمم المتحدة.
ووقعت الحكومة السودانية و«الجبهة الثورية» التي تضم عدداً من حركات دارفور المسلحة في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اتفاق سلام، انتهت بموجبه حرب استمرت منذ عام 2003 في الإقليم الواقع غرب السودان.
لجنة أطباء غرب دارفور وثقت في بيان 17 قتيلاً و12 جريحاً من طرفي النزاع، وذلك عبر الكوادر الطبية العاملة في مناطق الأحداث في محلية جبل مون، بالإضافة إلى الحالات التي وصلت مستشفى الجنينة التعليمي ومستشفى السلاح الطبي ومشرحة الجنينة في عاصمة ولاية غرب دارفور.
وأضافت أن معظم الجرحى يتلقون الرعاية الطبية في مستشفيات غرب دارفور، وخضع ثلاثة بينهم لعمليات جراحية في مستشفى الجنينة التعليمي.

الإفلات من العقاب

وتابعت: «الصراع القبلي الذي بلغ ذروته الأربعاء الماضي، والأيام التي تلته، أسفر عن موجة نزوح ولجوء جديدة من القرى المتأثرة بالأحداث، إلى كل من صليعة رئاسة محلية جبل مون وكلبس المجاورة ومنطقة برك في دولة تشاد المجاورة».
وحمّلت اللجنة السلطات الأمنية كامل المسؤولية عما وصفته بـ«الفشل المستمر في اتخاذ أي تدابير جادة لحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم، وفشل السلطات في تقديم شخص واحد إلى المحاكمة في جميع الأحداث التي وقعت في الولاية خلال العامين الماضيين والتي أودت بحياة المئات». وشددت على أن «الإفلات من العقاب ظل يشجع المتفلتين والعصابات الإجرامية لمواصلة ارتكاب المجازر».
وعادة ما تنتهي معظم الصراعات القبلية هناك عبر وساطات للإدارات الأهلية وتسويات تدفع خلالها تعويضات لبعض للمتضررين من الجانبين.
كذلك حمّلت قوى «إعلان الحرية والتغيير» السودانية، الخميس، السلطات مسؤولية وقوع ضحايا غرب دارفور.
وأعربت القوى (الائتلاف الحاكم سابقا) في بيان عن « الأسى على الأرواح التي سقطت جراء الأحداث الدامية في جبل مون بولاية غرب دارفور».
وأضاف البيان: «نحمل السلطة الانقلابية وأجهزتها الأمنية كامل المسؤولية عن وقوع هذه الأحداث وعن كل قطرة دم سقطت، وكذلك نحملها انتشار السلاح بلا وازع ولا ضمير».
واعتبر أن «غض الطرف المستمر من المكون العسكري عن المجرمين من الميليشيات المتفلتة دليل يكشف التواطؤ والتلاعب بحماية المدنيين».

رعاة يستنجدون بقبائلهم… واتهامات للسلطات بغضّ الطّرف عن الميليشيات

ودعت السفارة البريطانية أيضاً إلى «ضبط النفس لمنع مزيد من الألم والمعاناة جراء أحداث جبل مون بولاية غرب دارفور».
وقالت السفارة في تدوينة عبر صفحتها على فيسبوك: «العنف لن يولد سوى العنف، نحث بشدة على ضبط النفس لمنع المزيد من الألم والمعاناة».

مخاوف من عودة الحرب

وتخوّف المتحدث الرسمي باسم أصحاب المصلحة في معسكرات دارفور، الصادق محمد مختار، من عودة الحرب في الإقليم، مرة أخرى، خاصة بعد الانقلاب العسكري الأخير الذي قوض الانتقال الديمقراطي في السودان، بالإضافة إلى تأخر تنفيذ اتفاق السلام، الذي يبدو أن مواطني إقليم دارفور بدأوا يفقدون إيمانهم به.
وقال لـ«القدس العربي، إن «القوات المشتركة التي كانت تقوم بحماية المزارعين تحولت بعد الانقلاب لحماية المرافق الحكومية داخل المدن وانشغلت بقمع التظاهرات، الأمر الذي زاد من حالة السيولة الأمنية وانتشار الجرائم في الإقليم الغارق في السلاح».
وأضاف «المشكلة بدأت في المنطقة المحيطة بجبل مون، السبت الماضي، حيث سرقت مجموعات أبل رعاة من قبيلة أخرى، ثم فرت إلى قمة الجبل واحتمت بفصيل مسلح موجود هناك».
وتابع «استنجد الرعاة بقبائلهم، التي يتبع معظمها لقوات الدعم السريع يوم الأربعاء، والذين هاجموا القرى المحيطة بجبل مون، وأحرقوا عدداً كبيراً منها وبالمقابل رد عليهم الفصيل المسلح الموجود هناك».
وأشار إلى «وجود هدوء حذر في المنطقة الآن، في وقت لم يتم حصر عدد النازحين واللاجئين حتى الآن أو تحديد حجم الأضرار» لافتا إلى «تردي الأوضاع الإنسانية في المنطقة».

جمع السلاح

وشدد على أن «المواطنين أصبحوا غير مؤمنين بجدوى اتفاق السلام الذي تم بين الحكومة والحركات المسلحة، خاصة مع تأخر تنفيذ استحقاقاته خاصة الترتيبات الأمنية» مشيرا إلى أن «جميع الأطراف لا تمتلك الإرادة الكافية لتنفيذها».
ولفت إلى أن «السلاح الموجود في يد المواطنين في إقليم دارفور الآن أكثر من الموجود لدى الحركات المسلحة نفسها، وسط حالة من عدم الثقة بين المكونات القبلية هناك، وهذا قد يؤدي إلى تفجر الوضع بشكل أكبر في حال لم يتم التعامل مع الوضع في دارفور بشكل جاد».
وأوضح أن «الاستقرار في الإقليم مرتبط بشكل كبير بجمع السلاح وعمليات دمج الحركات في الجيش» مؤكدا على «ضرورة وجود طرف ثالث لحماية المواطنين في دارفور غير الحكومة والحركات الذين فشلوا في صناعة قوات مشتركة قادرة بشكل حقيقي على حماية المدنيين».
وأنهى مجلس الأمن في كانون الأول / ديسمبر الماضي مهام البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي «يوناميد» في إقليم دارفور بعد 13 عاما من العمل هناك. وكانت البعثة تضم (4000) عسكري و(480) استشاريا أمنيا بالإضافة إلى (483) موظفا دوليا و(945) موظفا محليا مدنيا.
وشملت مهام «يوناميد» حماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية بالإضافة إلى الوساطة بين الحكومة والحركات المسلحة ودعم الوساطة في النزاعات المجتمعية.
ويرى المتحدث الرسمي باسم اصحاب المصلحة في معسكرات دارفور، أن «الجيش والحركات أثبتوا فشلهم في حماية الإقليم، وأن المواطنين في دارفور لا يثقون فيهم للقيام بمهام حمايتهم ويحتاجون بالضرورة إلى شكل من أشكال البدائل الدولية لبعثة يوناميد».
وأشار إلى أن «السلطات ظلت تتجنب التدخل في النزاعات القبلية في الإقليم، وبالتالي لا تستطيع حماية المواطنين خلال أي نزاع، فضلا عن تورط بعض جنودها في الصراع عند انحيازهم لقبائلهم».
الخبير العسكري، أمين مجذوب، بيّن أن «النزاع الأخير، ما هو إلا حلقة في مسلسل النزاعات في الإقليم والتي قد تتفاقم بسبب التدهور الراهن في البلاد وتأخر تنفيذ اتفاق سلام جوبا».
وقال لـ«القدس العربي» إن «هناك تدخلات شبه رسمية من القوات النظامية وقوات الحركات في الصراع» مرجعا ذلك للتجنيد القبلي في المنطقة.
ولفت إلى أن «الجنود يذهبون في النهاية لنصرة قبائلهم لطبيعة المناصرة القبلية في المنطقة، وبالتالي لم تقم القوات الأمنية بشكل رسمي بالتدخل وحسم الوضع، رغم الخسائر الضخمة في الأرواح والممتلكات».
ورأى أن «ما حدث في جبل مون له علاقة مباشرة بعدم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية في اتفاق السلام» مشيرا إلى «عدم تنفيذ البند الخاص بتكوين قوة مشتركة من 12 ألفا نصفها من القوات النظامية والنصف الآخر من الحركات المسلحة، والتي كان من المنتظر أن تقوم بمهام بعثة يوناميد بحماية المدنيين والفصل في المنازعات والصراعات التي تحدث بين القبائل والأفراد».
ولفت إلى أن «هذا التأخير أدى للنزاعات الأخيرة» مشيرا إلى أن «تبعاتها قد تكون ضخمة حال تواصل النداءات القبلية للثأر، وما قد يجره من تواصل للصراع في الإقليم».
وطالب السلطات السودانية بـ«التدخل الفوري لإنفاذ بنود اتفاق سلام جوبا خاصة الترتيبات الأمنية قبل أن يحترق الإقليم» على حد قوله، مشيرا إلى أن «الاتفاق الموقع أكتوبر/ تشرين الأول 2020 لم يخاطب جذور الأزمة في دارفور كما هو واضح».
وشدد على «أهمية استقرار الأوضاع في البلاد لاستقرار الإقليم، وضرورة التعامل مع الجرائم التي تحدث في الإقليم عبر القضاء ومحاكمة المتورطين في الصراعات والحد من انتشار السلاح في الإقليم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية