مخاوف مشروعة تصاحب انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي!

أسابيع قليلة تفصلنا عن إلتئام »المؤتمر الاقتصادي » المزمع عقده بشرم الشيخ، والصفة الغالبة على المدعوين أنهم رجال مال وأعمال ومقاولات واحتكارات؛ يستندون على قوة إعلامية غاشمة توفرها أجهزة إعلام وصحافة منحازة. لم نر بين المدعوين عالما أو خبيرا ولا مختصا في شؤون الاقتصاد والاجتماع والصناعة والتعليم والصحة والرعاية‫وجل المدعوين من أرباب الصفقات والثروات و »الغزوات » على طريقة ملوك الطوائف وشيوخ المذاهب في «غزوة الصناديق »، وقد أعدوا أنفسهم لـ «غزوة اقتصادية»لاصطياد مصر وتسليمها للمتربصين بعد أن أنقذها شعبها وجيشها منهم !
والبدايات لا تُطمئِن بعد القبول بعرض تحالف «أصحاب المصالح» في تحمل تكلفة المؤتمر، وبدوا وكأنهم حولوه لمهرجان تسوق يعقد سنويا لعقد صفقات وترويج سلع ومنتجات محلية وأجنبية، وأبعدوا عن مهمة إنقاذ اقتصاد ضعضعه النهب والفساد، وصارت يد «رعاة المؤتمر» هي العليا، وبقيت يد الدولة والمجتمع والشعب هي السفلى. ويعود النظام القديم أقوى مما كان، وهذا يفسر حماس المؤسسات المالية الدولية، خاصة المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي. وبدت أهدافه تتضح مع تصريحات مصادر «المصرف الدولي» في الرابع عشر من هذا الشهر؛ بأنها تولي أهمية كبيرة للمشاركة في «المؤتمر الاقتصادي» بشرم الشيخ في آذار/مارس المقبل، وجاء على لسان المسؤولين فيه أنهم لمسوا «تغييرا» في مباحثاتهم الأخيرة بالقاهرة؛ تؤكد الحرص على أن يكون المؤتمر فرصة لتقديم خطة جديرة بالثقة حول المشروعات المزمع إقامتها في البلاد .. ولنضع خطا سميكا تحت عبارة » خطة جديرة بالثقة »، وتعني إمكانية النجاح فيما سبق وفشلوا فيه. وهم مطمئنون إلى أن المشاركين جاءوا على الهوى وطوع البنان!
فلسفة المصرف الدولي حاكمة لشروطه في تعامله مع مصر وغيرها، وتربط اتفاقية التأسيس عضويته بعضوية صندوق النقد الدولي والمؤسسة الدولية للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية؛ بدعوى ضمان الاستثمار!
ومن ناحية الإدارة فالمصرف يُدار على نمط المؤسسات والمنظمات الدولية التي قامت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، فنجد أن «خمس دول كبرى» هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان؛ تستحوذ على الكم الأكبر من الأسهم، ويمثل كلا منها مدير تنفيذي، والباقي من الأعضاء الـ188 يمثلهم عشرون مديراً تنفيذياً فقط.
انضمت مصر لعضوية صندوق النقد الدولي عام 1945، ونشأ الصندوق ليعالج مشاكل ما بعد الحرب، ويقدم العون المالي والفني للدول الأعضاء. ومصر تحتل الدولة العشرين بين الدول المؤسِّسة، وتأزمت علاقتها بالمصرف والصندوق في خمسينات وستينات القرن الماضي؛ على إثر رفضها ضغوط ربطت بين التمويل ودخول الأحلاف العسكرية والصلح مع الدولة الصهيونية. وعوقبت بسحب التمويل. وكانت تعول على «السد» كثيرا في توسيع رقعتها الزراعية، وبناء قاعدتها الصناعية، وتوليد الطاقة الكهربية، ومضاعفة دخل المواطن كل عشر سنوات. وردت مصر بتأميم «قناة السويس» لتدبير تمويل «السد»، ومن يومها زاد التوجس من هذه المؤسسات كأدوات للهيمنة الاستعمارية ؛ إلى ان عادت الحكومات المتعاقبة لأكثر من أربعة عقود، وعلقت آمالها عليها. وتنتظر الحكومة الآن نتائج بعثة «الصندوق» الأخيرة للقاهرة؛ طمعا في تدفقات استثمارية أجنبية مباشرة في شرايين الاقتصاد الفعلي، وغير مباشرة في سوق الأوراق المالية. واعتبارها «شهادة حسن سير وسلوك» لنيل رضا المستثمرين الأجانب قُبيل انعقاد المؤتمر.
بدأ الإعداد للمؤتمر بتشكيل لجنة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومصر؛ رأسها ابراهيم محلب رئيس الوزراء؛ مهمتها الوقوف على متطلبات المؤتمر، وتعظيم المشاركة العربية فيه. وتعاونها لجنة وزارية تمثل المجموعة الاقتصادية؛ تطرح وتعرض مشروعات على مستثمرين محليين وعرب وغربيين، والاستعانة بشركات أجنبية للاستشارات المالية ودراسات الجدوى لمشروعات المستثمرين والهيئات المانحة!
وانجلت الأمور تباعا بتصريحات وزيرة التعاون الدولي لـ «الأهرام» في 2 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي: «أن المؤتمر بداية لعملية مستمرة لوضع مصر على خريطة الاستثمارات الأجنبية… وتوجيه رسالة للعالم بأن مصر دولة مستقرة وجاذبة للاستثمار، وتضمن حقوق المستثمرين». وأين حقوق المواطنين؟!
كان من المقرر أن يفتتح الرئيس السيسى المؤتمر في 21 شباط/فبراير 2015 بقاعة المؤتمرات بمنتجع «شرم الشيخ»، واستقرت الترتيبات المبدئية على دعو ة نحو 1500 شخصية من رموز مجتمع الاعمال الدولي، ورؤساء وملوك وأمراء الدول الشقيقة والصديقة أو ممثليهم، ورؤساء وممثلي مؤسسات مالية واقتصادية عالمية وشركات عملاقة، ومسؤولي شركات مصرية كبرى، ومنظمات أعمال محلية وعربية ودولية، بجانب رجال أعمال مصريين بالخارج؛ على أن تعقب كلمة الرئيس السيسي الافتتاحية كلمات رؤساء الوفود.
ثم تغير الموعد إلى الفترة من 13 إلى 15 آذار/مارس القادم، وزاد عدد المدعوين لأكثر من ثلاثة آلاف. وأعلن ذلك إبراهيم محلب رئيس الوزراء في مؤتمر صحافي 22/11/2014، وتجري أعمال المؤتمر على ثلاثة محاور:
1) مواجهة عجز الموازنة بالانضباط المالي، والإصلاح الضريبي وترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات وخفض المصروفات وإقرار قانون استغلال الثروات المعدنية والطبيعية.
2) جذب الاستثمارات المباشرة.
3) تغطية الفجوة التمويلية وضبط ميزان المدفوعات.
وهذه المحاور تتطابق مع مطالب المؤسسات المالية الدولية، واعتمادها على الاستثمار الخاص، والصناعات الصغيرة والاستهلاكية، وترك الصناعات الثقيلة والمتوسطة للاحتكأرات الكبرى ووكلائها المحليين، ومنع الدولة من «اقتراف» هكذا نشاط، ومنع تدخلها لتطبيق «العدالة الاجتماعية»، والضغط لإلغاء دعم الفقراء وتوفير الدعم للأغنياء، وتخفيف الضرائب عنهم، وبذلك تترجم مثل شعبي معبر: «الكعكة في أيد اليتيم عَجَبَة»؛ أي استكثار الكعكة على اليتيم والفقير.. فيبقى محروما.. مذلولا.. مذموما!
ومع اقتراب المؤتمر تزيد المخاوف من إزدياد معها معاناة الناس، واتساع الفجوة بين الأكثر ثراء والأكثر فقرا، فما زال «الاستغلال الفاحش» مهددا للاستقرار، وباعثا على الفوضى، ومسيطرا على تصرفات أباطرة أصابهم العمى عن رؤية ما يحيطهم من مخاطر، ولا يخجلون من الظهور في صحبة الرئيس السيسي، فمحمد أبو العينين ملياردير السيراميك الشهير، يجلس في الصف الأمامي أثناء احتفال عيد الشرطة؛ وسجله حافل بكل ما هو مشين وفاسد، وعمرو موسى وسجله أكثر بؤسا بـ«التطبيع» وبيع الغاز للدولة الصهيونية؛ ظهر مع السيسي في ملتقى «ديفوس». والقائمة طويلة لا نملك إزاءها إلا الاعتصام بالمثل التونسي المعروف «تيجي تفهم تدوخ»!!
والمؤتمر قد ينذر بالخطر، وتبدو مهمته تنفيذ ما عجزت عنه المؤسسات المالية الدولية في السابق، وقد يستكمل بيع مصر ومنح أرضها للأجانب بلا ضوابط، وتصفية ما تبقى من القطاع العام، وحجمه ما زال في حدود 40 ٪ من إجمالي الناتج الوطني، واتباع سياسة تقشفية تلغي الدعم وتراهن على الاستهلاك والنشاط الريعي والهامشي، ومؤازرة أصحاب الامتيازات، وإبقاء الزواج المحرم بين المال والسياسة. والنتيجة المتوقعة استبعاد أكثرية أبناء الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود والمنتجين (فلاحين وعمال وحرفيين وباعة جائلين) والعاطلين والمعدمين، ليبقوا خارج دوائر الاهتمام.. مهمشين.. أذلاء.. مقهورين.. واستمرار تبديد ما لدى مصر من موارد وإمكانيات طبيعية واقتصادية وطاقات بشرية هائلة معطلة؛ فما زالت منظومة الحكم محدودة الخيال الاجتماعي والإنساني؛ أعجزها عن إبداع نموذج يلبي تطلعات الشعب ويوفر لأبنائه فرصا عادلة ولائقة للحياة، وبذلك النموذج المأمول تولد مصر جديدة فتية؛ مستقرة.. آمنة.. هانئة.
هل ما زال الرئيس السيسي معنا أم مع «جماعات المصالح»؟ وإذا كان معنا فليتدارك الوضع قبل فوات الأوان؛ بمناسبة الذكرى الرابعة للثورة العظيمة!!

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية