الوساطة الأمريكية في صفقة البرهان وحمدوك جاءت للتغطية على فشلها الاستخباري والسياسي والدبلوماسي في الشأن السوداني

رائد صالحة
حجم الخط
1

واشنطن ـ «القدس العربي»:  سارعت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الترحيب بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين قادة الجيش السوداني ورئيس الوزراء المدني عبدالله حمدوك، بعد قرابة شهر من احتجازه رهن الإقامة الجبرية بعد انقلاب.

ولم يتم الكشف عن محتوى الصفقة بعد، إلا أن الولايات المتحدة سارعت في الإشادة بالاتفاق باعتباره نجاحاً، على الرغم من أن الصفقة لا تبدو قريبة من المسار الديمقراطي.
وأشار محللون أمريكيون إلى أن إدارة بايدن فوجئت عندما اندلع الانقلاب بعد يوم واحد فقط من مناقشة بين العديد من المسؤولين الأمريكيين مع قادة من الجيش السوداني بشأن الانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة يقودها مدنيون.
وكان المبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان قد حذر الجيش السوداني على وجه التحديد من الاستيلاء على السلطة، ولكن في غضون ساعات قليلة، تجاهل كبير المسؤولين العسكريين السودانيين عبد الفتاح برهان تلك النصيحة.
وذكرت مجلة «ذا ناشيونال انترست» الأمريكية المحافظة أن المسؤولين الأمريكيين أصيبوا بصدمة حقيقية لأن الجيش السوداني كان على استعداد لتحديهم والتخلي عن ما يقارب من 700 مليون دولار من المساعدات الموعودة، وقد اعترف المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس أن الولايات المتحدة لم تتلق أي تنبيه بشأن هذا الأمر.
ولعكس فشلها الملحوظ في منع الانقلاب في السودان، ساعد البيت الأبيض في التوسط للاتفاق الجديد الذي وقعه الجيش ورئيس الوزراء المحتجز سابقا، على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تستطع منع حدوث الانقلاب العسكري، إلا أنها لا تزال قادرة على رفع صورتها من خلال حل «يبدو أكثر ديمقراطية» على حد تعبير «ذا ناشيونال انترست».
وتعهد حمدوك في خطابه الأول بعد إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية بأن الصفقة ستساعد في مواجهة تحديات الفترة الانتقالية، ووافق البرهان على أن الصفقة يمكن أن تضع أساساً حقيقياً للمرحلة الانتقالية، ولكن العديد من المحللين الأمريكيين يرون أن توقيع حمدوك على هذه الاتفاقية يمنح الشرعية للانقلاب وحق الجيش في السيطرة على مستوى معين من السلطة في السودان، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الجديدة بقيادة حمدوك ستظل خاضعة للإشراف العسكري في المستقبل المنظور.
وقال محللون أمريكيون إن دوافع إدارة بايدن للتوسط في الاتفاق السوداني قد تستند جزئياً إلى التصورات الدولية، إلى أن دوافع دول الخليج والشرق الأوسط، باستثناء قطر وتركيا، تأتي من زاوية مختلفة قائمة على العلاقة مع الجنرالات وحكومة عسكرية مع طموحات بتوسيع النفوذ في القرن الأفريقي.
وأشار محللون أمريكيون إلى أن قرار البرهان بإعادة رئيس الوزراء المخلوع قد جاء في الواقع بسبب ردة الفعل المحلية والدولية، وخاصة من جانب الولايات المتحدة، حيث عادت المظاهرات إلى الشوارع على الرغم من استخدام النظام العسكري للقوة، كما أوضحت واشنطن للجنرالات بعد تجميدها للمساعدات بأن أي تحسن في العلاقات سيكون مرتبطاً بإعادة حمدوك.
وأكد المحللون أن الصفقة تشير إلى حدود المؤسسة العسكرية في السودان ولكنها لا تعني بالضرورة أن الانتقال سيكون سلساً، ومنذ أن قام الجيش بتنحية الرئيس الأسبق عمر البشير من السلطة، كان الجيش متردداً في تقاسم السلطة مع القيادة المدنية.
ويتزامن الفشل الأمريكي في السودان مع قرب انعقاد قمة بايدن من أجل الديمقراطية، حيث أن الديمقراطية تبدو وكأنها تتراجع بشكل مطرد أمام الاستبداد، وعلى حد تعبير صحيفة «واشنطن بوست» لا يمكن أن تسمح الولايات المتحدة بأن تتحول القمة إلى فورة من الخطابات الفارغة، وبدلاً من ذلك، يجب أن تنتهز الفرصة لإلزام الديمقراطيات الناشئة بدعم المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين ونشطاء الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
وسلطت الصحيفة الضوء على السودان كنموذج على تراجع الحقوق السياسية والحريات المدنية في جميع أنحاء العالم، وكنموذج لتغير الأمور إلى الأسوأ بعد استيلاء العسكر على السلطة.
وتحدث العديد من المحللين الأمريكيين، أيضاً، عن حقيقة مدى حدود النفوذ الأمريكي في أفريقيا بعد التجربة السودانية، وقالوا إن تعهد الرئيس بايدن بعودة نفوذ الولايات المتحدة إلى الساحة الدولية لم يصل إلى مستوى الفعل حتى الآن، وكان من الواضح أن قادة السودان وغيرهم من زعماء القارة قد بدوا غير مقتنعين أو غير مهتمين برسائل الإدارة الأمريكية، وعلى العكس من ذلك، استمرت موجة الاستبداد على الرغم من النداءات الأمريكية العامة بشأن الديمقراطية.
واستشهد المحللون على وجه الخصوص بالسودان وإثيوبيا كدليل على فشل الدبلوماسية الأمريكية، حيث بدأ قادة الخرطوم بحملة القمع والانقلاب عقب ساعات من محادثات مع وزارة الخارجية الأمريكية.
وقال وزير الخارجية الأمريكية، أنتوني بلينكن، تعليقاً على اتفاق السودان إنه يشجع الاتفاق ولكنه لا يزال يطمح لرؤية المزيد، وأضاف في تغريدة على تويتر: «أحث جميع الأطراف على إجراء المزيد من المحادثات ومضاعفة الجهود لإكمال المهام الانتقالية الرئيسية على مسار بقيادة مدنية نحو الديمقراطية في السودان» كما كرر دعوته لقوات الأمن السودانية بعدم استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين.
وعلى الرغم من أن بايدن تحدث عن إعادة أفريقيا إلى مكانة بارزة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن الأولويات الأخرى والتطورات الملحة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية، قد حركت بوصلة اهتمامات واشنطن إلى اتجاهات أخرى.
الأحداث الأخيرة في السودان تشير، أيضاً، وفقاً للعديد من خبراء واشنطن، إلى أن مزاعم فريق السياسة الخارجية في إدارة بايدن بشأن أولوية الفوز في المنافسة بين الديمقراطية والاستبداد عبر استخدام الضغوط الاقتصادية لم تكن جدية بما فيه الكفاية.
وعلى أية حال، تبدو خيارات واشنطن محدودة للغاية في التعامل الشأن السوداني، خاصة بعد أن اتضح أن «الانقلاب» قد حصل على مساندة من بعض أطراف في المنطقة العربية من حلفاء واشنطن، وكان من الواضح أن هيبة الولايات المتحدة على المحك، ورأت مجموعة من المحللين أنه يمكن للولايات المتحدة اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد العسكر في السودان ولكن واشنطن مشغولة على ما يبدو بتسارع الأحداث في مناطق أخرى من العالم.
بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل الانقلاب العسكري في السودان تحدياً مباشراً، ولذلك فهي لا تزال تؤكد على أن العسكر يخاطرون بالمساعدات والشرعية الدبلوماسية التي استعادها السودان في التغيير الديمقراطي وبعد رفع اسم البلاد من قائمة الإرهاب وإزالة العقبات الرئيسية أمام المساعدات والقروض الدولية، وهناك الكثير من الأسباب التي تؤكد أن واشنطن مستعدة بالفعل للقيام بإجراءات عقابية ضد العسكر إذا لم تتم عملية الانتقال الديمقراطي، خاصة مع حديث بايدن المتواصل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية