هيئات حقوقية وحزبية تحذر من الاحتقان الاجتماعي
الرباط ـ «القدس العربي»: أثار القرار الحكومي في المغرب بتحديد سنّ ولوج مباريات التعليم في 30 عامًا كحد أقصى ردود فعل مختلفة، لدى الهيئات الحزبية والنقابية والحقوقية، فضلا عن المنظمات الشبابية والطلبة الجامعيين وغيرهم، إذ اعتُبر مخالفا للدستور المغربي الذي ينص على أن التوظيف في المؤسسات العامة يجري حسب الاستحقاق وليس بتقليص السن. كما وصف بكونه مخالفا لقانون الوظيفة العمومية في المغرب.
القرار المذكور خلف حركات احتجاجية في مختلف المدن المغربية، تباين تعامل السلطات الأمنية معها بين المنع والتشديد وبين المرونة وتفهم المطالب وطريقة التعبير عنها سلميا وحضاريا.
ما أقدمت عليه حكومة عزيز أخنوش تجاه الشباب الراغبين في الالتحاق في وظائف التعليم، اعتبر ضربا لمبدأ المساواة في العمل وولوج الوظيفة العمومية، الذي أكدت عليه بيانات حقوق الإنسان لكثير من الدول ذات الديمقراطية العريقة، وتبنته جل الدساتير الدولية. كما أن المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1789 نصت على أن «كل المواطنين متساوون وكذلك مقبولون في الوظيفة العمومية بالنظر إلى مؤهلاتهم وبصرف النظر عن أي تفرقة أخرى».
رأي الخبراء
خبراء القانون أدلوا بدلوهم في الموضوع، حيث كتب أحدهم أن المغاربة فوجئوا بمضامين إعلان وزير التعليم، شكيب بنموسى، في شأن إجراء مباريات توظيف الكوادر النظامية لمؤسسات التعليم، حينما أكد على إلزامية أن لا يتعدى سن المرشحين للمباريات 30 سنة كحد أقصى 30 سنة، علما أن السن المطلوب عدم تجاوزه لولوج الوظيفة العمومية في النظام الأساسي للوظيفة العمومية لسنة 1958 هو 40 سنة.
وفي تدوينة له على «فيسبوك» أفاد محمد النويني، باحث في القانون الإنساني الدولي، أن هذا القرار من شأنه أن يعصف بمبدأ المساواة في التشغيل ولولوج الوظيفة العمومية، الذي يعتبر من أهم المبادئ التي نصت عليه بيانات حقوق الإنسان الأمريكية سنة 1776 والفرنسية سنة 1789 وتبنته جل الدساتير الدولية. كما أن المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1789 أوضحت أن كل المواطنين متساوون وكذلك مقبولون في الوظيفة العمومية بالنظر إلى مؤهلاتهم وبصرف النظر عن أي تفرقة أخرى.
وأعرب الباحث نفسه عن مخاوفه من أن يحدث ذلك الشرط ردّة حقوقية واجتماعية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث للمغرب، وأن تحدث تعارضا وتناقضا مع ما جاء في المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب وضمّنها في ديباجة دستور 2011.
في السياق ذاته، أوضح المحامي محمد الهيني أن قرار الوزير شكيب بنموسى بشأن اشتراط عدم تجاوز سن 30 سنة في مباراة التعليم «خرق دستوري»؛ ذلك أن الفصل 31 من الدستور يعتبر الحق في الشغل مضمونا والولوج إلى الوظائف العمومية حسب الاستحقاق وليس السن.
ولفت في تصريح لموقع «هسبريس» إلى أن ما صدر عن المسؤول الأول عن قطاع التربية «خطأ حكومي لا يغتفر، لأنه يشكل مساسا بالحق في العمل وبحرمان شريحة كبيرة ومهمة في المشاركة في المباريات، ويفوت عليها فرصة الولوج إلى سوق العمل وتحقيق ذاتها والإسهام الفعال في تنمية المجتمع».
كما أن هذا الشرط الذي وصفه المحامي نفسه بـ«التعسفي وغير الدستوري» يتنافى مع النصوص التنظيمية الجاري بها العمل والتي تشترط الحد الأقصى للتوظيف في 45 سنة مع إمكانية رئيس الحكومة لمنح ترخيص استثنائي لمن يتجاوز هذا السن، مضيفا: «هذا إقصاء لكفاءات شبابية واعدة وبشكل غير مبرر وغير مشروع لعدم ارتباطه بقواعد الاستحقاق المكرسة دستوريا».
وكشف عبد الناصر الناجي، الخبير التربوي ورئيس جمعية «أماكن» أنه «بغض النظر عن النقاش القانوني الذي يثار حول أحقية وزارة التربية الوطنية في تخفيض السن المسموح به لاجتياز مباراة ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، يبقى السؤال المحير هو ما الاعتبارات العلمية التي تأسس عليها هذا القرار؟ فإذا كان الهدف المعلن هو تحسين جودة التعلمات من خلال تحسين جودة المدرسين فيحق لمن تجاوز 30 سنة أن يتساءل هل سنه سيمنعه من تحقيق معايير الجودة؟».
وأوضح أن «الفرضية التي بني عليها القرار تنطلق من اعتبار الأقدمية في الحصول على شهادة الإجازة (البكالوريوس) موجبة لتدني المستوى المعرفي للمرشح، غير أن هذه الفرضية قد تكون خاطئة في الحالات التي يكون فيها المعني بالأمر زاول لسنوات مهنة التدريس في التعليم الخاص أو تابع دراسته الجامعية في الماستر أو الدكتوراه الشيء الذي مكنه حتما من الرفع من مؤهلاته».
ولاحظ الخبير نفسه أن المقارنة الدولية تبين أن نسبة عالية من المدرّسين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا تقل أعمارهم عن 50 عامًا، وتزداد نسبتهم مع مستوى التعليم بحيث تبلغ 33 في المئة في التعليم الابتدائي، و37 في المئة في التعليم الثانوي الإعدادي، و40 في المئة في التعليم الثانوي التأهيلي، بل تصل في دول متقدمة في التعليم مثل فنلندا إلى 35 في المئة في التعليم الابتدائي. في المقابل، فإن المدرسين الشباب – تحت سن 30 – قليلون في هيئة التدريس: فهم في المتوسط 13 في المئة فقط في التعليم الابتدائي، 11 في المئة في التعليم الثانوي الإعدادي و8 في المئة في التعليم الثانوي التأهيلي.
وأفاد عبد الناصر الناجي أن ذلك يعني أن هذه البلدان لا تضع حدا للسن لولوج مهنة التدريس وتحاول العديد منها سن سياسة لاستقطاب المدرسين تحرص على توظيف أساتذة من أعمار مختلفة وذلك تحسبا لمرحلة التقاعد التي تريد منها ألا يصل إليها نسبة كبيرة منهم في الوقت نفسه الشيء الذي يجنبها إشكالية التجديد المكثف لهيئة التدريس في سنوات بعينها.
تفاعل المجتمع المدني
على مستوى تفاعلات المجتمع المدني، أعلنت «الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب» أنها سبق أن نبّهت في عدة محطات إلى الإجهاز على حق الآلاف من الشباب حاملي الشهادات الجامعية والعليا إزاء ما يتعرضون إليه من إقصاء عمْدي في العديد من المباريات التي يتم فيها تسقيف السن خارج الإطار القانوني للوظيفة العمومية أو الأنظمة الأساسية للعديد من الوظائف المحددة للسن المطلوب بنصوص صريحة عوض إقراره في أقل من 30 سنة.
وذكرت في بيان لها، أنها لم تُفاجأ بهذه القرارات الجائرة التي يتم تفعيلها خارج السياق القانوني الذي نبهت لها في العديد من بياناتها ومذكراتها الترافعية، في تعارض مع منطوق الدستور المغربي الواضح والصريح في فصله 31 بأن الولوج إلى الوظائف العمومية حسب الاستحقاق، وليس بتقليص السن كما تم على مستوى مباراة الملحقين القضائيين المعلن عنها من طرف وزارة العدل وكذا مباريات توظيف المدرسين والكوادر الإدارية والتربوية والاجتماعية المعلن عنها أيضا من طرف وزارة التعليم والتي شكلت صدمة كبيرة في أوساط الشباب وحاملي الشهادات الجامعية العليا والرأي العام.
وبعدما نبهت الشبكة لخطورة مثل هذه القرارات التي تولد الإحباط واليأس لدى فئة عريضة من المجتمع، تساءلت عن البدائل التي ستقدمها الحكومة في مقابل هذا الإقصاء من عروض العمل، في ظل المناصب المالية المحتشمة جدا في القوانين المالية للحكومات عوض اعتماد مقاربة قاصرة تستهدف التخلص من آلاف الشباب عبر قرار غير منصف وغير عادل.
وقالت الشبكة المدنية إن إقرار سنّ أقل تحت ذريعة اختيار الكفاءات هو وصم خطير إزاء فئات عريضة تضم العديد من الكفاءات والخبرات في عدة مجالات من حاملي شهادات من خريجي الجامعات العمومية، وتبخيسها هو تبخيس للمنظومة الجامعية وللفاعل السياسي والتكنوقراطي الذي يتحمل المسؤولية الكبيرة إزاء تدبير الشأن العام في ملفات بحجم قطاع التعليم.
ودعت الحكومة والبرلمان وسائر الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني إلى الانخراط في تصحيح ما يقع من إقصاء تجاه الآلاف من الشباب المغربي.
منظمة «الشبيبة الاشتراكية» دقت ناقوس الإنذار في شأن هذا الموضوع، إذ اعتبرت القرار الصادر عن وزارة التعليم يتضمن العديد من الشروط المجحفة والمنافية لدستور المملكة (الفصل 31) والمخالفة كذلك لقانون الوظيفة العمومية.
وأصدرت بيانا عبّرت فيه عن رفضها تحديد السن الأقصى لاجتياز المباريات في 30 سنة؛ لـ«عدم دستوريته، ولمخالفته لقانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي لكوادر أكاديميات التعليم».
ولفتت المنظمة الشبابية إلى أن المقاربة التي صيغت بها شروط الأهلية للمباراة «مقاربة إقصائية، تحمل في طياتها هواجس أمنية أكثر منها تنموية أو اجتماعية» داعية إلى «تحقيق الإنصاف والمساواة داخل الوظيفة العمومية بشكل كلي، وداخل الحقل التعليمي كقطاع إستراتيجي ذي أولوية قصوى؛ وهو ما يستوجب من الوزارة الوصية اعتماد معايير وآليات ومساطر عادلة في انتقاء المترشحات والمترشحين بما يضمن تكافؤ الفرص».
ولاحظت أن إجراءات الانتقاء المسبق للمرشحين في المباراة «غير واضحة ومحددة بشكل مضبوط؛ وهو ما ينعكس سلبا على إذكاء مبدأ التنافس المبني على الاستحقاق بين المترشحين والمترشحات» مطالبة الوزارة الوصية بـ«اعتماد نقاط مواد التخصص بدل الميزة، وإلى إلغاء معيار سنة الحصول على الإجازة (البكالوريوس) كأحد معايير هذا الانتقاء».
مواقف الأحزاب
على مستوى مواقف الأحزاب السياسية، شددت «فدرالية اليسار الديمقراطي» على أن الشروط التي وُضعت لاجتياز مباراة التعليم تضرب مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، وتخضع لضغط «لوبيات» التعليم الخصوصي، ولا تراعي خصوصيات السياق المحلي في بعده الاجتماعي، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة لدى خريجي الجامعات وتدهور الأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من الشعب المغربي.
وقالت في بيان لها إن إصلاح التعليم يتطلب رؤية نسقية ومقاربة شمولية تنطلق من إرادة سياسية قوية وإجراءات تستهدف مختلف عناصر منظومة التربية والتكوين، وإشراك فعلي لكل الفاعلين المعنيين لإعادة الثقة في مدرسة عمومية تحقق شروط الجودة والإنصاف والمجانية وتشكل رافعة للتنمية.
وطالبت «الفدرالية» بالتراجع الفوري عن كل الشروط المنافية لقواعد المساواة وتكافؤ الفرص واحترام الحق في الشغل، واحترام القوانين الجاري بها العمل، ومن بينها النظام الأساسي لكوادر الأكاديميات الذي يحدد سن التوظيف في 40 سنة وقانون الوظيفة العمومية الذي يحدده في 45 سنة.
وقال حزب «التقدم والاشتراكية» المعارض إن مكتبه السياسي تداول في تداعيات الإعلان عن الشروط الجديدة التي أقرتها وزارة التعليم من أجل الولوج إلى مِهنة التدريس، وما يثيره ذلك من ردود فعلٍ سلبية في أوساط عديدة، ومِن تعبيرات رافضة، تعكسها مُظاهراتٌ مختلفة وتتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق، أكد المكتب السياسي في بيان له، على أن مسألة إصلاح التعليم التي تعثرت منذ عقود من الزمن والتي تُشكل منذ مدة أولوية وطنية قصوى، تقتضي مُعالجةً شمولية ومتكاملة كما وردت في القانون الإطار. كما أنها تقتضي التشاور والإشراك والإقناع إزاء الرأي العام المغربي عموما، وتجاه الفئات والأوساط المعنية على وجه الخصوص، وتفادي أي مقاربة تجزيئية تعتمد على إجراءات مُباغتة، بغض النظر عن صواب هذه الأخيرة من عدمه. كما تتطلب، لزومًا، التقيد بالقانون أو تغييره عند الاقتضاء في إطارٍ من الشفافية والوضوح.
وبدوره، انتقد حزب «الحركة الشعبية» قرار وزارة التعليم قائلا إنه «لا يستند على أية مرجعيات دستورية وقانونية، ويشكل تراجعا غير مبرر عن المكتسبات المحققة في مجال التأسيس للوظيفة العمومية الجهوية كدعامة للنهوض بمنظومة التربية والتكوين».
واعتبر أن تسقيف سن الولوج إلى مباريات التعليم في ثلاثين سنة مخالفة صريحة لأحكام النظام الأساسي للوظيفة العمومية وللنظام الأساسي الخاص بكوادر وأساتذة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
واعتبر الحزب المعارض أنه لا يمكن تبرير هذا التسقيف بغاية التكوين المرحلي، لأن غايته الأصلية هي التوظيف، كما يعتبر الحزب أن التنزيل الفجائي لمعايير الانتقاء وسنة الحصول على الإجازة (البكالوريوس) ومنع التعاقد المسبق مع أية مؤسسة أخرى، يعد غير ذي جدوى، لأن السبيل الأمثل لتحقيق الكفاءة المنشودة في مهنة التدريس هو الحرص على نزاهة ومصداقية المباريات في إطار مبدأ تكافؤ الفرص، يقول البيان.
وطالب حزب «الحركة الشعبية» حكومة عزيز أخنوش بـ«تملك الجرأة السياسية للتراجع عن هذه الشروط غير المنصفة، والعمل على تقديم مشروع إصلاحي متكامل مؤطر بحوار مؤسساتي موسع يتوج بمراجعة شاملة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية» مضيفا أنه من الضروري أن تتفادى الحكومة القرارات الأحادية بمبرر واهٍ يقوم على الاستقواء العددي وفق منطق انتخابي عابر لا يمنح الصلاحية للأحزاب الممثلة في الحكومة للحسم في ملفات وقضايا ذات حساسية سياسية واجتماعية شائكة.
ورغم كل هذه المواقف الرافضة، ما زال وزير التعليم المغربي ـ ومعه الحكومة بأسرها ـ متمسكا بموقفه الذي يبدو أنه سيعمّم على شروط التوظيف في قطاعات عمومية مختلفة؛ مما ينذر بمزيد من التوتر والاحتقان الاجتماعي، ويضرب في الصميم الوعود التي أطلقتها أحزاب الائتلاف الحكومي خلال الحملة الانتخابية الأخيرة.