شغلت الشاعرة المصرية فاطمة قنديل موقعاً متميزاً في مشهد قصيدة النثر المصرية المعاصرة، وتنامت تباعاً خصوصيات صوتها الشعري في جوانب تعبيرية شتى لا تبدأ من اللغة والشكل ومشاقّ النأي بالنثر عن مضائق النثرية، ولا تنتهي عند الارتقاء بهواجس النفس الأنثى الشاعرة إلى أقاصٍ أعلى بكثير من مألوف التفجّع الميلودرامي وأقنعة العواطف الجريحة. وقد تعاقبت هذه الخيارات، وسواها، في مجموعتين بالعامية المصرية، «عشان نقدر نعيش»، 1084، و«حظر تجوّل»، 1987؛ وفي أربع مجموعات لاحقة بالفصحى: «صمت قطنة مبتلة»، «أسئلة معلقة كالذبائح»، «أنا شاهد قبرك»، و«بيتي له بابان». كذلك نشرت قنديل مسرحية بعنوان «الليلة الثانية بعد الألف»، وأطروحتَيْ ماجستير ودكتوراه: «التناص في شعر السبعينيات»، و «الراوي الشبح: شعرية الكتابة في نصوص جبران خليل جبران».
لكنها انتقلت مؤخراً إلى الرواية، فأصدرت «أقفاص فارغة.. ما لم تكتبه: فاطمة قنديل»، وعنها يقول الناشر: «من علبة شوكولاته صدئة انهمرت الذكريات، صور قديمة، قصائد الطفولة والمراهقة، رسائل، وغيرها، كأنها فتحت صندوق باندورا، فخرجت آلام العيش والحب والوحدة والمرض والفقد». تشير الكلمة كذلك إلى أن قنديل تخوض السرد «متكئة على تجربتها الحياتية وعلاقتها بأسرتها وأصدقائها ونفسها، في مزج بين الواقع والخيال، لا لغرض التأريخ والبوح فقط لكن التداوي أيضاً». ويضيف الناشر: «عبر نصف قرن، تتكون أمامنا لوحة من فسيفساء الذاكرة، كُتبت بحياد مَن يتأمل نفسه، لواعجه وطيشه، وحنينه، وهدوء مَن نجا رغم الندوب. فقط ثمة هدف «لتقشير الجرح»، والوصول إلى الخلاص. تحدق بعيون ميدوزا في حكايات وشخوص حياتها، لتكسر- أو تُربت على روحها – وتكشف عن الثابت والمتحول في وعيها بالناس والأماكن والأشياء».
اختارت قنديل تقسيم روايتها إلى أربعة أجزاء، حملت العناوين التالية: «علبة شوكلاته.. صدأت للأسف!»، «البداية… حبٌ، وشجنُ أوتارِ كمان!»، غرباء… يلعبون معاً: البنج بونج»، و«الغائب يعود في موعده.. قبل بدء العرض!»؛ وتنقسم هذه إلى فقرات مرقمة، متفاوتة الحجم، متغايرة الصوت النبرة والخلفيات، الزمانية والمكانية، موحّدة في توظيف ضمير المتكلم، متفنّنة على نحو بارع (لا يدهش من شاعرة قصيدة نثر متمكنة خبيرة) في تنويع درجات الومضة السردية، منشغلة كثيراً بنقل الشحنات اللغوية من مناخ دلالي إلى آخر لجهة تسخير السرد، ماهرة تماماً في الموازنة بين الأنا ساردة ما يشبه البوح الذاتي السِيَري والأنا الشاهدة على زمان ومكان وطبقة وسطى وأسرة ومحيط اجتماعي/ اقتصادي في مصر النصف الثاني من القرن العشرين.
هنا فقرات من الرواية:
«نمت بعمق حتى الصباح، لم أكمل، ساعتين متصلتين، من النوم طيلة الشهور الماضية، أنتفض لأطمئن عليها ما إن أغفو، في تلك الليلة غبت أنا أيضا، وصحوت على انقطاع الكهرباء في الصباح، لم أنظر إلى ماما ملهوفة، هذه المرة، نظرت إلى المرتبة المدارة بالكهرباء، فوجدتها تهبط، ويخرج منها الهواء، في صفير متصل، حاولت النهوض، لكن سحابة سوداء كانت تتحرك في الغرفة كلها، سحابة كأنها دوامات متلاحقة، بدت الغرفة وكأنها مزدحمة، كأن كائنات غير مرئية تعجل بإتمام مهمة، لكنني نهضت في النهاية، بعد أن هدأ كل شيء، كان رأسها يميل بعيدا عني، فمها مزموم، كعازف ناي، عيناها مغمضتين، ووجهها لا أثر فيه لتلك التقلصات، التي انتابته أخيرا، هادئة تماما، نظرت إليها بهدوء، وقبلت جبينها، لم يكن باردا، وضعت رأسي على صدرها، وعرفت أنها ماتت».
الكتب خان، القاهرة 2021