القاهرة ـ «القدس العربي»: على شاطئ ترعة الإبراهيمية أحد روافد نهر النيل، تتجاور عدة قصور قديمة بعضها يحتضن الماء ودور سينما وحيدة في مدينة «ملوي»وهي مغلقة منذ بزوغ فجر السلفيين في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، أولئك الذين نجحوا في غضون أعوام قلائل في إقناع الجماهير الغفيرة بأن السينما رجس من عمل الشيطان، لذا بادروا بمقاطعة الفن وأهله.
قبل ان يقترب القطار من المدينة يصرخ الكمساري «بلد الباشوات» حسب اللقب الذي تفردت به المدينة بين سائر مدن مصر كناية عن كثرة تعداد الباشوات والأثرياء بين أهلها. وبحلول مطلع الثمانينات اكتسبت لقبا آخر أطلقه عليها بعض أبنائها هو «عاصمة الإرهاب» بسبب كثرة العمليات الإرهابية التي وقعت فيها في تلك الحقبة وتفاقمت في العشرية الأولى من حكم الرئيس الراحل حسني مبارك. وعلى الرغم من الثراء الذي عم النخبة التي أقامت فيها من سلالة العائلات الكبيرة التي ورثت قبل ثورة يوليو آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية، غير ان أوضاع أغلبية الأهالي تردت شيئاً فشيئاً في زمن مبارك بسبب تراجع اهتمام الحكومات المتعاقبة بها بسبب ما يشاع عن سجلها الدموي خلال فترة المواجهات بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن قبل أربعة عقود وفق ما يزعم بعض الأهالي. أخيراً عاد التفاؤل للمدينة وأهلها في حصد ثمار المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» التي أطلقها الرئيس السيسي.
عروس الصعيد
ملوي من أهم مدن محافظة المنيا عروس الصعيد، وواحدة من أهم مدن الصعيد لكونها من أبرز المراكز الاقتصادية والدينية منذ القدم وحتى الآن، تعتبر ثاني أكبر مدن مصر بعد مدينة المحلة الكبرى. تبلغ مساحتها حوالي 817 كيلو مترا مربعا ويتبعها ما يزيد على 70 قرية وأكثر من 130 عزبة ونجع وتعاني كثافة سكانية مرتفعة للغاية. يرجع أصل كلمة ملوي إلى كلمة مرو، باللغة الهيروغليفية وكلمة منلوى، باللغة القبطية، أي مستودع الأشياء. ومع مر العصور أضغمت النون مع اللام وأصبحت ملوي. وهي بلدة قديمة ضاربة في أعماق التاريخ تطل على النيل ويأخذ النيل عندها شكل منحنى أي ملوي، وقيل انها اكتسبت هذا الاسم من التواء النيل بمدخلها.
في 18 نيسان/أبريل سنة 1167 نشبت موقعة حربية على أبواب ملوي قادها صلاح الدين الأيوبي- أولى معاركه- ضد شارو وملك القدس عمري فإنتصر الأيوبي ونصب حاكما على المدينة. وهذه الواقعة أطلق عليها المؤرخون موقعة البابين. أشتهرت ملوي بسور حصين وله بابان بمواصفات لا يستطيع أحد ان يتجاوزهما ومكان قصر حياة النفوس بجوار مسجد النصرة الذي سماه صلاح الدين الأيوبي بهذا الاسم ويعد من أقدم مساجد المدينة. عند وصول الحملة الفرنسية إلى ملوي تصدى لها الأهالي وكان دورهم عظيماً في مقاومة الغزاة. قدم محمد علي باشا رأس الأسرة العلوية إلى ملوي ليفاوض المماليك الفارين ومكث بالمسجد اليوسفي حتى اجتمع بهم وخدعهم بأن أقنعهم بالتوجه إلى القاهرة ليقضي عليهم في مذبحة القلعة الشهيرة.
عرفت ملوي في هذه الفترة التقدم الصناعي في العديد من المهن ومن بينها تصنيع الأدوات العسكرية، فقد كان فيها معامل للبارود كما اقيم فيها مصنع للأقمشة «قماش المالطي» الذي كان يصنع منه الزي الحربي، وكان الجيش العثماني في تركيا يحصل على احتياجاته من الأقمشة من مصنع ملوي الذي بني مكانه لاحقاً مبنى مجلس المدينة، والكثير من مصانع العسل الأسود والسكر ومصانع مياه غازية وكان بها عدد من الفنادق الفخمة الحديثة.
عرابي طرد هنا
ازدهرت ملوي بوجود أكبر مدبغة للجلود في الصعيد، وكانت تصدر الجلود بعد إعدادها إلى القاهرة وتنفرد بنوع من الجلود يعرف بباكتة ملوي. وشيدت لاحقاً مكانها بنايات حديثة للسكن. وكانت تشتهر بحلج الأقطان طيلة عقود طويلة وفيها مصنعان في شرق المدينة وآخر في غربها، غير انهما توقفا ثم تم بيعهما. وتم إنشاء مصنع للسجاد والكليم في جنوب المدينة صدر إنتاجه إلى كثير من دول العالم كما قام بفرش كثير من المساجد الكبرى بالسجاد والذي تعطل الآن.
ينسب لأحمد عرابي باشا مد الخط الحديدي بين المنيا وملوي، غير انه كان في انتظاره قرار نبأ حزين حيث تلقى وهو على محطة المدينة قرار الخديوي إسماعيل بعزله عن العمل. وسجل عرابي باشا الحادثة في مذكراته في المنفى مؤكداً أن ذلك كان أول صدام بينه وبين الأسرة المالكة. وشهدت ملوي أحداثاً هامة حيث عقد عرابي عدة اجتماعات سرية بمنزل العدولي بجوار المسجد الأقطم انتهت بمطلع شمس الثورة العربية. وعاشت ملوي الأحداث الوطنية والقومية وشاركت فيها ومنها حركة مصطفى كامل حيث عقدت فيها العديد من الاجتماعات الوطنية الكبرى. كما شارك أهالي المدينة في ثورة 1919 وأطلقوا مظاهرات حاشدة نددوا خلالها بالاستعمار وأعوانه، وعندما قتل القائد الإنكليزى بوب، الجنرال مفتش السجون طعناً ببلدة ديرمواس القريبة وتوجه قبيل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة لكوبري ملوي حيث بحث عن ماء ولبت طلبه إحدى البائعات الموجودات على الكوبري، فلما عرف أهله بهذا التصرف كافأوها بالحصول على مرتب شهري حتى توفيت. وانتهت الأحكام العسكرية بالمدينة بإعدام عدد كبير من أبنائها وديرمواس وديروط، كما سجن عدد كبير من شبابهم. تحمل ملّوي على ظهرها تاريخاُ ضارباً في الجذور، يعكس طبيعة الحياة التي كانت سائدة في وقت من الأوقات، ومنذ زمن بعيد تعرف ببلد الباشوات، كما يطلق عليها أهلها، لكونها كانت زاخرة بالعديد من القصور التي شيدها باشوات وأثرياء وما زال بعضها شاهداً على تاريخ المدينة وبعض القصور تهدم، والآخر أصبح مهجورًا، تحوي ملّوي قصصا وحكايات ترجع لعصور تاريخية مضت، ما زالت آثارها باقية، وما زال أهلها يتلذذون بسرد تفاصيلها.
العاصمة الجنوبية لمصر
لم يمر التاريخ ومن شغلوا أنفسهم بتدوين السير مرور الكرام على المدينة التي كانت مثلاً حياً على جمال مصر، التي كانت من أجمل بلدان العالم. وتم اختيارها لتكون مديرية الفاروقية أي العاصمة الجنوبية لمصر، لمكانتها بتاريخها وأهلها وقصورها ومصانعها. فملوي كتب عنها كثير من المؤرخين ومن بينهم أملينو أبن مماتي وابن بطوط والزبيدي والتوفيقي والمقريزي والجبرتي وعلي مبارك باشا وزكي فهمي ومحمد رمزي والدكتورة سعاد ماهر محمد ومحمد قدري باشا أغا وأيضاً عبد المجيد باشا وعرفان باشا والدكتور محمد بك ابو زيد توني والدكتور ناجي بك بن عرفان باشا والدكتورة كوثر عبد السلام البحيري وأنور الصناديقي.
حياة النفوس
ومن أهم العائلات التي استقرت في ملوي آل سيف النصر الذي ما تزال العزبة التي تحمل اسمهم قائمة، واشتهر بعض أبناء تلك العائلة منهم سيف النصر بفعل الخيرات، فأحد أبنائها، المشهور بالسخاء وأعمال الخير هو عبد المجيد باشا سيف النصر، أهم عمداء ملّوي، ويحمل شارع المجيدي بالمدينة اسمه، وبنى مسجدا يخلد سيرته بين الأهالي ويحمل اسم الشارع وتحول إلى مقام بعد ذلك.
بنى عبد المجيد باشا قصره، على مساحة 16 قيراطا، في أوائل القرن العشرين، وشيده على الطراز الفرنسي، ويعتبر تحفة معمارية، حيث يوجد أعلاه تمثال لنسر، ولكن، منذ فترة قريبة قررت عائلة كريم بملّوي شراءه، وحولته إلى مخزن للسجاد. ولعبد المجيد باشا الكثير من الأملاك التي تركها لأحفاده فهو ينتمي لعائلة ثرية، امتلكت مساحات كبيرة من الأراضي، وبعد ثورة يوليو 52 قام بتوزيع أملاكه على الفقراء، وبنى في الناحية الخارجية لقصره سبيل ماء منقوش عليه آيات قرآنية، وبعض الأشعار، كما كان له قصر آخر بغرب المدينة تبرع به، كما روى بعض أهالي المدينة ليصبح مستشفى يُعالج بها الفقراء، وهو مستشفى العام بملّوي، وما زال يحتفظ بأصالته، كتحفة معمارية متميزة، وقامت الحكومة بإعادة ترميمه لاحقاً خلال السنوات الأخيرة وأصبح مستشفى نموذجياً. حياة النفوس هي شقيقة عبد المجيد باشا، وشيد قصرها عام 1907على الطراز الأندلسي بمساحة تقترب من 700 متر مربع، وكانت عزبة الروضة، ملكًا لحياة النفوس، قبل أن تصبح إحدى قرى ملّوي. عانى قصر حياة النفوس من الإهمال حتى إنه في أعقاب ثورة 25 يناير تم هدمه واقيم مكانه مجموعة من المحلات، وضاع تاريخه وتهدم معه كأنه لم يكن. أما عرفان باشا سيف النصر، فيعد أبرز أفراد عائلته شهرة، وهو ابن عبد المجيد باشا، ومسجد العرفاني يحمل اسمه، وهو أشهر مساجد ملّوي لما لأعمدته ومئذنته من تصميم متقن، أما قصر عرفان فقد تحول إلى منزل سكني ومحلات تجارية، وهو المكان الذي شهد أشهر محاكمة في صعيد مصر، حسبما يقول أحد المؤرخين، وهي محاكمة خُط الصعيد وكانت برئاسة القاضي مصطفى باشا سيف النصر. وبعد هجرة أصحاب القصر للقاهرة تحول إلى مكان مهجور حتى طاله الإهمال بسبب جهل الأهالي بأهمية تاريخه.
من بين قصور المدينة قصر فورتنية يرجع لصاحبه الفرنسيّ الأصل فورتنية ماركو، الذي بناه عام 1916 عندما أتى إلى مصر بصحبة إخوته، على مساحة تقدر بـ 374 مترا مربعا، ليسكن به هو وزوجته زنيتا، التي أنجب منها ولدًا وبنتًا. وتمت مصادرة القصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وآلت ملكيته للإصلاح الزراعي، التي قامت بتأجيره ليتحول إلى معزل «حميات» طبي، ولكن انتقل المعزل إلى قصر عبد المجيد باشا، وتحول قصر فورتنية لمخزن أدوية تابع لوزارة الصحة.
آثار جنائزية
ومن بين القصور قصر البرنسيسة وهو خاص بشقيقة الخديوي وتوفيق بالروضة وقصر أبادير (عزبة عبد الوهاب – قرية شرموخ) وكذلك قصر عبد العزيز درويش بمركز ملوي، أنشئ في أوائل القرن العشرين، وقصر أدون جوهر بقرية دير البرشا، كما اقيم هناك قصر محمد بك والذي شيده ليستقبل به سعد زعلول سنة 1919 ولكن مات كليهما من دون ان يحدث ما تمناه، ثم آل إلى البلدية وأصبح الآن مبنى الإدارة التعليمية بشارع الشهداء بمركز ملوي.
تشتهر المدينة بأنها تجمع العديد من الآثار المصرية القديمة، ومن أهم شواهدها متحف آثار ملوي، الذي تأسس سنة 1963 ويضم العديد من القطع الأثرية التي تنتمي للأسر الفرعونية القديمة وحضارات شتى تم اكتشافها في منطقة آثار تونة الجبل، يرجع تاريخها للعصر اليوناني والروماني. والمتحف مكون من طابقين ومبني على مساحه 1900 م2 وفيه أربع صالات للعرض تحوي 1050 قطعة، ومن أجمل التحف تمثال للطائر المقدس ايبيس أبو منجل المقدس، وأدوات الزينة التي كان يستعملها قدماء المصريين، وتماثيل توضح تسريحات الشعر لنساء مصر القديمة، وتابوت وعملات قديمة. وأغلب القطع الأثرية دمرت بعد أحداث عنف عقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة على مدى يومي 14 و15 آب/أغسطس 2013 من قبل بعض الجماعات المتطرفة بهدف تدمير الحضارة المصرية.
وتبعد تونة الجبل عن ملوي بحوالي 15 كيلومترا من ناحية الغرب وتضم آثارا جنائزية ومجموعة من السراديب الممتدة تحت الأرض وتربة بيتوزيرس وتربة ايزادورا التي توفيت غرقا عند عبورها نهر النيل لمقابلة حبيبها بالضفة الثانية. ومن أبرز قرى المدينة الاشمونين التي تبعد عن مدينة ملوي حوالي 8 كم من الغرب وفيها بقايا مدينة أسسها الامبراطور هادريان و 4 تماثيل ضخمة للإله تحوت على شكل قط. ومن قرى المدينة بلدة الشيخ عبادة وكانت تسمى انطيونوبوليس وفيها بيت ماريا القبطية. ويوجد بها آثار قبطية أهمها دير ابو فانا ويقع غرب المدينة ويرجع تاريخه إلى القرن الخامس الميلادي وكان عامرا بالرهبان لمدة 1000 عام وقد أعاد تعميره في العصر الحديث الأنبا ديمتريوس أسقف ملوي في عهد البابا شنودة الثالث، كما يوجد بملوي دير الأم سارة ودير البتول، وتزخر المدينة بالكثير من الأماكن الأثرية سواء فرعونية أو إسلامية ومسيحية لا حصر لها. وتتمتع ملوي بمناخ صحراوي شديد الحرارة صيفا والبرودة شتاء، وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة فيها 4142 فدانا، وتشتهر ببعض المحاصيل الزراعية المتميزة القابلة للتصدير مثل البصل وقصب السكر، والقطن والذرة الشامية والموالح وقصب السكر.
ناصر تزوج منها
تزدهر في ملوي العديد من المصانع، وتم إنشاء كوبري على النيل الذي يصل طوله إلى 15 كيلو مترا ونصف الكيلو، وهو يربط بين العديد من القرى شرق النيل وغربه ويمر في أقصى جنوب مدينة ملوي وهو بذلك يعد أطول الكباري والمحاور في الصعيد ومن أكبرها على مستوى الجمهورية. وتعد المدينة من أكبر المراكز التجارية في صعيد مصر بها نشاط تجاري واسع معروف لكل المحافظات والمدن، ودفع رواج المدينة الكثير من أثرياء الصعيد بالنزوح إليها والاستقرار بها ومن أعلامها محمد عبد الخالق حسونه ثاني أمين عام جامعة الدول العربية، وفضيلة الإمام حسونة النواوي عبد الله، والمستشار فاروق سيف النصر وزير العدل الأسبق والمهندس احمد الدمرداش تونى مؤسس اللجنة الأولمبية، والدكتور اسماعيل صبري عبد الله وزير الاقتصاد والتخطيط، والدكتور أشرف مروان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ومن الفنانات اللواتي ولدن في المدينة سناء جميل وشيرين سيف النصر حفيدة سيف النصر باشا والفنان عصام السقا، ومن الرياضيين أسامة محمد لاعب بتروجيت. ومن أبرز الشخصيات التي زارت ملوي العائلة المقدسة وكذلك بعض آل البيت النبوي وكثير من الصحابة والتابعين وصلاح الدين الأيوبي، وقادة جيشه ومحمد علي باشا الكبير. كما حل على المدينة الملك فاروق وأسرته حيث زار قرية تونة الجبل التي تزخر بالآثار الفرعونية، وزار الرئيس جمال عبد الناصر المدينة حيث تزوج منها، وزارها كذلك البابا تواضروس الثاني وغيرهم الكثير.