مصدر الهام للقوات البريطانية والامريكية في العراق إكليل الناصر وظهر الداهوم: لورنس العرب في مصحة لندنية

حجم الخط
0

مصدر الهام للقوات البريطانية والامريكية في العراق إكليل الناصر وظهر الداهوم: لورنس العرب في مصحة لندنية

عوني الجيوسي مصدر الهام للقوات البريطانية والامريكية في العراق إكليل الناصر وظهر الداهوم: لورنس العرب في مصحة لندنيةهاهو العربي مرة أخري، سنام أسطوري ثالث ينبت علي ظهور الجمال، وامرأة تلبس خماراً فضفاضا وتكشف ردفيها -بالمعية- للسائح المفتون. وهانحن من جديد، قبائل تائهة في الصحراء ننتظر مخلصنا الذي يلبس البنطلون ويتكلم الإنجليزية ويريد أن يسرع تطورنا الدارويني بعد أن أدمنا الموز واحدودبت ظهورنا لفرط المشي علي أربع. هذا الشامبنزي العربي -الذي لا يميزه عن سائر القرود غير امتطائه لصهوة الجمل- وجد لنفسه معرضا فاخرا في العاصمة البريطانية مؤخرا، لا يليق به لحسن الحظ، وإنما بالإنجليزي الذي أتاه من وراء البحار ليعيده إلي شجرة العائلة الآدمية، ويعلمه كيف يصبح حيوانا حرا، سيدا، عربيا، ومستقلا. هذا المعرض، والمعنون لورنس العرب…الحياة والأسطورة يقام في أحد أجنحة متحف حرص مؤسسوه أن لا تفوت العبرة من إنشائه أيا من الزوار فسموه بكل صراحة المتحف الحربي الإمبريالي . وليس من داع للتعليق علي حقيقة أن المبني الذي اختير لاحتضان نتاج قرن من آلات الغزو والاجتياح والنهب الكولونيالي المسلح، هو في حقيقته مشفي سابق للأمراض العقلية، فهذه الصيرورة التي تستبدل المجنون بالمدفع، والمختل بالصاروخ تفيض عن سعة الرمز، وليست بحاجة لمنة البيان، فهي بيان نفسها المفحم وجلاء ذاتها البليغ. داخل هذه المصحة السابقة، جنةٌ للمجانين علي الأرض واحتفائية شاذة تقارب حدود اللواط لترسانة كبري من الأسلحة تضمخ كثير منها بلحوم بشر حقيقيين. وما بين الصاروخ والصاروخ، ينقبض قلبك وأنت تري دبابة كسيرة، فـُضت قمرتها عنوة ورُفعت سبطانتها غصبا، وطليت بسخاء لتحجب الصدأ الذي أكلها تحت شمس عربية لاهبة ذات حرب لم تقع. هدية من إسرائيل كتب علي بطاقة معدنية أسفلها، ويربت شاب علي كتفي ليطلب مني أن ألتقط له صورة مع صديقته قرب هذه الخيبة القومية المجنزرة. ماذا عساي أقول له. تأخذك ساقاك عنوة علي السلالم، حفظا لما تبقي من ماء وجه، لتجد نفسك أمام معرض لورنس. الصورة الشهيرة للضابط الإنجليزي وهو يلتاث عقالا عربيا، وابتسامة إنجليزية تحت الصفر السيليزي. والمعرض ـ في حقيقة الأمر ـ بيّن من عنوانه، إذ لم يدخر معدّو هذا الجناح اللورنسي الفاخر جهداً في تبيان العبرة النهائية من هذا الاستحضار المفاجئ لشخصية غامضة من أيام العصملية والباب العالي، فكتبوها لنا -أي العبرة- علي واحدة من أفج وسائط التواصل البشري طراً. كتبوها علي الحائط، علي جانبي مدخل معرضهم الفاره، علي هيئة اقتباس من جريدة التايمز يخبرنا بأن لورنس يشكل مصدر إلهام للقوات الأمريكية في حربها علي التمرد في العراق . تجتاز الحائط وأنت تفرك عينيك وكأنك تحاول مسح الكتابة الحائطية عنهما، فتدرك بأن أذنيك كانتا أولي بالأصابع. تسجيل غريب لأهزوجة علي دلعونة يتهادي من سماعة مخبوءة، فيما يبدو استحضاراً نبيهاً لأجواء الحجاز والمدينة المنورة في أوائل القرن المنصرم. خصلة محفوظة من شعره تستفتح المعرض، قبل أن يودعك نعلاه الشريفان في آخره. وبين هذه وتلك مجموعة واسعة من الحاجيات الشخصية خلعت عليها أبهة المكان مسحة نبوية، وهي بالمناسبة -ولمن لا يعرف- حرفةٌ إنجليزية بامتياز، إذ يكفي أن تعطي إنجليزيا غرفة بسقف وكومة خردوات حتي يجعل لك منها متحفا إمبرياليا، يتسابق السياح علي بوابته لدفع رسم الدخول. لكن لعل الاعتراف واجب بأن محتوي المعرض المعني لم يكن -للأمانة- خردوياً، ففي ردهة تصل غرفتين من غرف المعرض، واجهة زجاجية يطل عليك من ورائها إكليل برونزي بالغ الفخامة، نقشت عليه بعربية معثمنة العبارة التالية: هذا التاج تقدمة من طرف صاحب الحشمة والعظمة امبراتور ألمانيا حضرت ويلهلم الثاني تذكاراً لزيارة قيصر المشار إليه تربة حضرت صلاح الدين أيوبي، رحمة الله عليه رحمة واسعة. وعلي يسار الإكليل وثيقة كتبها لورنس بخط يده، يوضح فيها مصدر تحفته، دمشق، ويكتب أسفلها أزلته من القبر لأن صلاح الدين لم يعد بحاجة إليه . ويضحك رجل إنجليزي وهو يقرأ ظرافة بطله القومي، فتشتبك علي الحسرة بالقهر، وأعبُر الممر إلي ما يليه، فيما عيناي ترمقان الإكليل ويداي تحدثاني بما لا يحمد عقباه. شاشة تلفزيونية كبيرة تعرض مقاطع من الفيلم السينمائي الشهير لورنس العرب”، فيما متعلقات شتي بالفيلم ومنتجيه معروضة خلف الزجاج. وليس أبلغ من هذا الإقحام الناشز لعمل سينمائي لاحق علي حياة لورنس لإيضاح حقيقة هذا المعرض، فلورنس المعروض هنا مخلوق درامي، صمم لمداعبة أوهام غربية مزمنة حيال المشرق، وتعزيز الدور الكرتوني للرجل الأبيض فيها، بصفته مسيحا مخلصا لقبائل صحراوية مشغولة بحلب النوق وأكل البلح وقتل بعضها طيلة الوقت. وفي أجواء فانتازيةٍ كهذه، يكفي أن يصبغ ممثل غربي وجهه بملمّع أحذية ويتصرف كالأبله حتي يَرضي المخرج عن تقمصه لشخصية العربي. واستطرادا علي هذا المسخ الكفكوي، يقدم المعرض أيضا نسخة أصلية عن المذكرة العربية”، والتي كتب فيها لورنس خطوات إرشادية حول كيفية التعامل مع العرب . وبجانب هذه النسخة، بطاقة توضح أن النص الحرفي لإرشادات لورنس توزع علي الجنود الأمريكيين العاملين في العراق. ولا يبدو أن انقضاء تسعة عقود علي هذا الكتيّب الإرشادي، ولا تحول ساحة المعركة من الحجاز إلي العراق، ولاحتي تبدل الدور العربي من حليف مُـمتطي إلي عدو معدوم الملامح يغير شيئاً في العرب، وكأنهم ظاهرة نصية بتعبير إدورد سعيد، يتشكلون بقوة ما كتب عنهم، لا بفعل وجودهم المحض. هذا الوجود الذي حاول معدّو معرضنا جاهدين أن يصوروه بأنه همّ لورنس الأول وديدن دينه الأكبر، وقد قرروا في هذا الإطار الكشف عن وثيقة جديدة، نبشوها لنا من أسفل كومة أوراق أو استلوها من داخل كتاب مغبر، لم أعد أذكر. الوثيقة ـ باختصار ـ خارطة للشرق الأوسط وضع عليها لورنس اقتراحاته بشأن قسمة المنطقة عقب الحرب العالمية الأولي، وتوضح ـ بحسب مكتشفيها ـ إخلاص لورنس للقبائل التي قادها عبر جزيرة العرب شمالاً نحو سوريا. والخريطة تسري علي النحو التالي: دولة عربية بقيادة فيصل علي جنوب سوريا والأردن، ودولة أخري بقيادة عبدالله شرقي العراق، مع ملاحظة أسفل اسم الأمير الهاشمي تقول (تحت الإدارة البريطانية المباشرة)، ثم دولة عربية أخري للأمير زيد شمال شرقي سوريا، مع ملاحظة أخري أسفل اسمه تقول (تحت التأثير البريطاني)، ثم دولة أرمنية شمال شرقي سوريا، ولبنان طلي بالأزرق وكتب عليه (فرنسا)، وفلسطين بالأصفر، تمهيداً لتحقيق بلفور، وأسفل كل هذا خط يحتضن الجزيرة العربية كتب لورنس أسفله (ليس لقوة أجنبية عدي بريطانيا العظمي أن يكون لها أي قول في إدارة البلاد جنوبي هذا الخط). هذه هي الدولة العربية الموحّدة والمستقلة التي بشّر بها توماس إدورد لورنس، ورأت فيها إدارة المتحف الحربي الإمبريالي بلندن وشم تفان وإخلاص تجاه المسألة العربية . وليس بعيداً عن هذه الخريطة، وعلي نحو يضج بالسخرية الصامتة، صورة لـ”داهوم”، الصبي الذي قابله لورنس في جرابلس، والذي اصطحبه في شطر كبير من أسفاره، قبل أن يرسم خطا علي ظهره هو الآخر ويعتبر كل ما أسفله -كما في جزيرة العرب- تحت إدارته البريطانية المباشرة.أصِل آخر المعرض، فأري دراجة توماس النارية، آخر ما كان يمتطي ساعة موته في حادث مروري، وبقربها صورة لصبي ربما في عمر الداهوم، يكاد يتبسم للكاميرا وهو يجد نفسه مطلب صحافيي البلاد بعد أن تسبب، وهو يقود دراجته الهوائية، في قتل مهندس معبد الحكمة المسبّع، توماس إدورد لورنس في التاسع عشر من أيار، 1935. أي ميتة رمزية… اللهم شيءٌ من شماتة.كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية