الجامعة العربية وقضية البحث العلمي: يقظة متأخرة أم كلام المؤتمر الذي يمحوه النهار؟
د. عبدالوهاب الافنديالجامعة العربية وقضية البحث العلمي: يقظة متأخرة أم كلام المؤتمر الذي يمحوه النهار؟كانت لي وعدد من الأكاديميين السودانيين والعرب في مطلع التسعينات حوارات متصلة مع البروفيسور إبراهيم أحمد عمر وزير التعليم العالي والبحث العلمي السوداني وقتها حول قضيتين كنا نراهما متلازمتين، وهما مساهمة البحث العلمي في النهضة الاقتصادية المرجوة في السودان، ومساهمة الأكاديميين السودانيين والعرب والمسلمين في الخارج في هذا المجهود. وكنت ومن معي من الإخوة نؤكد علي الأهمية الكبيرة والدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه البحث العلمي في نهضة أي بلد، خاصة بالمقارنة مع أوجه النشاط الاقتصادي الأخري من زراعة وغيرها. وكنت في تلك الحوارات دائماً أقارن بين ما تصرفه الحكومة علي مشاريع زراعية كبري مقارنة مع العائد من تلك المشاريع، مع المردود الذي يمكن أن تجنيه البلاد من اكتشاف علاج جديد وفاعل للملاريا مثلاً. والفرق بين الاثنين هو فرق بين عائد يقدر بعشرات الملايين من الدولارات، وأرباح تحسب بمئات الملايين. هذا بالطبع فوق ما للبحث العلمي من مزايا أخري في البناء الحضاري للأمم.الحوار مع البروفيسور إبراهيم أحمد عمر يطيب لأسباب كثيرة، كوننا نعتز بصداقته كما نعتز بأننا من تلاميذه الذين نهلوا علي يديه من معين الفلسفة عموماً وفلسفة العلوم علي وجه الخصوص. والحديث مع العلماء عن العلم لا يكلف المرء شططاً، لأن أستاذنا أبراهيم كان يفهم أهمية البحث العلمي مثلما يفهم متطلباته. ولكن حوارنا ذاك لم يخرج رغم ذلك بنتائج ملموسة في الأمور التي كنا نرجو. فهو لم يحقق أضعف الإيمان، وهو إنجاز ترتيبات بسيطة كانت ستسمح بالاستفادة من خبرات الأكاديميين المغتربين في البحث والتدريس، حيث عرض الكثيرون من هؤلاء التطوع للتدريس لفترات قصيرة في الجامعات، ولكنا لم ننجح في إيجاد أطر تسمح بهذا. بل بالعكس، إن بعض من كان يساهم معنا في هذا الجهد من الأكاديميين السودانيين انضموا بدورهم لموكب المهاجرين إلي الخارج يأساً من صلاح الأمور.الحكومة كانت تواجه وقتها ضغوطاً سياسية لتوسيع التعليم العالي لاستيعاب الآلاف من الطلاب الذين كانت تضيق بهم الجامعات وتضيق ذات يد أولياء أمورهم عن مساعدتهم لطلب العلم خارج البلاد. وكانت استجابة الحكومة لهذه الضغوط ـ أسوة بما حدث في معظم البلدان العربية الأخري ـ بالتوسع السريع في إنشاء الجامعات، التي تصبح بدورها أشبه بمدارس ثانوية متطورة تتكدس فيها أعداد كبيرة من الطلاب يتزاحمون علي محاضرين قلائل يعانون بدورهم من ضعف التأهيل وقلة الموارد وعدم توفر الوقت للبحث العلمي الذي بدوره يفقد الأستاذ الجامعي تميزه. من جانب آخر كانت الحكومة تواجه ضغوط الإنفاق العسكري والمشاكل الاقتصادية الأخري التي تمنعها من توفير موارد معقولة للبحث والتعليم. وقد اختارت، لأسباب غير مستغربة، أن تعطي الأولوية للإنفاق الأمني والعسكري، حتي في مجالات التصنيع والبحث والتطوير العلمي. وقد تحققت في هذه المجالات إنجازات لا بأس بها، وإن كانت دون الطموح بكثير.بعد أكثر من عقد من الزمان علي حواراتنا تلك صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول لعام 2002 ليؤكد علي النقطة التي كانت محور اهتمامنا، وهي أن التخلف الذي يعانيه الوطن العربي يتجسد أكثر ما يتجسد في المجال العلمي. وبحسب التقرير فإن هذا التخلف يتجسد في كل الجوانب المتعلقة بالمعرفة، بدءاً من التعليم الأولي، مروراً بالتعليم العالي فالبحث العلمي فالعلوم التطبيقية فالتصنيع فالمعلوماتية، ولا يوفر مجالات مثل الترجمة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون. وقد دعا التقرير إلي تدارك هذا الخلل المريع في زمان انطلق فيه البحث العلمي في البلدان المتطورة وأصبحت المسافة بين تخلفنا وتقدمهم فيها تقاس بالسنوات الضوئية، وأصبح حال العرب يثير الشفقة في هذا الخصوص.رد الفعل الرسمي حيال تقرير التنمية الإنسانية كان في حد ذاته تعبيراً عن عمق الأزمة العربية. فلأن التقرير طالب أيضاً بتوسيع الحريات وإصلاح حال العرب السياسي وتمكين المرأة، شنت عليه بعض الأوساط الرسمية حملة شعواء، متهمة إياه بأنه مؤامرة أجنبية علي العرب. بل إن معظم الدول العربية منعت توزيعه في أراضيها، مؤكدة في ذلك صدق ما ذهب إليه في نقده للممارسات التي تضيق علي العلم والعلماء وتحجب العلم والمعرفة. من جهة أخري قامت حكومات وجهات رسمية بتبني بعض مقولات التقرير علي طريقة كلمة الحق التي يراد بها الباطل. فقد اجتزأ البعض منه مقولاته حول حقوق المرأة، وسارع إلي اتخاذ خطوات رمزية مثل تعيين إمرأة أو اثنتين في مناصب عليا، أو التركيز علي الحقوق الاجتماعية للمرأة مقابل تعريض المرأة والرجل معاً للقهر السياسي. وأكد هؤلاء أن الاستبداد ضروري لحماية المرأة من المجتمع الأبوي، وطالبوا في مناجاتهم مع أصدقائهم الغربيين بإعفائهم من الضغوط لتطبيق الديمقراطية لأن الأولوية هي لإنصاف المرأة المظلومة. وفي نفس السياق اتخذ البعض ما جاء في التقرير من إلقاء الضوء علي ارتفاع نسبة الأمية وضعف التعليم في المجتمعات العربية وتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة إلي ذريعة للقول بأن العرب أميون متخلفون لا تصلح لهم الديمقراطية، وأن الأولوية يجب أن تعطي لرفع مستوي التعليم وخلق الوظائف. وهذا هو الحل الوسط الذي قبلت به قمة الثمانية الشهيرة في سي آيلاند في جورجيا في عام 2004، حين حولت مبادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش لنشر الديمقراطية في المنطقة إلي مبادرة لمحو الأمية وتقديم القروض الميسرة لأرباب الأعمال الصغيرة وإقامة دورات تدريب الناشطات النسويات وغير ذلك. بمعني آخر أصبح العرب رسمياً تحت الوصاية الدولية ورهن فصول محو الأمية حتي تزول أميتهم ويصبحوا مؤهلــين للديمقراطية.من هذا المنطلق فقد كان لافتاً أن يشتمل خطاب الرئيس عمر حسن البشير الرئاسي للقمة العربية الأسبوع الماضي علي فقرات تؤيد استنتاجات ومنهج تقرير التنمية الإنسانية العربية، وتنتقد التقصير العربي الجماعي في مجال البحث العلمي، مؤيداً مقولته بإحصائيات موثقة تكشف فداحة التخلف العربي في هذا المجال. فهل نعتبر هذا إشارة إلي تحول في الموقف الحكومي السوداني أولاً؟ وهل سيتبع بقية الزعماء العرب هذه النصيحة الغالية ويلتفتون إلي البحث العلمي بعد طول إعراض؟فيما يتعلق بالنقطة الأولي فإنني أعتقد أن هناك تغيراً، وأكاد أجد هنا لمسات وزير التعليم العالي الجديد الدكتور بيتر نيوت كوك، وهو أستاذ قانون سابق كان قبل أن ترشحه الحركة الشعبية لهذه الوزارة باحثاً في معهد ماكس بلانك الشهير في ألمانيا. وهذا أمر مشجع من جهة، ومؤسف من جهة أخري. هو مؤسف لأن فرصاً كثيرة أضيعت ووقتاً ثميناً أهدر قبل أن يلتفت الناس إلي هذه البديهية. ومؤسف أيضاً لأننا كنا نتمني أن يحوز أستاذنا إبراهيم شرف قيادة هذا التحول. ولكنه مشجع لأن الالتفات حدث وإن جاء متأخراً، ولأننا نثق في جدية الوزير الجديد الذي يفهم علي ما يبدو ما يجب عمله. وهذا لا يعني بالضرورة أن فرص نجاحه أكبر من سابقيه، لأن النجاح يعتمد علي تعاون آخرين، وعلي تمويل مؤكد، ومؤسسات علمية رصينة وقادرة.أما في الإجابة علي السؤال الثاني، فلعلها معروفة من الاستجابة التي وجدها تقرير التنمية الإنسانية وكل دعوة جادة أخري في هذا الخصوص. وتكاد قطر تكون الدولة العربية الوحيدة التي اتخذت قراراً استراتيجياً بإعطاء التعليم أولوية عليا، ولكن التحرك القطري اقتصر حتي الآن، حسب علمي، علي مجال التدريس وما زال البحث العلمي لم يحظ بما يستحقه من اهتمام، وإن كانت هناك مبادرات مهمة في طريقها إلي حيز التنفيذ في هذا المجال.وهذا بدوره يثير سؤالاً مهماً، وهو لماذا هذا الإعراض عن مطلب أساسي وبسيط في نفس الوقت، قد يكون مكلفاً بعض الشيء، ولكنه يعود بمردود كبير علي المدي الطويل؟ أليس من العقل أن تقوم الحكومات العربية بالاستثمار في البحث العلمي وتشجيع القطاع الخاص في نفس الاتجاه، خاصة في ظل ما اضطر في الآونة الاخيرة من تخصيص لكل المجالات وتحويل مؤسسات الدولة، بما فيها الكثير من المنشآت التعليمية، إلي القطاع الخاص؟ هل يحتاج مثل هذا الأمر إلي عبقرية أينشتاين حتي يتم اكتشافه وقد ظهرت فوائده ومزاياه في كل بقعة من بقاع الأرض من أوروبا إلي الهند وسنغافوة واليابان وكوريا وغيرها؟بعض من الإجابة تكمن في صيغة السؤال التي بدأنا بها، وخاصة عبارة المدي الطويل . فالأنظمة العربية هي في الأغلب قصيرة النظر والنفس، لا تفكر في أبعد من المدي القصير جداً، ولا تري فائدة في إضاعة الأموال فيما تعتبره ترفاً لا يرجي كثير خير من ورائه. وهناك سبب آخر، وهو أن كثيرا من الدول العربية ذات الموارد لا تملك كوادر بحثية مؤهلة بسبب حداثة جامعاتها من جهة، وبسبب قلة السكان وقلة الطلاب المؤهلين. وهي تستكثر أن تأتي بباحثين من الخارج تنفق عليهم الأموال الطائلة دون التأكد من عائد سريع وملموس.هناك نقطة أخري لا تقل أهمية يمكن أيضاً استشفافها من مقارنة وردت في خطاب البشير، حيث أشار إلي أن أكبر الدول العربية إنفاقاً في مجال البحث العلمي لم تبلغ إنفاق جامعة أمريكية واحدة، هي جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وهنا لا بد أن نذكر بأن بيركلي لم تكن جامعة متفوقة ومتميزة فقط، بل كانت أيضاً مهد واحدة من أبرز الانتفاضات السياسية في الولايات المتحدة إبان حرب فيتنام. وحين يزور المرء جامعات أمريكية مرموقة مثل بيركلي وهارفارد وييل (وقد سعدت بزيارة كل منها والمحاضرة فيها أكثر من مرة) تستوقفه أول ما تستوقفه الحيوية الثقافية والفكرية المتمثلة في النشاط الطلابي والفكري المتواصل خارج قاعات الدراسة، سواء أكان في مجالات النشاط السياسي والاجتماعي أو الثقافي. ففي كل من هذه الجامعات فإن البحث العلمي هو جزء من توجه ثقافي عام، يعتمد المبادرة والجرأة وتعتبر الحرية من أهم أعمدته. هناك أيضاً ثقافة اجتماعية سائدة تتعلق بالعطاء والبذل من القطاع الخاص من أجل البحث العلمي بدون انتظار مقابل سوي الذكر الحسن. فهناك مؤسسات وقفية مثل مؤسسات فورد روكفلر ماكارثر وكارنيجي وغيرها أسستها كبار العائلات الموسرة، ويبلغ رأسمالها مليارات الدولارات (8 مليارات لفورد، 3 مليارات لمكارثر، وقس علي ذلك)، وهي ترصد سنوياً مئات الملايين لدعم البحث العلمي في كل مجال يمكن تصوره.الإشكال عندنا ليس هو إذن فقط غياب روح العطاء والنفس الطويل، بل غياب مناخ الحرية اللازم لانطلاقة حقيقية للنشاط الخلاق في كل مجال، وخاصة مجال الإبداع العلمي. وعليه لا عجب أن يضمر الإبداع ويذوي في المناخ السائد حالياً.9