هل قرأتَ مقالاً وتغيّرتْ حياتك؟

حجم الخط
11

بلغني نبأ اعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بينما كنت أعاين مريضة راقدة على سرير الفحص، وكانت ردّة فعلي أني قبّلتُها فورا، وكانت قرويّة، وشابّة، وعمل مثل هذا في المجتمع الذي أعمل فيه يُعدّ تهوّرا من الدرجة القصوى، لكنّ لكلّ مقام مقال، والكُفر في وقته عبادة، مثلما يقول المثل. الوقت كان نهاية الظهيرة، وبنادق المحتفلين أخذت تحرق سماءَ بغداد بالرصاص، وملأت الزغاريد صالة انتظار المرضى، واندفعت السكرتيرة إلى غرفة الفحص وهي ترقص طربا، وشاركتها بقية النسوة، مع المريضة التي أبلتْ بالتعبير عن فرحها بلاءً منقطع النظير، ولسان حالها يقول إنها شفيت تماما.
هل قرأتَ مقالا وتغيّرت طريقة عيشك؟ حصل لي هذا الأمر، والمقال هو لجورج أورويل، وعنوانه «الثّأر الشّرس».
كتب أورويل هذا المقال عامَ 1945، وكانت ألمانيا قد هُزمت، وتمّ تدمير شتوتغارت، ودخل المؤلف المدينة بصحبة صحافيّ بلجيكي. كانت جميع الجسور منسوفة بالقنابل، وليس هناك من سبيل إلى الجانب الآخر من المدينة غير ممرّ صغير للمُشاة، وكان يرقد عند بوّابته جنديّ ألماني ميّت. أخبر الصِّحافيُّ رفيقه بأنها المرة الأولى التي يرى فيها رجلا فارق الحياة، فقد قضى سنين الحرب وهو يبثّ دعايات حربية في الإذاعة تجعل مواطنيه البلجيكيين أكثر صرامة في عدائهم للألمان من غيرهم، لكنّ موقفه تغيّر الآن تماما. أشاح ببصره عن وجه الجندي الشاحب، وكان ينظر باشمئزاز إلى المدينة المقصوفة بالقنابل، وانتقل إليه شعور الإذلال الذي يخوضه الألمان، ثم وضع على صدر الجنديّ باقة من زهر البنفسج الذي يتفتّح في كلّ مكان في حدائق شتوتغارت. قبل قليل كان من المحتمل أن يشعر بالصدمة من فكرة وضع الزهور على جثة عدوّه. لقد تغيّرت مشاعره بالكامل بعد رؤية الموت عن قرب، حتى أنه تدخّل أكثر من مرة لمنع جنديّ بريطانيّ من نهب أحد البيوت. كانت إرادته تقوم قبل الآن على فكرة الثأر وإنزال العقاب بأعدائه النازيين، وإذا به يتغيّر في الحال. لقد ماتت المدينة، وقضى الجيش الألماني معها، فما الذي تريده أكثر من ذلك؟
ثم يروي أورويل قصة المرأة العجوز التي قامت برسم مسدّس بيدها، وأطلقت خمس رصاصات على جثة موسوليني عندما عُرضت في العلن. كانت تصرخ بقوة: «هذه من أجل أبنائي الخمسة». كم يبدو الفارق مدهشا بين المشهدين؛ الصحافيّ البلجيكيّ عندما يضع باقة الزهر على صدر عدوّه، والعجوز وهي تطلق النار بصورة تمثيلية على جثة الدّوتشي!
يقول أورويل: «نبّهني مشهد رفيقي البلجيكي وهو يضع باقة البنفسج على صدر ألدّ أعدائه، أنّ فكرة الثأر والعقاب برمّتها ما هي إلا حلُم يقظة صبياني. بالمعنى الدقيق، لا يوجد شيء مثل الثّأر؛ إنه الفعل الذي تريد ارتكابه عندما تكون عاجزا، ولأنك عاجز، بمجرد إزالة الشعور بالعجز تتبخر الرّغبة أيضا. في عام 1940 كانت فكرة إهانة أحد ضباط الـ»أس أس» تجعل أحدنا يقفز من الفرح، لكن عندما يصبح الأمر ممكنا، فهو مثير للشّفقة والاشمئزاز. إن عقاب هؤلاء الوحوش لا يبدو جذّابا عندما يصبح ذلك ممكنا: في الواقع، بمجرّد أن صاروا تحت المراقبة، كفّوا عن أن يكونوا وحوشا».
دامت معي نشوة الفرح التي بدأت في لحظة اعتقال صدام حسين طوال جلسات محاكمته، وجاءت صورة إعدامه متممة للمشهد، وكنت استمرأه بشعوري الأول نفسه، وأذكره في كتاباتي بنوع من التشفّي. ينقل الصِّحافي الذي شهد الدقائق الأخيرة من حياة معمر القذافي عن أحد الثوار الذين كانوا يوجّهون الصفعات والركلات إلى جثته، لما رأى استغرابه: «عليك أن تفهم أن هذا الرجل الذي حكم لمدة 42 عاما، كان أسوأ من الشيطان، ولم نعد ننظر إليه على أنه بشر إطلاقا».
تشيخوف: «لدى الإنسان كلّ شيء يجب أن يكون رائعاً ـ الوجه والملابس والروح والأفكار».
ربما نجد من يعذر المرأة التي تسبّب الدوتشي بمقتل أبنائها الخمسة إذا أطلقت النّار عليه وهو ميّت، لكن هذه الصّورة سوف تلازمها أينما حلّت، وكلّما وقعت عين على يدها تخيّلتها مسدسا يطلق النار في كلّ اتجاه، وأنا متأكد أنْ لا أحد بخلق سويّ لم يرَ في المرأة بعض الشرّ، الذي كان يسلّطه موسوليني على الناس، وقد انتقل إليها بطريقة أو بأخرى. كما أن المتمرّدين الذين أهانوا جثة القذافي ليسوا أسوياء حتما، أو أن الغضب وحمّى الثأر والانتقام أدّت بهم إلى هذا الطريق. يقال إن الغضب هو دناسة الفكر، بما أنه انتقل إلى العالم الآخر، فإن للميّت سماحة ومهابة وجلالة تمثال إله.

دامت الحرب العالمية الثانية ألفين ومئة وواحد وتسعين يوما، وأدّت إلى مقتل سبعين مليون شابّ، ومحى هتلر بلجيكا من الخريطة، ولما شاهد الصحافي البلجيكي، رفيق أورويل، جثّة الجندي الألماني، نسي الآلام كلّها، وتقدّم إلى عدوّه الميت بباقة ورد.

من بين الأحداث التي جرت في العراق عام 1958 أن الانقلابيين سحلوا جثة الوصي عبد الإله، ثم علّقوها على عمود في الشّارع الذي كان يحمل اسمه، وجاءت امرأة بسكين وقطعت إصبع قدمه الكبير الأيمن. ما توصّل إليه جورج أورويل هو أن أشدّ أنواع الثّأر شراسة يعبّر في الحقيقة عن أعلى مراحل العجز لدى مرتكبه، وهذا الخور يشبه الموت في أمور كثيرة، أو قل إنّه الموت نفسه. أي أنّ الصّراع الدّائر بين المرأة والدّوتشي، وبين شبيهتها والوصيّ… هو في الحقيقة ينتمي إلى عالم الأموات، وليس إلى عالمنا الذي تشرق فيه الشّمس في النّهار، وينير قمرُه سماءَه المزيّنة بالنّجوم.
رفع «هولاكو» عند غزوه بغداد هذا الشعار: «بما أنه لا يمكن للمهزومين أن يتحولوا أبدا إلى أصدقاء للمنتصرين، فإن موت الفئة الأولى ضروري من أجل أمن الفئة الثانية». وقتل الجيش الغازي جميع أفراد الجيش المهزوم بعد أن أعطاهم الأمان. زار الدبلوماسي الإسباني أدولفو ريفادينيرا عامَ 1863 مدينة بغداد وشاهد في أحد المباني «أشياء مهملة نوليها نحن أهمية كبيرة، لكنهم لا يقدرونها ولا يعرفون أصلها» يقول الدبلوماسي في كتابه الذي ألّفه عن هذه الرحلة، وهذه الأشياء هي نماذج من أسلحة جيش الغزاة: (رماح وسهام وحراب، سيوف ثقيلة من تلك التي تقطع الحديد، والكثير من الدبابيس والهراوات الحديدية) كلّ هذا جرى استخدامه في قتل المواطنين العزّل. كم من النحيب الدائم الذي تحمّلت سماعه هذه البلاد، والتي تُكنّى بأرض السواد؟! ثم أكمل «تيمورلنك» ما قام به جدّه الأعلى، وكان على كلّ مقاتل في جيشه أن يقدّم له رأسا معاديا، كي يتمكّن من إنقاذ رأسه، وتحوّلت بغداد إلى أكوام من الجماجم، «ولا بدّ أن مواصلة تسميتها دار السلام بدت ضربا من السخرية في نظر الأيتام القليلين المتبقين فيها، فأبدلوا اسمها إلى قصر جهنم» على حدّ تعبير السفير ريفادينيرا. في عامَ 1733 هاجم نادر قلّي شاهُ إيران – يذكره السّفير باسم صافي كولي جان – المدينة «وقام بذبح مئات السُّنّة، وبعض من رفضوا أن يلعنوا اسم عمر، وتعليقهم على أشجار النّخيل بحبل يمرّ من الخدّين». تمّ خلاص العراقيين من الفرس الغازين على يدي السّلطان مراد الرابع الذي «أعاد المدينة إلى سلطة السلاطين الأتراك، وقبل أن يغادرها، وجد ذريعة كي يذبح ثلاثين ألف شيعيّ».
يعود الثأر في أصله – الشّرس منه والرحيم – إلى الحقد، ويعرّف هذا في القاموس بأنه إمساك العداوة في القلب لعدم القدرة على الانتقام، والتربّص لفرصتها، أي أنه تعبير حقيقيّ وواقعيّ وكامل عن العجز، وهذا يعيدنا إلى رأي أورويل في الثّأر. ينمو الحقد في النفس مثل الحياة في الروح، وهناك من الآباء من يعلّمون أبناءهم الحقد مثلما تجري تمارين تعلّم الموسيقى، كما أن هناك من يسكر به كأنه يسكر بالخمرة، ويتحوّل عندها إلى متوحّش لا ينهض الضّمير في وجدانه، ولا يعرف أعمال الفكر التي تؤدّي بنا إلى الشّفقة والرّحمة.
المتوحّش الأول الذي عرفته البشرية كان يسكن أرض السّواد؛ وهو أنكيدو، رفيق كلكامش، والبطل الثاني في الملحمة. يكسو جسم أنكيدو الشعر، ويرعى الكلأ مع حيوان البرّ، وثلثاه حيوان وثلثه بشر. ولأجل أن تعود إليه آدميّته تُعرض عليه امرأة، تتعرّى أمامه وتستلقي مفتوحة الساقين. فقد الوحش معها براءته الأولى، وهبط إلى الأرض بعد أن كان ينعم مع الحيوانات التي تشبهه في كل شيء. صار أنكيدو بعد عُرسه على العاهرة المقدّسة «شامخات» إنسانا بكلّ المعاني، وهو الآن صديق جلجامش الأقرب، وساعده القويّ، ولمّا مات ظلّ هذا «ينوح عليه مثل يمامة» كما تذكر الملحمة، وهبط إلى العالم السّفليّ محاولا إعادته إلى الحياة. يظهر الشخص الذي يطلب الثأر من غريمه في تجسدات عديدة ليس أحدها أنكيدو، فهذا المتوحش كان يحمل قلبا طيبا لأنه عاش مع الحيوانات في البرّ، ولا يمكن عدّه عاجزا لأنه لم ينتقم من أحد، الذي يطلب الثأر والانتقام مصاب حتما بلوثة الحقد الذي لا يُعدّ سمة من سمات الشخصية، بل هو الشخصية نفسها، عندما لا ترى في الآخرين غير لحم لأسنانها، وعندما تؤدي هذه الأسنان دور الدماء، ويظهر البدن مكسوّا بها.
دُوّنت مغامرات الإسكندر المقدوني في كتاب يعود تأليفه إلى القرن الرابع قبل الميلاد. ونقرأ في إحدى الرحلات لقاء الإسكندر بالبشر الكلاب: «وصلنا إلى مكان يتدفّق فيه نبعٌ مُبهج وغزير… ثم يظهر أمامنا رجل غزير الشّعر كماعز. أجفلتني وأزعجتني رؤية مثل هذا الوحش. فكّرت في الإمساك به لأنّه كان ينبح علينا بوحشيّة ووقاحة». يهاجم الرجلُ الكلب القائدَ المقدوني، ويحاول هذا ترويضه بواسطة امرأة تقدّمت نحوه وتعرّت «عسى أن يهيمن عليه الشّبق». يخطف الوحش المرأة معه ويبتعد، ثم يكتشف الإسكندر أن الرجل الكلب التهمها.
الحقد هو الكره والبغض مع العجز، أي أنه ثلاث خصال مذمومة بدل واحدة، والحقود لا يستطيع التبرّؤ من هويته، ولا يمكنه التماهي مع الآخر، حتى المرأة لا تستطيع أن تفعل شيئا لتلطيف حياته. إنه شبيه الرجل الكلب، وإذا كانت له زوجة، فلنا أن نتخيّل كيف يقضي حاجته معها في الفراش. كما أن الحقد على الآخر يعني خوفنا منه، وهو خوف مما في أنفسنا، أي أننا نحتاج إلى غريمنا كي يعرف الواحد منا ماهيته. لكن الاختلاف مع الآخر يعني التشابه معه، طالما كنا نحمل في ذواتنا طبيعة أخرى غير التي نظهر بها أمام الناس، وهكذا فإن التشابه والتنابذ بيننا مفردتان مائعتان تسيل إحداهما على الأخرى. في معرض الاتّصال بالآخرين، ومن أجل تقدير العيش المشترك الكريم، فإن الشعور بالتراحم بيننا هو نبع كل متعة وسرور. عن ابن عربي نقرأ هذا الحديث القدسي الذي كان يستشهد به مرارا: «كُتِبَت على ربّكم الرّحمة» وتفسيره أن الذات الإلهية سوف تشمل الجميع بالرحمة في النهاية، العقاب والانتقام والثأر الشرس ليس فيه ذرة من القبس الإلهي. هنالك ألف تفاهة، وألف إحساس عاديّ يمكن أن يشغل المرء نفسه به بدل الحقد. حذارِ! أثبتت الدّراسات العلميّة أنّ مشاعر الكراهيّة والحقد توفّر جوّا مثاليّا للخلايا السّرطانية أن تعتمل في أنحاء الجسد.
دامت الحرب العالمية الثانية ألفين ومئة وواحد وتسعين يوما، وأدّت إلى مقتل سبعين مليون شابّ، ومحى هتلر بلجيكا من الخريطة، ولما شاهد الصحافي البلجيكي، رفيق أورويل، جثّة الجندي الألماني، نسي الآلام كلّها، وتقدّم إلى عدوّه الميت بباقة ورد.
أخيرا، وبعد سُقيا الرحمة هذه من يدي جورج أورويل، فإن صورة صدام حسين مسجىً في رقدته الأخيرة، شطبت وألغت ومحت عن شخصه جميع ماضيه، بالنسبة لي على الأقل.
رَبّ: سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذاب.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية