عصر الفوضي
الياس خوريعصر الفوضي صار من شبه المؤكد ان العراق ينزلق سريعا الي ما يشبه الحرب الأهلية المعلنة. نذر التطهير الطائفي في كلّ مكان، وسط شعور عارم بفقدان الأمن والأمان، ووسط غياب اي افق من اجل بناء وحدة وطنية قائمة علي مشروع يحظي باتفاق اجتماعي يضم معظم شرائح المجتمع العراقي.شيء ما يذكّر ببيروت عام 1975، حين بدأ الانفجار اللبناني الكبير الذي امتد خمسة عشر عاما، ولا تزال آثاره مرتسمة علي الواقع اللبناني الذي جعلته البني الطائفية عاجزا عن تثمير احدي اضخم الانتفاضات الشعبية في تاريخ العرب الحديث.شيء ما يذكّر ببيروت مع فارق اساسي، فالحرب الأهلية اللبنانية كانت في احد اوجهها تعبيرا عن عجز العرب عن استثمار نصف انتصارهم في حرب تشرين ـ اكتوبر 1973، فدخلوا مع الساداتية في عصر الحرب الأهلية، وتحول عجزهم عن استثمار حربهم الوطنية الي شكل لصراعاتهم الداخلية التي جسدتها الحرب اللبنانية.غير ان العامل الفلسطيني لعب حتي عام 1982 دورا اساسيا في كبح غرائزية الحرب، ومنع تعميم نموذج التطهير الطائفي الذي حاول اليمين اللبناني فرضه. وحتي بعد اجتياح 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، فان عامل مقاومة الاحتلال الاسرائيلي عبر المقاومتين الوطنية والاسلامية، كبح الحرب، وجعلها عاجزة عن الذهاب الي نهاياتها عبر تفكيك لبنان الي دويلات طائفية.حرب لبنان الأهلية كانت احد اشكال عجز العرب عن تثمير نصف النصر الذي حققوه عام 73، ومع ذلك فقد كانت كارثة اجتماعية وسياسية وفكرية، لأنها اعادت لبنان والمنطقة عقودا الي الوراء، واعلنت بداية نهاية القومية العربية وفكرتها حول ضرورة تجاوز الانتماءات الطائفية والعشائرية.اما حرب العراق فتأتي في سياق آخر كليا. بدل نصف النصر في حرب اكتوبر، فان العالم العربي يواجه هزيمة كاملة بعد اجتياح العراق من جهة، وبعد نجاح الاحتلال الاسرائيلي في محاصرة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، من جهة ثانية.اي ان الحرب الأهلية العراقية تحمل في طياتها انتقالا نوعيا نحو تفكك طويل الأمد وكارثي في المشرق العربي.صحيح انها تأتي وسط خطاب سياسي يحمل بعض سمات مقاومة الاحتلال الامريكي، وهي تشبه في هذا الحرب اللبنانية، غير انها تتأسس وسط غياب اي افق وطني، ووسط غموض الخطاب المقاوم وانحصاره داخل بيئة طائفية واحدة، وتشرذمه بين تيارات سياسية تمتد من الخطاب التكفيري البن لادني الي بقايا النظام البعثي. لكنها، عكس حرب لبنان، لا تجري في الهامش الذي شكلته الحال اللبنانية، بل في المتن، اي امام آبار البترول، وفي بلاد الرافدين.لذا فانها تعلن الانتقال من عصر الانحطاط الذي اعلنه اجتياح بيروت عام 82، الي عصر التفكك والفوضي.من هنا تقع خطورتها الكبري علي الواقع العربي بأسره. اذ انها تعلن نجاح الديكتاتوريات في تخيير المجتمعات العربية بين العبودية والفوضي، كما انها تعلن ان الديمقراطية الاحتلالية التي تدعو اليها الولايات المتحدة ليست سوي وهم، وان الاحتلال الامريكي لم يفشل فقط، بل جلب معه كارثة لنفسه وكارثة للبلد الذي قام باحتلاله.مأزق العراق هو صورة مكثفة عن المأزق العام الذي يعيشه المشرق العربي. الديمقراطية الطائفية المشوهة التي صنعها الاحتلال ليست سوي خارطة طريق الي الحرب الأهلية والفوضي، كما ان الفراغ القمعي للديكتاتوريات العربية قاد الي تأسيس غياب الممانعة الوطنية عبر زرع بذور التفكك الطائفي والاقوامي.والسؤال الكبير هو الي اين؟يعرف العرب جميـــعا من تجـــربة لبنان المريرة ان الحرب الأهلية لا تصنع سوي الخراب، وان المنتصر فيها مهزوم، فكيف بالمنهزم؟ ومع ذلك فان طبول الحرب تقرع في مدن العراق ودساكره، العمليات ضد القوات الأمريكية تتراجع لمصلحة العمليات الانتقامية الطائفية، التهجير يتخذ مسارات جدية ومخيفة، والعقل يغيب، وتسيطر كتائب القتل، وصيحات الانتقام.يعرف العرب ان اسهل الطرق الي الاندثار هو التفكك الداخلي، ومع ذلك لا احد يوقف المأساة الآتية، ولا احد يملك اقتراحا حقيقيا من اجل ايقاف التدهور.كأننا في زمن المغول.في ذلك الزمن الذي نسيناه او تناسيناه، جري تدمير بغداد، وكان علي المشرق العربي ان ينحني للمماليك من اجل وقف الزحفين المغولي والافرنجي.اما اليوم فان مماليك هذا الزمن لا يقاتلون.بل انهم هم من صنع هذه الكارثة التاريخية الكبري.مماليك النظام العربي صاروا عبيدا لنفطهم، و/او تعلموا ان الحفاظ علي سلطتهم يكون بالانحناء للغزاة من جهة وسحق شعوبهم من جهة اخري.نبحث عن المماليك ولا نجدهم! تخيلوا الي اين وصلنا. بدأ القرن الماضي بالنضال ضد الاستبداد ومن اجل الاستقلال الوطني وتأسيس الفكرة العربية، بينما يبدأ القرن الحالي بالاحتلال والتفكك الطائفي والحروب الأهلية.نبحث عن المماليك ولا نجدهم! هذا هو الواقع العربي الذي وقع في قبضة الفوضي والانحطاط.لذا لا احد يجرؤ علي مواجهة المأساة العراقية التي تصفع وجوهنا كلّ يوم بصور القتلي الابرياء الذين يستغيثون ولا من مغيث.الهاوية التي ارادتها امريكا للعرب من اجل النفط واسرائيل، وصلنا اليها. العرب في الهاوية، ولكنهم لن يذهبوا اليها وحدهم. انهم يأخذون امريكا واسرائيل معهم الي القعر.وهنا تقع مفارقة الانحطاط والفوضي.هل يستطيع الامريكيون والاسرائيليون تحمل حرب مفتوحة وبلا نهاية؟واذا كانوا غير قادرين علي ذلك، فلماذا اخذوا المشرق العربي الي هذه الهاوية السحيقة؟0