عجلون ـ الأناضول: من مشغل متواضع لا تتعدى مساحته بضعة أمتار، خلف منزله في قرية كفرنجة التابعة لمحافظة عجلون شمال الأردن، استطاع الشاب الأردني سامر فريحات (35 عاماً) أن يقرن اسمه بصناعة أهم وأبرز المقتنيات التراثية في بلاده.
الأخشاب هي مواد التصنيع، ومبارد الحديد هي الأدوات التي يطوّعها فريحات بين يديه، ليشكل بها «المهباش» تلك الأداة التي استخدمها آباؤه وأجداده لطحن حبوب البُن بعد تحميصها، استعداداً لطبخها وتحضير القهوة الأردنية.
وفي لقاء مع الشاب الأردني في منزله، تم الاطلاع على آلية عمله وتصنيعه لمنتجات خشبية، أصبحت هدفاً للراغبين في استعادة موروث شعبي يقصدونه من مختلف محافظات المملكة وخارجها، من خلال توجههم إلى «بيت المهباش الأردني».
«لم يعلمني أحد، لكنه حبّ لإرث الآباء والأجداد» بهذه الكلمات يبدأ فريحات حديثه، شارحاً أن طبيعة المنطقة الريفية التي يسكنها لعبت دوراً إيجابياً وقوياً في تطوير حرفته، لأن أهلها يستخدمون هذه الأدوات.
ويتابع: «بدأت منذ 15 عاماً في هذا المشغل البسيط، وما يميزني في مهنتي هو طريقة التصنيع؛ إذ لا أستخدم الخشب إلا بعد قطعه بثلاث سنوات، حتى لا تحدث في المنتج أي تشققات».
ويشير إلى أنه يستخدم «مواد طبيعية، كبعض الزيوت الخاصة، مثل زيت التك وهو ما يعرف بزيت الحنطة، وزيت المونيكورد، وهو أفضل أنواع الزيوت في العالم وأغلاها، ويصل سعر الليتر الواحد 150 ديناراً (211 دولاراً أمريكياً) وزيت الزيتون بالدرجة الأولى».
من خشب الكينا والروز والجوز والمشمش والبطم، يصنع فريحات المهباش وملحقاته، مثل هاون الهيل ومهباش الزينة والأطباق وأواني مطبخية مختلفة وعبوات خشبية أخرى لحفظ المواد.
ويقول: «أنا متخصص في صناعة العكّاز، وأدخلت عليه بعض الثقافات العالمية من مختلف دول العالم، كالعكاز التركي والإيطالي والأفريقي والعربي البدوي والعكاز الأردني التقليدي».
لا يُخفي فريحات رضاه عن مستوى الإقبال على منتجاته، هو الذي شارك في معارض محلية وعربية «لكنني أطمح إلى المشاركة في معارض عالمية» وفق تعبيره.
أما عن أسعار المنتجات، فيوضح أنها «تبدأ من دينار واحد (1.4 دولار أمريكي) وتصل حتى ألف دينار (ألف و 400 دولار)».
وعن الكادر العمالي معه، يقول: «يعمل معي 5 أشخاص، وزوجتي هي أول أنثى تعمل في صناعة المهباش، لكنها لا تظهر على الإعلام بسبب عاداتنا وتقاليدنا الريفية».
ويردف: «العمل يدوي بالكامل ويحتاج إلى وقت طويل، فهناك مراحل مختلفة تبدأ بتجفيف الخشب ثم مرحلة الخراطة ثم التشكيل والزخرفة، ثم طلائه بصورة نهائية».
ويلفت إلى أن «كمية الإنتاج متواضعة بسبب شح الأخشاب، ونطمح إلى تطوير المشغل وتدريب وتوظيف شباب قادرين على العمل».
ويستطرد: «عقدت عدة دورات تدريبية في وزارة الثقافة وعدة هيئات محلية أخرى، وقد تعاونا مع جهات حكومية لتصنيع بعض المنتجات لتقديمها كهدايا لوفود أجنبية؛ لإظهار المنتج التقليدي الأردني للعالم».
وكانت مبادرة «شباب منتج» السبب وراء لقاء الشاب فريحات بعاهل الأردن الملك عبد الله الثاني، إذ قدم له خلالها دعماً مادياً ولوجستياً، مشيراً إلى أن اللقاء «كان له أثر كبير في أنفسنا لاستمرار التقدم والتميز». ويُطلق على المهباش تسميات أخرى، كالجرن والمدقّ والنجر والهاون، وجميعها تستخدم لطحن وتفتيت الحبوب التي توضع داخلها لهذه الغاية، وهو عبارة عن مجسم خشبي مخروطي، تعلوه فتحة بقطر 8 سنتيمترات، تكون مدخلاً ليد خشبية يتم من خلالها طحن المواد داخله.
وتقترن هذه الأداة بعادات وتقاليد كانت معروفة في قديم الزمان لدى أهل الريف والبادية بطريقة طحن البن؛ فكل دقة وطريقة عزف على المهباش كانت لها رموز وإيحاءات ورسائل لأهل المنطقة، ففي الصباح هي مناداة، وفي المساء للسمر، وللغزو والحروب كانت الدقة تعرف بدقة «حافر الخيل» وهي حماسية تنذر بالخطر الواقع؛ لأن الصوت يكون عالياً جداً في المناطق المفتوحة.
وحسب دراسات سابقة لوزارة السياحة الأردنية، فإن أصل صناعة المهباش المتعارف عليه حالياً هو أردني بـحت، وجرى تقليده من بقية القبائل في الدول المجاورة.