انخفض معدل الولادات في أوساط النساء البدويات إلى النصف تقريباً مقارنة بالتسعينيات، وللمرة الأولى في تاريخ الدولة أصبح أقل من 5 ولادات للمرأة. هذا ما يظهر من معطيات المكتب المركزي للإحصاء. تقرير تم نشره مؤخراً وجد أنه كلما ارتفع مستوى تعلم المرأة البدوية ينخفض معدل الولادة عندها. وحسب أقوال الدكتور نصر أبو سريحان، الذي أجرى البحث، فإن معدل الولادات “ما زال مرتفعاً مقارنة بشرائح أخرى في المجتمع الإسرائيلي. ولكن البدو اجتازوا خلال عقدين عمليات استمرت لعشرات السنين في مجتمعات أخرى”.
المؤشر الدارج في أدبيات الديمغرافيا “الخصوبة العامة”، يشير إلى متوسط الولادات التي يتوقع أن تلدها المرأة في حياتها. حافظ بدو النقب على مدى السنين على معدل الخصوبة الأعلى في إسرائيل، الذي هو من أعلى المعدلات في العالم. وحسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء، فإن المعدل وصل في 1998 إلى رقم قياسي هو 10.6 ولد للمرأة، 2.5 ضعف المعدل في أوساط المسلمين في شمال البلاد، وثلاثة أضعاف المتوسط القطري، وتقريباً أربعة أضعاف المعدل في أوساط اليهود.
في العام 2011 انخفض معدل الخصوبة في أوساط البدو في النقب إلى 5.5 ولد للمرأة، وفي الأعوام التالية تراوح المعدل حول هذا الرقم. ولكن منذ العام 2017 عاد وانخفض ووصل إلى 4.94 في 2020، التي كان فيها معدل الولادة في أوساط اليهود والعرب متساو تقريباً.
“انخفاض معدل الخصوبة في أوساط البدو 50 في المئة في عقد واحد فقط هو ظاهرة اجتماعية مهمة، على خلفية أن المجتمعات الأوروبية احتاجت مئة سنة للمرور بعملية مشابهة، واحتاجت المجتمعات في شرق البحر المتوسط وشمال إفريقيا إلى أربعين سنة، كتب الدكتور أبو سريحان والمشرف عليه في رسالة الدكتوراة البروفيسور يونتان انسون، من قسم العمل الاجتماعي في جامعة بن غوريون، في مقال نشر في المجلة الأكاديمية “الأمن الاجتماعي”. وحسب قولهما، يشير التغيير إلى دخول المجتمع البدوي إلى “عملية تغيير اجتماعي واضح”، تشمل ارتفاع مستوى التعليم والدخل وجودة الحياة.
قال أبو سريحان إنه خلافاً للاعتقاد السائد، لا يوجد استنتاج قاطع حول تأثير الدين والتدين على معدل الخصوبة المرتفع. اختلاف عدد الولادات بين الكاثوليك والبروتستانت يعكس فروقاً في الثقافة والدخل؛ وفي إيران، في ظل النظام الإسلامي، انخفضت الخصوبة من 6.5 في بداية الثمانينيات إلى 2.1 في نهاية العقد السابق. في إسرائيل أيضاً “لا توجد علاقة مباشرة بين مستوى التدين العالي في أوساط المسلمين وبين مستوى الخصوبة”، قال، وأضاف أبو سريحان: “الإنجاب عمل فردي أو ثنائي”. ولكن الخصوبة، الوتيرة التي تحمل فيها النساء وينجبن، هي صفة اجتماعية يجب تفسيرها من خلال التطرق للواقع الذي يعيش فيه الناس حياتهم.
النظر إلى واقع هذه الحياة قدم حوالي 500 امرأة أجابت على استطلاع اقتصادي – اجتماعي مفصل أجراه معهد الأبحاث العربي “رابطة الجليل” قبل بضع سنوات، وشكل عينة للسكان البدو في النقب. وقد تبين، ضمن أمور أخرى، بأن مستوى التعليم المرتفع “يخفض معدل الولادة إلى النصف في معظم المجموعات العمرية”، وأنه في أوساط العائلات التي أبلغت عن مواجهة مع الدولة، حول مصادرة الأراضي وهدم البيوت واقتلاع الأشجار والمحاصيل الزراعية، كان عدد الأولاد أقل. النساء في هذه العائلات ينجبن في المتوسط الولد الأول بعد سنتين مقارنة بالنساء الأخريات. “لم نجد أي دليل على أن البدو يستخدمون الخصوبة كاستراتيجية للبقاء أو للنضال ضد التمييز والقمع”، قال أبو سريحان. ووجد أيضاً أن متوسط عدد الأولاد للنساء في عائلات متعددة الزوجات أعلى 2.5 مقارنة بالنساء من عائلات أحادية الزوجة.
حسب بحث أبو سريحان، فإن المتغيرات التي تؤثر على الخصوبة أكثر هي مستوى تعليم المرأة وعملها ومستوى حياة العائلة. وكتب أنه كلما كانت ثقافة المرأة واندماجها في سوق العمل أعلى، يكون عدد الأولاد أقل. في المقابل، كلما ارتفع مستوى الحياة، يرتفع عدد الأولاد. “هذان توجهان متناقضان”، قال البروفيسور انسون. في المقابل، أضاف أبو سريحان بأن “هناك عمليات تمنع انخفاض معدل الخصوبة، منها آليات محافظة، مثل القبلية، والتضامن الاجتماعي، والثأر أو تعدد الزوجات، التي لم تختف”.
قال أبو سريحان إنه بدأ بالفحص والتحقيق في الموضوع قبل 15 سنة، على خلفية الادعاء بأن خفض مخصصات الأولاد الذي قاده نتنياهو قبل بضع سنوات من ذلك نجح في تغيير توجهات ديمغرافية. في المقابل، أظهرت أبحاث لمؤسسة التأمين الوطني وبنك إسرائيل صورة مركبة. هو يتذكر أباً لعائلة كبيرة فيها عشرة أولاد، قال في حينه بأن “الأولاد قوة وكرامة”. “هذه الرؤية تغيرت، ليس في كل وقت، وليس بنفس الدرجة”، قال أبو سريحان. “ولكن المعطيات تشير إلى تغيير عميق في القيم وفي أنماط السلوك التقليدية”.
حسب قوله “لهذه العمليات عدة أوجه؛ منها تغيير نمط الحياة والعلاقة الأبوية في العائلة، وخروج النساء للتعلم والعمل خارج البيت، وتبني نسوية هادئة تتمثل في معارضة سلبية لقيم تقليدية وقبلية”. انخفاض الخصوبة يؤثر بالطبع على التغيرات الاجتماعية الأخرى، ويتأثر بها. حسب أقوال الباحثين، فإن انخفاض معدلات الخصوبة جزء من عملية تغيير أصبح فيها الأزواج البدو يتبنون معايير عصرية أكثر فأكثر في إطار حياة العائلة. الأولاد لم يعودوا يعتبرون “بوليصة تأمين” للآباء في الشيخوخة، وهم لا يساعدون في عمل زراعي لاقتصاد العائلة. بهذا تم فتح مدخل لاستراتيجية خصوبة مختلفة، مثل تقليص عدد الولادات”.
وقال أبو سريحان أيضاً إن نماذج الخصوبة الجديدة في أوساط البدو تشبه النماذج التي سجلت في أوساط العرب في شمال البلاد، في أوساط المسيحيين والمسلمين على حد سواء، انخفاض حاد وسريع في الخصوبة خلال عشرين سنة، واستقرار لمدة 15 سنة، ومرة أخرى انخفاض إلى مستوى أقل من المستوى الذي في أوساط اليهود.
البروفيسورة سراب أبو ربيعة، المحاضرة في قسم التعليم في جامعة بن غوريون ونائبة رئيسة قسم التنوع والاحتواء، قالت إنه في العشرين سنة الأخيرة سجل انخفاض حاد في معدل التسرب للطلاب البدو من المدارس الثانوية. في المقابل، بدأ ارتفاع في معدل التسرب في أوساط الأولاد، وقدرت مصادر مختلفة بأن هذا ينبع من وباء كورونا. المعنى، هو أن الطالبات يتسربن بمستوى أقل ويواصلن أكثر نحو التعلم الأكاديمي مقارنة بالطلاب. وحسب أقوال الدكتور سليمان أبو بدر، من قسم الاقتصاد في الجامعة، فإن نصيب الطالبات من بين الطلاب البدو في الجامعة نحو 70 في المئة. وفي بحث آخر أجراه أبو بدر، وجد أن نسبة النساء في سوق العمل تضاعفت ثلاث مرات خلال 15 سنة.
“تتبلور طبقة وسطى نسوية بدوية”، قالت أبو ربيعة. “يمكننا أن نرى ذلك في أوساط المحاميات والأخصائيات النفسيات وما شابه. التأثير ليس فقط على النساء أنفسهن، بل هو أوسع من ذلك. فالسلوك الأكثر مساواة بين الزوجين هو نموذج مشجع أيضاً بالنسبة للأولاد”. إضافة إلى هذه التوجهات، هي لا تتجاهل التأثير السلبي لتعدد الزوجات “الذي هو في حالة ارتفاع، كما يبدو”.
بقلم: أور كشتي
هآرتس 2/12/2021