أكثر من 122 حالة انتحار في عام واحد … من المسؤول وما هي العواقب؟

حجم الخط
2

تونس – «القدس العربي»: بلغت ظاهرة الانتحار في تونس ذروتها خلال العام المنقضي مع تسجيل 122 حالة بحسب تقرير صدر مؤخرا عن «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية». وأوضح مدير المرصد المختص في علم الاجتماع عبد الستار السحباني في ندوة صحافية عقدها الأسبوع الماضي، ان هذا الرقم يحيل إلى الاضطراب النفسي وارتفاع معدلات اليأس وتصدع المؤسسة التربوية في البلاد، وشدد على أهمية معالجة هذه الظاهرة قبل استفحالها.
أكثر من عشر حالات انتحار لتلاميذ لم تتجاوز أعمارهم العشر سنوات، سجلت خلال شهري تشرين ثاني/نوفمبر وكانون أول/ديسمبر 2014، كانت كفيلة بدق جرس الإنذار وتسليط الضوء على واحدة من أعمق المشكلات النفسية والتربوية التي تواجه المجتمع التونسي. يوم 12 تشرين ثاني/نوفمبر استفاقت تونس على خبر انتحار تلميذة شنقا في أحد أرياف ولاية القيروان الداخلية، وتبلغ الفتاة من العمر 9 سنوات، فيما أقدمت خلال الشهر نفسه تلميذة أخرى من الولاية نفسها على الانتحار شنقا ولم تتجاوز بعد الثانية عشرة من العمر.
تلاميذ وتلميذات في عمر الزهور لم تتفتح عطورهم بعد مازالوا يخطون الخطوات الأولى في مسيرة الحياة، ما الذي يدفعهم إلى اختيار الموت وإنهاء حياتهم بهذه الطريقة المأساوية؟ هل هو إهمال المجتمع؟ أم هم ضحايا الاضطراب الذي شهدته البلاد طيلة الأعوام الماضية وجعلت الهم السياسي والفكري يتصدر اهتمام منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية على حساب معاينة الأوضاع المعيشية والاجتماعية للشرائح المهمشة؟ أم هي أسباب لها جذور تاريخية تعود إلى ما قبل ثورة 14 كانون ثاني/يناير ودفع ثمنها هؤلاء الأطفال من دمهم ومستقبلهم؟

من المسؤول؟

أعتبر المختص في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ»القدس العربي» أن ظاهرة انتحار الأطفال من الظواهر المستجدة التي لم يألفها التونسيون على غرار ظواهر أخرى فيها الكثير من العنف والعدوانية كالإرهاب وسفر الشباب إلى سوريا للإنغماس في صراع لا يعني التونسيين مباشرة. وهذا كله يضاف إلى حالة الهشاشة الاقتصادية والإجتماعية التي أصبحت تميز حياة عدد هام من التونسيين والتي تمثل حاضنة يمكن لظاهرة انتحار الأطفال أن تنمو فيها، خاصة وأن انتحار الكهول قد شهد بدوره تطورا لافتا لنصل إلى ما يقارب حالتي انتحار يوميا.
وبالتالي فإن المناخ العام بكل تداعياته، بحسب الحاجي، يمثل سببا من أسباب الظاهرة إلى جانب ما يمكن اعتباره أسبابا خاصة بالأطفال. ويمكن في هذا الإطار ذكر الخوف بكل تمظهراته وأيضا ضعف التأطير، أي أن الطفل يكون متخوفا من المستقبل خاصة إذا كان منحدرا من أسر فقيرة ومحدودة الدخل، فصعوبات الحاضر بكل طلباته تؤثر سلبا على تطلعه للمستقبل.
كما أن للتفكك الأسري دور بارز في انتشار هذه الظاهرة، فالطفل بحاجة إلى الإستقرار في عائلة متماسكة توفر له الحد الأدنى من الشعور بالأمان والإطمئنان. وفي حال عدم توفر هذه الروابط العائلية المتينة يفقد الطفل الشعور بالإستقرار وفي تونس بلغت نسب الطلاق أرقاما قياسية ما أثر سلبا على وضع الطفولة بصورة عامة.

أسباب أخرى

كما أن هناك أسبابا أخرى تقف وراء انتشار ظاهرة الإنتحار بين الأطفال على غرار الفشل في الدراسة التي يوليها التونسيون أهمية بالغة، والميل المتزايد لدى التونسيين نحو العنف والعدوانية. وهناك عوامل أخرى تتجاوز تونس منها ما تقوم به وسائط الثقافة الحديثة المبنية على الصورة والحركة ومن «تتفيه» و»تبسيط» للموت ومن «انتهاك ممنهج» لحرمة الجسد الإنساني. كما أن مؤسسات وهياكل التأطير الإجتماعي لم تعد تقوم بدورها على الوجه الأكمل.

حقوق الطفل والتعليم

ويضيف: يصعب إجراء تقييم موضوعي دقيق لوضعية حقوق الطفل في تونس في ظل انعدام ما يكفي من الأرقام والمؤشرات الإحصائية من ناحية، وفي ظل غياب عمليات التقييم الدوري والمبني على قراءات علمية. لكن ماهو مؤكد أن حقوق الطفل في تونس ليست في أفضل حالاتها وسنكتفي هنا بالإشارة إلى ما نسجله من تراجع في مستوى الخدمات الصحية، أي ان هناك مساسا بالحق في الصحة للتونسيين عموما وللأطفال بوجه خاص.
كما أن هناك تدهورا في الوضع البيئي وهو ما يمس من الحق في العيش في بيئة سليمة. والحق في الصحة والتعليم تمثل القاعدة التي تقوم عليها حقوق الطفل».
وعن تقصير المؤسسات التربوية ودورها في بروز هذه الظاهرة الغريبة أجاب الحاجي:» دون أن نصدر حكم قيمة أو نقدم تقديرات تبدو غير موضوعية فإن التعليم في تونس، وبخلاف ما كان في السابق، ليس في أفضل حالاته بل يشهد تراجعا مخيفا ويكفي هنا أن نشير إلى الإشكاليات التالية:
-غياب التناغم بين التكوين وسوق التشغيل وهو ما خلق ظاهرة بطالة أصحاب الشهادات العليا من ناحية والبطالة بكل مظاهرها بشكل عام، وهذا يضعف من مكانة المدرسة والحاجة إليها ويفقدها سلطتها المعنوية.
– ارتباك وتعدد البرامج وتداخل المناهج على امتداد عقود وهو ما خلق مؤسسة تربوية دون عمق وهوية.
– توتر العلاقة بين مكونات المنظومة التربوية (إطار تربوي، إدارة وسلطة سياسية، أولياء وتلاميذ).
– تدهور صورة المربي المادية والمعنوية.
– فقدان المدرسة لدورها كعامل مهم في الإرتقاء والصعود الإجتماعيين.
– بروز بدايات تفكك المنظومة التربوية على خلفية الدور المتنامي للتعليم الخاص في كل المستويات.
وهذه العوامل كلها تجعل مكانة المؤسسة التعليمية في تراجع كبير، وهذه الظروف يدفع بعضها الأطفال إلى الإنتحار لأن المدرسة لم تعد فضاء إطمئنان وارتياح.

الهروب من الواقع

الناشطة الاجتماعية في جمعية «سند» ليلي العياري قالت ان من بين الأسباب التي تدفع الأطفال إلى الإنتحار هي الظروف المعيشية الصعبة لبعض العائلات، بالإضافة إلى ذلك الحرمان العاطفي داخل العائلة ما يؤدي بالطفل إلى الإحباط الذي يجره إلى الإنتحار معتقدا أنه سينعم براحة حرم منها وهو على قيد الحياة.
وتضيف: «هناك أطفال يلجأون للإنتحار خوفا من العقاب وخشية تعرضهم إلى العنف المستشري داخل أسرهم، كما ان هناك من تعرضوا للإغتصاب فوجدوا في الانتحار الملاذ الوحيد من أجل إنهاء هذه المعاناة. ومن الصعب حصر هذه الحالات لكن بالإمكان حوصلتها في إطار واحد وهو الهروب من واقع ما صعب تحمله.

دور المجتمع المدني

تضيف العياري أن هناك واجبا يلقى على عاتق المجتمع المدني والدولة في آن معا من أجل الحد من هذه الظاهرة، إذ يجب في رأيها ان يتوفر في كل المدارس مشرف اجتماعي يتابع الأطفال ويحاول ملاحظة أي تغير في سلوكهم، إلى جانب توعية الأولياء ومحاولة تكثيف دور الشباب. فالوقاية خير من العلاج. كما ترى أنه يجب الحد من ظاهرة أطفال الشوارع بانشاء دور لرعايتهم وتأهيلهم وتمكينهم من فرص التعليم.
أما عن واقع حقوق الطفل في تونس فتقول «إن حقوق الطفل مدونة مثل أغلب الحقوق في الدستور والقوانين لكنها غير مطبقة». وتتساءل العياري بالقول:»أين حقوق الطفل عندما يسير على قدميه 7 كيلومترات 4 مرات في اليوم ليصل إلى مدرسته؟ وأين هي حقوقهم عندما يعمل الأطفال على الطرقات في أوقات متاخرة من الليل ببيع بعض البضائع زهيدة الثمن؟».
فإهدار حق الطفل في رأيها مسؤولية يتحملها المجتمع والدولة ويجب محاسبة كل من يستغل براءة الأطفال حتى لو كانوا أولياءهم. كما أشارت الناشطة الاجتماعية إلى ان الأطفال الذين يتعرضون للعنف ولم يقدموا على الانتحار في سن مبكرة فانهم عندما يكبرون قد يتحول بعضهم إلى منحرفين لديهم نقمة على المجتمع. وأضافت «قد لا نستطيع كمجتمع مدني منع هذه الظاهرة لكن نستطيع الحد منها، فالوضع معقد ولكن علاجه ليس مستحيلا وبتكاتف الجهود نستطيع ان نتقدم في مجال حماية الطفولة، فنحن نمر بظروف صعبة والدولة لن تستطيع حل كل المشاكل، ولهذا وجب علينا ان نتحرك جميعا كل من موقعه».

العلاج

من جهتها قالت الدكتورة المختصّة في علاج الأسرة وطب نفس الأطفال ريم عبد الناظر ان نسبة المنتحرين لا سيما من الصغار كما المراهقين والبالغين في بلد مثل تونس في ارتفاع منذ سنة 2011 وهو ما يعرف بظاهرة البوعزيزي والذي أقدم على الإنتحار مما تسبب في موجة اضطرابات ساهمت في اندلاع الثورات العربية كرد على الإحساس بالتشاؤم. وتوضح محدثتنا بأنه استنادا إلى الدراسات الأمريكية المختصة بالصحة والشؤون الاجتماعية فان 90٪ من المنتحرين يكونون قد عانوا من حالة أو أكثر من الأمراض النفسية خاصة الإكتئاب ذي القطبين، الفصام والإدمان على الكحول أو المخدرات.
أما عن علاج هذه الأمراض النفسية المتفشية لدى بعض الأطفال فتوضح ان العلاج بالكلام يكتسب أهمية كبرى إما منفرداً أو مقترناً مع أنواع أخرى من العلاج، وهناك العديد من الأساليب للعلاج النفسي ومن أهمها في حالة الاكتئاب:
• العلاج النفسي الداعم: وهو أبسط أنواع العلاج، ويشمل تطمين ودعم المريض، وشرح حالته له، ومساعدته في فهم المرض وعلاجه، والتعامل مع المشاكل القائمة في حياته العملية أو الأسرية.
• العلاج النفسي الدينامي: وهو النوع الذي تطور عن التحليل النفسي ويشمل جلسات أسبوعية لمدة ستة شهور مثلاً، تعمل على تحليل وفهم مشاعر المريض وعلاقاته، والربط بين المشاعر والسلوك، وهذا يتطلب خبرة وتدريبا خاصا لمن يود أن يقوم به.
• العلاج المعرفي: والذي يهدف إلى تغيير أسلوب تفكير المريض وبالتالي تحسين مزاجه، وقد أثبت هذا النوع من العلاج فعالية عالية.
ينقسم العلاج في حالة الإكتئاب لعدة أنواع قد تستعمل معاً أو منفردة، ويعتمد إختيار العلاج على درجة الحالة، وطبيعة الشخص وظروفه وإمكانيات العلاج المتوفرة.
مضادات الإكتئاب: وخلال تلك الفترة المحيرة التي تلي القيام بالفعل السيء، يقع الطفل ضحية للتفكير السلبي والقلق والخوف الشديد من العواقب التي قد تجعله يفكر جديا في مسألة إنهاء حياته. فهو يريد التخلص من مشاعر الذنب، والخوف والقلق بسرعة، وسهولة. ومن المسببات الأخرى التي تدفع المراهقين للانتحار، مواجهة مواقف عادية في الحياة مثل الانفصال عن شخص يحبه، أو التعرض للإذلال أمام زملائه في الصف، وخسارة مبارزة أمام أحد زملائه، أو التعرض للإهانة.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية