تونس ـ أ ف ب: تقف ياسمينة من وراء منصة رقمية ترفع نسق الموسيقى وتحاول تلقين مجموعة من الفتيات الموهوبات تقنيات فن تنسيق الموسيقى «دي جيينغ» في دورات تدريبية خاصة بهذا النمط من الإيقاعات الذي يحتكره الرجال في تونس.
كانت ندى بالماضي (25 عاماً) ذلك المساء في مقر المعهد الفرنسي في العاصمة تونس تلمس للمرة الأولى أسطوانات البلاتين. درست هذه الفتاة هندسة الصوت وترغب في تعلّم فن الـ»دي جيينغ» لأنها تعشق «الصوت والموسيقى» وتريد أن تجمع «المعجبين بالموسيقى الإلكترونية والرقص وبث الموجات الإيجابية» وتسعى لإنشاء استوديو لإنتاج أعمال يوماً ما.
الـ«دي جيينغ»
وهي تدرك جيّداً أن فكرة تخصص الفتاة في الـ»دي جيينغ» في تونس «تثير الرهبة لدى غالبية العائلات» لأن العمل في هذا المجال يستلزم «العودة في ساعة متأخرة ليلاً إلى البيت، وهذا حكر على الرجال» في تقديرها.
لكن هذا لا يمثل بالضرورة عائقاً أمامها لأن أفراد عائلتها «منفتحون» وتقول: «إنهم يشجعونني على القيام بما أحب».
تساعدها «فوشيكا» المتخصصة في موسيقى «الهاوس» و»أفروهاوس» واسمها الحقيقي ياسمينة قايدة (29 عاماً) على تعلّم مزج القطع وتنسيقها وتنويع النسق والإيقاعات.
مدرسة الفرصة الثانية
وقد حظيت وهي في الأصل مساعدة مصور في مجال السينما، بتدريب سريع لمدة ثلاثة أيّام ثم اتكلت على نفسها لإتقان تقنيات العمل المحترف وأساليبه.
تحاول «فوشيكا» تعليم الفتيات فن مزج أنماط مختلفة من الموسيقى، بهدف «توفير فرصة» لنساء «لا يملكن المال ولا الإمكانات» لذلك حتى تتمكن من ترسيخ فكرة «أن في الإمكان أن تكون امرأة «دي جيه» في تونس» حسب قايدة.وتضيف أنها من خلال تجربتها في تدريب نحو 15 فتاة «لاحظت بعض التطوّر» خلال السنوات الأخيرة لكن «ليس بدرجة كبيرة».
وتروي أن «أصحاب الملاهي الليلية كانوا يخشون التعاقد مع فتيات الـ»دي جيه» من أجل إحياء سهرة» إذ يعتقدون أن هذا العمل «ليس للفتيات».
وترى أن من الصعب على الفتيات أن يخضن هذا المجال، وتقول: «عندما يتقدم رجل للعمل يقولون له ارسل لنا نماذج» لكن حين يتعلق الأمر بفتاة فغالباً ما يطرحون عليها السؤال الآتي: «هل قمتِ «بهذا العمل» في السابق؟».
ساهم محيطها العائلي في اندماجها السهل في هذا الميدان وفي تحقيق شغفها، فوالدها مسؤول تنشيط في الفنادق ووالدتها مصففة شعر، لكنها تجد نفسها مضطرة في بعض الأحيان «إلى التحدث مع بعض العائلات». وتقول: «أسعى إلى إقناعها بأننا لا نفعل شيئاً سيئاً، بل فقط الموسيقى».
أما ألفة العرفاوي، التي أسّست «دي جيه أكاديمي فور غيرلز» في العام 2018 وتصفه بأنه أول مركز تدريب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للفتيات على مهنة تنسيق الموسيقى، فتعتبر أن «الـدي جيينغ ليس مجالاً آمناً بالنسبة للتونسيات. بل ينظر له على أنه مهنة خاصة بالرجال وصعبة جداً… ما يحصل في الليل يمكن أن يكون عنيفاً على النساء».
ساهمت الأكاديمية في تدريب نحو مئة فتاة طوال السنوات الثلاث الفائتة «وبدأت النساء يقبلن على هذا الفضاء ويندمجن فيه» حسب العرفاوي.
تقدم الأكاديمية دروساً بأسعار معقولة (حوالي 90 يورو لكل مستوى من 16 ساعة موزعة على ثلاثة أشهر) وتعتبرها العرفاوي «مدرسة الفرصة الثانية لمنح مهنة ثانية للفتيات».
موارد مالية
وتشرح العرفاوي أن الهدف من إنشاء الأكاديمية هو تمكين النساء من «توظيف عشقهنّ للموسيقى لكسب موارد مالية».
علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من دورات تدريبية تقدمها الأكاديمية في اختصاص هندسة الصوت والإنتاج الموسيقي.
كذلك تؤدي هذه المؤسسة دوراً اجتماعياً من خلال استخدام الـ»دي جيينغ» كوسيلة «لمنح النساء ثقة في أنفسهن ومناقشة مسائل حساسة».
وترى العرفاوي أن هذا النوع من التدريب في الأكاديمية وعبر الموسيقى يبيّن أن «ثمة وسيلة لإرساء تنوع أكثر ومساواة» في تونس التي تناهز فيها نسبة الفتيات الحاصلات على شهادات علمية الستين في المئة، لا تعمل منهنّ سوى 28 في المئة.
تلقت رؤى بيده (33 عاماً) تدريباً في الأكاديمية منذ عام وهي متخصصة في فن «الراب» وتقول إن فكرة احتكار الرجال هذه المهنة يجب أن تُكافَح بالاتحاد. وتضيف: «عندما نصبح موحدات سنفرض أنفسنا ونطالب بحقوقنا وسيمنحنا الناس تبعاً لذلك فرصتنا».