بيروت – «القدس العربي»: في لبنان ما يقارب من الـ 200 ألف امرأة من جنسيات مختلفة ومن دول آسيوية وأفريقية يعملن كـ «خادمات» في المنازل. تشير الاحصاءات أن كل 44 مواطناً لبنانياً لديهم عاملة منزل. هذا العدد الكبير من العاملات ليس مطابقاً على الإطلاق لاقتصاد بلد يردد دائماً أنه على حافة الإنهيار نتيجة الديون.
بيت القصيد ليس هنا، بل في التقارير الدولية التي تعتبر لبنان من بين الأسوأ في التعامل مع العاملات الأجنبيات. فالاحصاءات الأمنية توثق موت عاملة انتحاراً على الأقل اسبوعياً. كذلك تشير الدراسات التي يجريها المهتمون بمناصرة حقوق العاملات في لبنان، أن عاملة على الأقل تنقل أسبوعياً إلى مستشفى الأمراض العقلية، والمؤسف أن الأطباء يشخصون تكراراً الحالة بـأن «أهل أفريقيا يصابون بأمراض ذهانية عندما يهاجرون»!
ونظراً لسوء المعاملة منعت دول عدة من بينها أثيوبيا وسيريلانكا النساء من العمل في لبنان. لكن أبوابا كثيرة فتحت على هذه العمالة الخاضعة لنظام الكفالة الجائر. فالعاملات يأتين من اندونيسيا والنيبال ومدغشقر، ومن كافة الدول الأفريقية تقريباً. ثمة قوانين مستجدة وضعت من خلال وزارة العمل، لكنها تحتاج لجهاز رقابة وتنفيذ. ويبقى وجود العاملة في الكثير من المنازل شبيها بالعبودية.
مُهانة اسحاق المحامية التي تشرف على برنامج مناهضة العنف الجسدي والجنسي ضد العاملات الأجنبيات في جمعية «كفى» والمحامية بالإستئناف ردت على أسئلتنا حول القوانين التي تحكم وجود العاملات المنزليات في لبنان:
○ هل توافقين على التقرير الذي يضع لبنان من بين الدول الأسوأ في التعامل مع العاملات المنزليات؟
• لبنان واحد من الدول العربية التي تتشابه في صلتها بواقع العاملات الأجنبيات. في كافة الدول العربية نحن مع نظام الكفالة الذي يحكم هذه العلاقة. هو نظام غير موجود على الإطلاق في أي دولة غربية تحترم حقوق الإنسان. نظام الكفالة مسؤول عن كافة الاشكاليات، وهو الذي يؤدي للنظرة الدونية للعاملات في المنازل.
○ كون نظام الكفالة هو راعي العلاقة بين الطرفين فما هي الحقوق التي يعطيها للعاملة ولرب العمل؟
• نظام الكفالة ليس محكوماً بقانون له نص واضح. إنما يتم استخلاصه من خلال دخول العاملات وعملهن في لبنان. باختصار هو نص خاص بشروط الإقامة في لبنان تحديداً. ويشترط تقديم العاملة الأجنبية طلب موافقة مسبقة من وزارة العمل للسماح لها بالعمل في لبنان، ويجب أن يترافق مع اسم الكفيل وهويته وبشكل واضح. وبعد وصولها إلى لبنان عليها الحصول على إجازة عمل وإقامة، وهنا أيضاً يجب تحديد اسم رب العمل. هذا من حيث النص. وفي حال انتقال تلك العاملة من بيت لآخر فهي تحتاج لمستند تنازل يتبدل بموجبه اسم الكفيل. هذا نص يمكننا لمسه. أما في العرف السائد والتقاليد فليس لهذه العاملة أن تترك المنزل الذي تعمل فيه سوى بمعية الكفيل طيلة زمن العقد، وفي أحيان كثيرة يُقفل عليها الباب. إذاً هو ليس بإطار للعمل، بل نوعاً من العبودية. يضاف إليه الإستغلال في العمل، عدم دفع الأجور، التحقير والتعرض للعنف الجسدي والجنسي في أحيان كثيرة، سلبها حرية التنقل إلا بمعية الكفيل، عدم استفادتها من بنود عقد العمل الذي توقع عليه والذي ينص على يوم راحة أسبوعية، عدم تمكنها من فسخ العقد حتى عند توفر الشروط المنصوص عليها في عقد العمل. فهي لن تتمكن من الانتقال لكفيل آخر سوى بموافقة الكفيل الأول حتى وإن كان هو مسبب الفسخ. وعندها فلا حل أمامها سوى السفر إلى بلادها. إذاً نظام الكفالة هو شكل من أشكال العبودية المقنعة، شئنا أم أبينا ذلك. إنما هذا لا يعني أن كافة العائلات سواسية. فتنظيم العلاقة بين العاملة ورب العمل يستند إلى أخلاقيات فردية، وليس فقط إلى نظام قانوني وحقوقي صحيح.
○ وماذا عن قانون العمل اللبناني؟
• القانون يستثني من أحكامه فئة العاملات. فلا قانون نستند إليه في تنظيم هذه العلاقة بين العاملة ورب العمل. إنما تمّ وضع عقد عمل موحد، يلتزم فيه صاحب العمل وهو الكفيل، والعاملة بالتوقيع عليه لدى كاتب العدل عند تجديد كل إقامة وإجازة عمل سنوياً. هو بالطبع عقد قانوني. والنص هو شرعة المتعاقدين. هذا النص ينظم بعض الأمور، إنما هو في كثير من الحالات حبر على ورق. في الشكل القانوني، هو عقد مكتوب باللغة العربية، وهنا المخالفة القانونية الأولى، حيث توقع العاملة على حقوق والتزامات دون أن يتسنى لها الإطلاع عليها، حيث لا وجود لنسخة مترجمة. الرضى الحر هو أن يعرف الشخص مدى الإلتزام الذي وقّع عليه وتبعاته. ليس هذا وحسب. بل حتى أصحاب العمل لا يعرفون بوضوح حقوقهم وواجباتهم. يكتفون بالتوقيع لدى كاتب العدل دون الإطلاع على العقد. يطلع على سلوكيات جاره في هذا الموضوع وينسخ عنه. منهم على سبيل المثال من يستغرب أن لهذه العاملة يوم راحة أسبوعية. حتى الانتهاكات التي تلحق بتلك العاملات تكون نتيجة خبرات الآخرين. كمثل إقفال الباب خوفاً من هرب العاملة، منعها من التواصل مع أخرى من جنسيتها، حرمانها من الهاتف. كل هذا كي لا تتعرف إلى حقوقها.
○ من المعروف أن السفارات التي تنتمي إليها تلك العاملات تزودهن برقم هاتفي للإاتصال في حالات الضرورة؟
• نعرف أن الكثير من المعاملات يلقين أفضل معاملة، وأن شروط العقد كافة تتوفر لهن. لكن الفئة الأكبر هن العاملات اللواتي يعجزن عن التواصل مع طبيب شرعي في حال تعرضهن للعنف. فالباب مقفل وكذلك الهاتف. لهذا نقول بأن العقد شكلي وصوري. فتعرّض العاملة لعنف، وثبوت ذلك في تقرير طبي ـ وهو شرط أساسي لإثبات الحق ـ فإن كانت العاملة عاجزة عن ترك البيت وزيارة الطبيب، عندها يكون هذا الحق ملغيا. أما بخصوص الأجور شئنا أم أبينا فالعاملة هي الطرف الأضعف، فإن لم يلتزم رب العمل بدفع الأجور لأشهر فكيف لها أن تتمكن من تحصيل حقوقها؟ إن أرادت فسخ العقد والتقدم بشكوى قضائية فهل لها ذلك؟ فمجرد تركها المنزل وإقامتها خارجه تكون قد خالفت نظام الإقامة، وتالياً تصبح عُرضة للتوقيف. وإن تمكنت من تكليف محام فلن يكون لها حق البقاء في لبنان، لأنها ستسفر، ويلي ذلك أن المحاكمة ستتم في غيابها، وعندها ستكون عملية الإثبات صعبة لأن المحكمة تحتاج في أحيان لمواجهة الفريقين أحدهما بالآخر. إذاً هناك الكثير من الأمور التي تشكل عائقاً أمام تطبيق العقد ووصول العاملة لحقوقها.
○ كيف ينظر العالم المتقدم إلى نظام الكفالة الذي يحكم العاملات المنزليات في الدول العربية؟
• لا شك أن الدول التي ترعى حقوق الإنسان وبخاصة أوروبا لن تتمكن من تصور هذا الواقع. فهل يمكن في هذا العصر أن تصبح إنسانة ملازمة لأحدهم أو إحداهن كما خيالها؟ وبأجر متدن، هذا إذا تمّ دفعه؟ شكل التعامل مع العاملات المنزليات هو شكل عبودي بالكامل. فعندما لا تتمكن هذه العاملة من قضاء يوم إجازة خارج المنزل، والتنقل بحرية، ونيل حريتها بالتعامل مع العالم الخارجي بدون سلطة صاحب العمل، وإقامة علاقات خاصة خارج إطار العمل، عندها لا شك سيتم تصنيفها كإنسان مسلوب الحرية. والإحتجاز داخل المنزل واقفال الباب مخالف لمبدأ أساسي في الدستور اللبناني وهو حرية التنقل. كما أن ظروف العمل تجعل حقوقها الإنسانية كافة مسلوبة؟
○ تحرك المجتمع المدني في لبنان لدعم حقوق العاملات الأجنبيات دائم، فهل أدى إلى تغــيير ما على صــعـــيد التــشريـعـــات سواء من قـــبـــل وزارة العمل أو الأمن العام اللبناني؟
• بالعودة إلى بنود عقد العمل الذي يوقع سنوياً لدى كاتب العدل، فهو يحدد ساعات العمل، وساعات الراحة المتواصلة التي يجب أن لا تقل عن ثماني ساعات. كذلك يوم الراحة الأسبوعي، وحق فسخ القعد. هي حقوق يذكرها النص لكن من يضمن تطبيقها؟ فالعقد ينص على عمل يمتد لـ 10 ساعات متقطعة، وأن تستفيد من 10 ساعات راحة متواصلة. من يراقب تطبيق النص؟ وكيف المحاسبة على مخالفته؟ المشكلة إذاً في التطبيق حيث لا جهاز لدى وزارة العمل يقوم بذلك. ففي لبنان ما يفوق الـ 200 ألف عاملة أجنبية، وهذا يعني حاجتنا لجهاز كبير ومتخصص ليتمكن من الإشراف على تطبيق تلك العقود. ومن جهة ثانية، وفي حال ثبُت وجود مخالفات أو انتهاكات، فمن سيحاسب أو يحاكم؟ ليس عندنا حالياً محكمة خاصة للبت بالنزاعات الخاصة بالعاملات. فظروف بقائهن في لبنان لزمن محدد تحتم خضوع النزاعات الخاصة بهن إلى محاكمة سريعة. وكذلك أن يتم تعديل وسائل الإثبات. فهذه الانتهاكات تتم ضمن أربعة جدران، لهذا يكون الاثبات صعباً، وفي ذلك نحن نستند إلى القضاء العادي المدني، وهذا لا يعني أنه سيء، إنما تستغرق المحاكمة وقتاً طويلاً قد يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات. هذا إذا تمّ التمكن من إثبات الحق، فغياب العاملة يُصعِّب المحاكمة. وكيف للقاضي أن يحكم بدون وجود أثر للعنف؟ وفي حال عدم دفع الأجور، وقول صاحب العمل بأنه دفعها، فكيف التثبت من ذلك؟ كمدافعين عن حقوق العاملات وقطعاً للجدل بالدفع او عدمه نطالب بدفع الأجور عبر مصرف محدد، كما الكثير من العاملين في لبنان. وهذا يشكل دليلاً قاطعاً لمصلحة الطرفين.
○ هل باتت العاملات المنزليات يعرفن بوجود مجتمع مدني يساندهن؟ وهل لديهن وسائل اتصال بالجمعيات المعنية؟
• يمكن لهذه العاملة التعرف إلى الجمعيات المساندة عبر سفارة بلادها أو عبر الجيران، هذا إذا تمكنت من التواصل معهما. نحن كجمعية «كفى» تصلنا أغلب حالات الإنتهاك والاستغلال عبر جيران تلك العاملات. وغالباً ما تكون المشرفة هي سبيل التواصل معهن. أي إنسان مدني يعرف بوجود جرم اعتداء جسدي أو اغتصاب أو حتى إحتمال وجود هذا الجرم يمكنه تبليغ قوى الأمن الداخلي، التي عليها التحرك في حال وجود خطر على هذا الشخص أو تلك العاملة.
○ ذكر وزير العمل سجعان قزي أن وزارته لن تعطي إذناً باستقدام عاملات منزليات في حال كان المكتب يضع اعلاناً يفيد بأنه «يستقدم خادمات من ومن..» في طريقي للحوار معك وجدت الكثير منها وأحد المكاتب يعرّف عن نفسه «بيت الخدم». ماذا تقولين كناشطة اجتماعية وحقوقية؟
• نحن في جمعية «كفى» عندما نعرف بوجود انتهاك من هذا النوع نبلغ وزارة العمل. مسؤوليتنا كمجتمع مدني أن نضيء على المخالفات والإنتهاكات وكل فريق ضمن إطار عمله. نحن نهتم بالعنف والانتهاكات بشكل خاص، ونعمل لتبليغ الأمن العام ووزارة العمل عن بعض المخالفات. لكني أعود إلى المراقبة والمحاسبة، نحن نفتقد للجهاز البشري الذي يقوم بذلك وبخاصة في وزارة العمل.
○ ثمة سفارات تحركت لتحصيل حقوق مواطناتها منهم أثيوبيا حيث كثرت حالات الانتحار بين فتياتها. فهل تمكنت من توقيع اتفاقيات ثنائية مع الدولة اللبنانية؟
• يمكن للسفارات أن تفيد بنفسها عن ما حققته. المعروف أن بعض الدول حظرّت على نسائها القدوم إلى لبنان من بينها أثيوبيا وسيريلانكا وغيرها. للأسف هذا لم يمنع قدومهن حيث اصبحن أكثر عرضة للإستغلال، لأنهن تأتين عبر شبكات إتجار بالبشر. تهتم بعض السفارات بمواطناتها العاملات في لبنان كمثل سفارة الفيلبين وأثيوبيا. أما القنصليات فنشعر بضعف الامكانات لديها وكذلك ضعف الإهتمام بالجالية العاملة في لبنان وتأمين الحماية الحقيقية لأفرادها.
○ كمحامية وناشطة في المجتمع المدني ماذا تقولين عن ظاهرة انتحار عاملة على الأقل في لبنان أسبوعياً؟
• هذا يؤكد أن الوقت حان لأن نتحرر من نظام الكفالة الذي يؤدي لمثل تلك الحالات. وعلينا أن نتحرر حتى في أفكارنا من نظرة الاستعباد لهذه الفئة من الناس. ما نقوم به يضعنا حكماً خارج إطار الزمن المتطور على صعيد حقوق الإنسان. ثمة علامات استفهام كثيرة حول هذا العدد الكبير من حالات انتحار العاملات؟ نحن نعمل لحث القوى الأمنية لإجراء تحقيقات أكثر جدية حول هذه الأحداث، وصولاً إلى حقيقة سبب الانتحار. هل هو فعلاً انتحار بمعزل عن ظروف العمل؟ هل هو كما يقال خاص بشخص العاملة ومشاكل نفسية يدّعونها لديها؟ أم هي ظروف عمل تؤدي إلى الوقوف أمام حائط مسدود بحيث يكون الموت انتحاراً هو الحل؟ الضروري هو تغيير الذهنيات في لبنان. فهل هناك أسوأ من عائلة تتناول الطعام في مطعم، والعاملة تهتم بالطفل بعيداً عن الطعام؟
○ نحن مجتمع يدّعي الحضارة فمتى سيحين زمن تخلصه من عار استعباد العاملات المنزليات؟
• يجب أن نبحث عن علاج للإنفصام الذي نعيشه. ندعي التطور شكلاً ونمارسه كذلك شكلاً، وفي أعماقنا نعيش افكاراً متحجرة، أفكاراً تحكمها العنصرية والانتقام والثأر.
زهرة مرعي