ميرال أقشينار زعيمة حزب الجيد المعارض
إسطنبول-“القدس العربي”: على الرغم من أن استراتيجيته لخفض الفائدة أدت في السنوات القليلة الأخيرة فقط إلى الإطاحة بوزيري مالية وثلاثة رؤساء للبنك المركزي تباعاً، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا زال يُصر على مواصلة خطته لتحقيق مزيد من الخفض في أسعار الفائدة على اعتبار أن ذلك سيؤدي إلى خفض التضخم وهو الطرح الذي يختلف معه فيه معظم السياسيين والاقتصاديين الأتراك حتى من وزراء حكومته.
وإلى جانب توصيف نفسه على أنه عدو أسعار الفائدة يتبنى الرئيس التركي نظرية اقتصادية تقول إن “التضخم نتيجة وليس سبباً” وبالتالي يُصر على أن سياسته لخفض الفائدة ستؤدي إلى خفض التضخم، إلا أن كثير من السياسيين والاقتصاديين الأتراك يختلفون مع طرح أردوغان مشددين على أن كافة الحكومات تلجأ إلى رفع الفائدة لخفض التضخم وليس العكس.
والخميس، سخرت ميرال أقشينار زعيمة حزب الجيد المعارض من طرح أردوغان بالقول “أرى أن أقرب تشبيه لطرح أردوغان هو القول إن الشمسية سبب سقوط المطر، إذا فتحناها يسقط المطر ولكن لو أغلقناها يتوقف المطر، هذا هو طرح أردوغان”، معتبرة أن الاقتصاديين في العالم لم يناقشوا خطأ هذه النظرية “لأنها باختصار لا تحتاج عناء الحاجة لإثبات عدم صحتها”.
ومنذ سنوات، يحاول أردوغان خفض أسعار الفائدة، وما يلبث أن ينجح في خفضها عدة نقاط حتى كانت تجبره الضغوط الاقتصادية من ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة إلى إفساح المجال أمام البنك المركزي مجدداً لرفع أسعار الفائدة للسيطرة على المؤشرات الاقتصادية السلبية التي خلفتها قرارات خفض الفائدة طوال السنوات الماضية.
لكن الرئيس التركي يبدو هذه المرة أكثر إصراراً من أي مرحلة سابقة، حيث يؤكد بشكل قاطع أنه مصمم على مواصلة استراتيجيته لخفض أسعار الفائدة “مهما كانت النتائج” حيث واصل ضغوطه على وزراء الخزانة والمالية ورؤساء البنك المركزي ويقول إنه سيواصل هذا التوجه على الرغم من انخفاض قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة مقتربة من 14 ليرة للدولار الأمريكي الواحد.
وخلال العامين الأخيرين، أدت سياسية أردوغان إلى الإطاحة بوزيرين للخزانة والمالية على التوالي، حيث استقال برات البيرق في نوفمبر 2020 تحت وطأة الانتقادات والخلافات المترتبة على سياسات خفض الفائدة، قبل أن يقدم خلفه لطفي علوان استقالته، الأربعاء، عقب تسريبات عن خلافات عميقة بينه وبين الرئيس لمعارضته سياسة الرئيس المتعلقة بخفض الفائدة وهو ما دفع أردوغان للقول إنه “لن يواصل الطريق مع رفاقه ممن يؤيدون رفع أسعار الفائدة” وهي التصريحات التي لم يصفق لها علوان وكانت بمثابة إعلان مبكر لقرب رحيله عن فريق الرئيس الاقتصادي.
وبالتزامن مع ذلك، أطاح أردوغان تباعاً بثلاثة رؤساء للبنك المركزي التركي، فعقب فترة مراد تشيتين كايا التي استمرت من 2016 إلى 2019، أطيح بخلفه مراد أويصال خلال أقل من عام، كما لم يستمر خلفه ناجي أغبال أكثر من عام، وصولاً لحقبة شهاب كافجي أوغلو الذي عين قبل أشهر وما زال في منصبه حتى اليوم باعتباره من أكثر المتوافقين مع توجهات أردوغان بخفض الفائدة ولا يعارض فكرة تدخل الرئيس في قرارات البنك رغم تأكيده الدائم على استقلاليته.
هذه التغييرات المتلاحقة في رأس الهرم الاقتصادي في البلاد خلفت حالة من عدم الاستقرار والتشكيك في ثبات التوجهات الاقتصادية في إدارة الرئيس الذي يبدي إصراراً غير مسبوق على مواصلة تنفيذ توجهاته هذه المرة “مهما كلفه ذلك من نتائج”، ولم يتردد بالاعتراف بأنه على معرفة تامة بأن ما يقوم به من خطوات تحمل في طياتها “مخاطر سياسية عالية على الرغم من إيمانه بصحتها اقتصادياً”.
وعبر أردوغان أيضاً عن ثقته بسياساته الاقتصادية بالقول “باعتباري أقدم القادة في أوروبا والعالم نعمل على تأسيس تركيا القوية والكبيرة، نحن نعرف ما نقوم به، ولماذا نقوم به، وكيف نقوم به، وما هي المخاطر التي سنواجهها، ونعرف تماماً ما الذي سنحصل عليه في النهاية”، في حين أكدت شخصيات سياسية واقتصادية مقربة من الرئيس عن ثقتها بأن النتائج الإيجابية لهذه السياسة سوف تبدأ في الظهور تباعاً خلال الأشهر المقبلة.
هذه التصريحات تشير بشكل واضح إلى التحذيرات المتزايدة من أن سياسات أردوغان الحالية التي تأتي قبل نحو عام ونصف من الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة يونيو/حزيران 2023 تهدد مستقبل أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الحكم وذلك بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تسببت فيها لشريحة واسعة من المواطنين الذين يعانون من ارتفاع الأسعار الكبير جداً والذي أثر على كافة مناحي الحياة لديهم.
إلا أن الرئيس والمقربون منه يرون عكس ذلك، باعتبار أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير سوف يؤدي إلى تراجع عجلة الاقتصاد وبالتالي انخفاض معدلات النمو والمشاريع والاستثمارات، وبالتالي تراجع التشغيل وفرص العمل مع استمرار ارتفاع التضخم وغلاء الأسعار وهو ما سيهدد بالفعل حظوظ أردوغان في الانتخابات المقبلة.
ويرون في المقابل، أن سياسة خفض الفائدة سوف تؤدي إلى صعوبات على المدى القصير قبل أن تبدأ النتائج الإيجابية بالظهور تدريجياً وذلك من خلال تحفيز الاقتصاد والدفع نحو زيادة النمو والاستثمار وهو ما سيؤدي بدوره لزيادة الإنتاج وخفض الأسعار إلى جانب زيادة التشغيل وتوفر فرص العمل وتحفيز شراء العقارات وتشجيع المواطنين على الاقتراض والقيام بمشاريع وهو ما سيساهم في تنشيط عجلة الاقتصاد بشكل عام.