القِدْر الإيراني والأثافي الثلاث ونيران غير هادئة

حجم الخط
3

حزب الله اللبناني والذي لمع نجمه بعد عقد اتفاق الطائف كونه لم يكن من الفصائل المتنازعة في الحرب الأهلية اللبنانية بل كان مجال عمله هو الحدود الإسرائيلية، وبالتالي لم يتم تجريده من السلاح، ظل يعتبر حركة مقاومة وطنية يحترمها الجميع وخاصة المسلمين سنة وشيعة. إلا أن اتهامه بالمشاركة بشكل أو بآخر في اغتيال «رفيق الحريري» غير المواقف السنية منه لاسيما أن دولاً عدة وجدت بعد ذلك أنه مجرد يد إيرانية في المنطقة.
نمت علاقة حزب الله اللبناني بالنظام السوري نمواً سريعاً خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ بدا واضحاً أنه يشكل إحدى الأثافي الثلاث التي لا بد من تعاضدها لحمل المشروع الإيراني والذي يطبخ على نار ليست بهادئة مطلقاً، فالحلقة غير المفقودة حتى اللحظة والتي لا بد من وجودها للربط بين النظام الإيراني وذراعه الطولى في الجنوب اللبناني دون أدنى شك هو النظام السوري والذي حافظ على هذا الربط على مدى عقود مضت بإخلاص لم يخلصه لأي جهة دولية كان عميلاً وخادماً لها في المنطقة.
شكل اندلاع الثورة الشعبية في سوريا ضد نظام بشار الأسد تهديداً حقيقياً بالنسبة للمشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وما اندفاع إيران واندفاع حزب الله بإيعاز منها لتقديم الدعم والمساندة العسكرية للنظام السوري، إلا تعبيراً عن رعب دب في قلوب السياسيين الإيرانيين وخوفاً من فقد الحلقة الهامة لاستمرار تصاعد الهيمنة الإيرانية في دول المنطقة. فبشار الأسد ليس شخصاً مهماً بالنسبة لإيران بقدر ما هو رمز للنظام وابن الحليف الراحل حافظ الأسد، والمحافظة عليه والإبقاء على قبضة رجالات الحرس الثوري محكمة حول عنقه هو الحل الأمثل بالنسبة لطهران.
ومن المعروف أن النظام السوري بوصفه «داعماً لحركات المقاومة» قد أقام علاقات تعاون أمني مع حزب الله بل وفر له مناطق خاصة به على الأرض السورية ومعسكرات تدريب متعددة، كما زودته بالكثير من احتياجاته العسكرية واللوجستية خلال العقدين الماضيين، فكان رد الجميل بتوجيه إيراني مدروس بإحكام مع بدايات الحراك الشعبي في سوريا، حيث قدم الحزب خيرة ضباطه وجنوده لتدريب عناصر لم يخضعوا سابقاً لتدريبات عسكرية تخص حرب الشوارع وخاصة أولئك الذين أطلق عليهم اسم «اللجان الشعبية» أو قوات «الدفاع الوطني» ليتدرج الدعم العسكري شيئاً فشيئاً ليصل الحزب إلى التدخل العسكري المباشر ومن ثم ليعترف بهذا التدخل ويفقد باقي الأوراق التي كان يمتلكها عربياً وإقليمياً، بل صنف من قبل بعض الدول كمنظمة إرهابية.
ووجد حزب الله نفسه غارقاً في المستنقع السوري بعد أن ورطه النظام السوري بالتوغل في المدن والبلدات السورية، ما تسبب بخسارته لمئات من ضباط وجنود النخبة في صفوف كتائبه وألويته، وأصبح الانسحاب غير ممكن بعد أن توغل جنود الحزب في مناطق قد يصعب خروجهم منها لحظة يشاؤون، لاسيما أن الكثير من هذه المناطق أصبح محكم الحصار من قبل فصائل الحر والعدو الأقوى بالنسبة للحزب وهي «الفصائل الإسلامية» كجبهة النصرة على سبيل المثال.
يتوزع مقاتلو الحزب في سوريا في أسخن المناطق السورية، وغالباً ما يتم انتشارهم في مناطق تحتوي قرى وبلدات تنتمي للمذهب الشيعي، كــ «نبل والزهراء» في ريف حلب، و»الفوعة» في ريف ادلب، و»القصير» في ريف حمص، بالإضافة إلى توغله في منطقة القلمون حيث يمتد الشريط الحدودي اللبناني والذي يرغم الحزب على القتال على طوله منعاً لتقدم التشكيلات العسكرية الإسلامية، وبهذا يتورط الحزب بمعارك طويلة الأمد مع «جبهة النصرة» والتي أسرت وقتلت العديد من جنوده.
يضعف حزب الله يوماً بعد يوم، ويفقد رجاله المدربين كلما امتد أمد الصراع في سوريا، فلا يكاد يمر يوم إلا ويخسر الحزب عدداً من جنوده، وما حدث في القنيطرة منذ أيام عندما قصفت القوات الإسرائيلية موقعاً كان يتواجد فيه عدد من جنود الحزب لقوا حتفهم جميعاً كان مثالاً على استنزاف الحزب، على الرغم من أن هذه الحادثة بدت غامضة وتحتاج الكثير من التوضيح، فقبل عملية القصف هذه بساعات تحطمت طائرة شحن عند مطار «أبو الضهور» في ريف إدلب والذي تحاصره جبهة النصرة، ووردت معلومات تفيد بأن العديد من عناصر حزب الله برفقة ضباط إيرانيين قد قتلوا لدى تحطم الطائرة، أما القصف الإسرائيلي للموقع فتم استغلاله للترويج لمقتل هؤلاء بنيران إسرائيلية، في حين أنهم قتلوا في إدلب.
ويعتمد النظام السوري على مقاتلي حزب الله في قيادة معظم العمليات العسكرية التي يقوم بها مقاتلون متطوعون غير عسكريين من سوريا والعراق ودول أخرى لا يجمعهم في هذا المكان المشتعل إلا الرابط الطائفي، حيث أن عناصر الحزب هم الأكثر تدريباً وشجاعة وقدرة على الاقتحام والتقدم على شكل قوات مشاة، بينما الفصائل الشيعية العراقية أو السورية ليست بالخبرة الكافية ولا الاندفاع الكافي، فالعقيدة التي زرعت عبر سنوات في عقول مقاتلي الحزب كافية لأن يستمر العنصر منهم بالتقدم حتى الوصول إلى الهدف أو الموقع المراد السيطرة عليه، أو الموت.. لذا تكون المعارك التي يشترك فيها عناصر من الحزب أشد دموية من غيرها، كونها لا تحتوي على فكر الانسحاب مطلقاً بل غالباً يقوم عناصر حزب الله بقتل من يفكر بالانسحاب من الميليشيات الشيعية الأخرى، وخير مثال على تلك المعارك معارك ريف حلب الشمالي والتي خسر فيها حزب الله مئات المقاتلين على الرغم من خسارة الطرف الآخر عدداً أكبر، إلا أن الفصائل الإسلامية التي واجهت وما زالت تواجه الحزب في ريف حلب لا مشكلة لديها في استشهاد عدد كبير من العناصر فعقيدة القتال حتى النهاية يشترك فيها كل المقاتلين الذين انخرطوا في اللعبة بدافع «ديني».

محمد اقبال بلو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية