رالف رانغنيك عالم تكتيك يبحث عن حلمه الضائع في مانشستر يونايتد

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: حين ترى المدرب الألماني رالف رانغنيك للمرة الأولى، تظن أنه ممثل هوليوودي قدير، أو ربما شخصية دبلوماسية كبيرة، بملامحه الصارمة ونظراته الحادة، كواحد من العباقرة القلائل، الذين حطموا أصنام وأفكار الآباء والأجداد المُقدسة، بإحداث ثورة تغيير في أساليب اللعب والرسوم التكتيكية النمطية، مطوعا علمه الواسع ودراسته الجامعية، لخدمة أفكاره الثورية، بخلاف موهبته الفطرية بالإبداع في المناصب الإدارية والفنية على حد سواء، ما يجسد لقبه الشهير في الإعلام الألماني «أستاذ كرة القدم»، وفي عبارة أخرى «عالم تكتيك»، لكن علاقته بالحظ والألقاب الجماعية الكبرى، لا تختلف كثيرا عن علاقة العرب باللغة الصينية، متمنيا تجسيد المثل الألماني الشهير «اغتنم فرصتك»، في تجربته التاريخية مع مانشستر يونايتد.

مواليد عام الكارثة

يقول موقع مانشستر يونايتد في تحقيق بعنوان «حقائق لا تعرفها عن المدرب الألماني رالف رانغنيك»، إنه من مواليد 29 يونيو / حزيران 1958، هناك في باكنانغ في ألمانيا الغربية، تحديدا بعد شهر من السقوط الشهير لـ«الشياطين الحمر» أمام بولتون بهدفين نظيفين في نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، والذي جاء بعد كارثة ميونيخ المأساوية، التي هزت العالم صباح السادس من فبراير / شباط لنفس العام، وعلى عكس أغلب الأطفال والمراهقين، لم يهدر وقته وطاقته في الأكاديميات وقطاعات الشباب، لالتزامه بدراسته وتعليمه الجامعي، الذي ختمه بشهادة تخرج من جامعة ساسيكس البريطانية، للارتقاء بوظيفته كأستاذ للرياضة واللغة الإنكليزية في جامعة شتوتغارت عام 1977. تلك الفترة، التي مارس خلالها لعبته المفضلة مع فريق «في في إف بي شتوتغارت» في دوري الهواة، وهو نفس ما فعله في السنوات التي قضاها في الساحل الجنوبي في إنكلترا، باللعب مع نادي ساوثويك التابع لمنطقة ساسيكس الغربية، ذاك النادي الذي دافع عن ألوانه في 11 مباراة في مركزه المفضل لاعب وسط مدافع، قبل أن تتبدل أوضاعه من النقيض إلى النقيض، بتعرضه لإصابة شبه مميتة، احتاج خلالها لقضاء أسابيع في المستشفى، للتعافي مما تم تشخصيه بـ«ثقب في الرئة وكسر في الضلوع».

كفاح مع الهواة

بعد شفائه من الإصابة السيئة وعودته إلى وطنه، ساهم في صعود أولم إلى دوري القسم الثاني، بعدها عمل كلاعب ومدرب لفريق مسقط رأسه فيكتوريا باكنانغ، وآنذاك في منتصف ثمانينات القرن الماضي، قد عزز قدراته ومؤهلاته التدريبية بالحصول على رخصة تدريب (A) من قبل الاتحاد الأوروبي. ومن حين الى آخر، ظل يجمع بين وظيفتي المدرب واللاعب مع فرق الهواة، أبرزها تجاربه مع «في في إف بي شتوتغارت» وفورتينبرغ وأولم وأندية أخرى في نفس الدرجة، إلى أن قرر الحصول على استراحة المحارب في عام 1994، بالتفرغ لعمله في مركز إعادة التأهيل في بولينغين، ليعود من الباب الكبير في النصف الثاني في حقبة التسعينات، بتحوله إلى نجم تلفزيوني عبر شاشة (ZDF)، حيث كانت تنتظره الجماهير للاستمتاع بتحليله وأفكاره المجنونة على «السبورة»، ما ساهم في حصوله على لقب «أستاذ الكرة»، وذاع صيته أكثر من أي وقت مضى، بعد نجاحه في قيادة أولم للوصول الى البوندسليغا للمرة الأولى والأخيرة في تاريخه في النسخة الأخيرة للقرن الماضي، وكرر نفس الإنجاز مع هانوفر، الذي ظل يبحث عن العودة للبوندسليغا منذ موسم 1991-1992، إلى أن جاء رالف في صيف 2001، لينجح في تحقيق ما عجز عنه 13 مدربا تناوبوا على تدريب ممثل ساكسونيا طيلة هذه الفترة، إذ أنه حول الفريق إلى قوة مهيمنة على البوندسليغا بي، انتهت بالتربع على الصدارة بفارق 10 نقاط عن أقرب ملاحقيه، ومعها انتعش اسمه في سوق المدربين، وفي غضون عامين، قدم أوراق اعتماده، كمدرب على مستوى وكفاءة وجودة الأندية الكبرى الطامحة في مزاحمة كبير القوم بايرن ميونيخ على الألقاب المحلية.

صعود وهبوط

ذاق طعم النجاح للمرة الأولى في أعلى مستوى تنافسي، في مستهل ولايته الأولى مع شالكه، حين تولى قيادة الأزرق الملكي الألماني خلفا ليوب هاينكيس في سبتمبر / أيلول 2004، ليضع الفريق على الطريق الصحيح بأثر فوري، الى درجة أنه افتك صدارة البوندسليغا من بايرن ميونيخ بعد الفوز عليه في الجولة الخامسة في موسم 2004-2005، لكن الهزة التي تعرض لها في المباريات الخمس التي أعقبت الانتصار المظفر على العملاق البافاري، ساهمت بشكل مباشر في فوز البايرن باللقب، لينهي الموسم في وصافة البوندسليغا وكأس ألمانيا، الأمر الذي جعله مرشحا فوق العادة لمنصب مساعد مدرب منتخب المانشافات آنذاك يورغن كلينسمان، ومع ذلك، ذهب المنصب لمواطنه يواكيم لوف، الذي أحكم سيطرته في ما بعد على الوظيفة المرموقة لأكثر من عقد من الزمان. في المقابل، أخذت مسيرة رالف منحنى منخفضا، لا سيما بعد نهايته الدرامية مع شالكه، التي استنفدت الكثير من سمعته في سوق المدربين، على إثر اعترافه غير الموفق، حول رغبته في الرحيل عن المؤسسة في نهاية الموسم، وكان ذلك في أواخر النصف الأول لموسم 2005-2006، ليدفع ضريبة باهظة الثمن، بخسارة وظيفته بعد 48 ساعة من تصريحاته، التي تسببت في انقلاب الجماهير والرأي العام عليه، أكثر من توابع الهزائم الثقيلة التي تعرض لها في نفس الفترة، أشهرها ليلة الإذلال الكبير على يد فرانكفورت بالستة في الكأس، ليفاجأ الجميع بالعودة من حيث أتى، وذلك بالإشراف على مشروع هوفنهايم المجهول في دوري القسم الثالث عام 2006، وحسنا فعل بوضع فريقه على خارطة الكرة الألمانية، بقيادته في غضون عامين لتأهل تاريخي للبوندسليغا. ورغم الشراكة الناجحة، التي امتدت لموسمين ونصف موسم آخرين في دوري الدرجة الأولى، إلا أنه اضطر للاعتذار عن استكمال مهمته في منتصف موسم 2011، اعتراضا على بيع اكتشافه غوستافو لويز لبايرن ميونيخ رغما عنه.

كشاف الجواهر

مع الوقت، اكتشف المدرب الستيني مواهبه المتعددة في التقاط الجواهر الخام على مستوى اللاعبين والمدربين، وبدأها بانتشال عبقري الوقت الراهن توماس توخيل من براثن الضياع وحياة العاملين في القطاعات الخاصة، الذين ينتظرون راتبهم الشهري على أحر من الجمر، وحدث ذلك في بداية الألفية الجديدة، حين اتجه توخيل الى العمل «نادلا في إحدى الحانات»، بعد ما أجبر على اعتزال اللعبة، لمعاناته مع إصابة مزمنة على مستوى الركبة، إذ يقول رانغينك: «توخيل أصبح مدربا بفضلي، لم يكن يريد العمل في كرة القدم، كان نادلا في إحدى الحانات، ومنحته الفرصة مع شباب شتوتغارت»، التي كانت بوابته لاقتحام عالم التدريب من الباب الكبير مع ماينز ثم بوروسيا دورتموند وباريس سان جيرمان والآن مع تشلسي، غير أنه فعل نفس الأمر مع الشاب جوليان ناغلسمان، عندما ترك الإدارة الفنية لفريق لايبزيغ وعاد إلى منصبه كمدير رياضي، بعد إتمام مهمته بإعادة الفريق إلى دوري أبطال أوروبا، ولا ننسى أنه «الأب الروحي» ليورغن كلوب. هذا بخلاف عينه الخبيرة في التنقيب عن المواهب النادرة، التي يلتقطها بأرقام رمزية، وفي فترة قياسية تباع بعشرات الملايين، منهم على سبيل المثال لا الحصر نابي كيتا وساديو ماني وتيمو فيرنر وإيرلنغ براوت هالاند، وهؤلاء فقط في فترة عمله التاريخية مع شركة «ريد بول» في النمسا وألمانيا، وقبلها بسنوات أهدى ألمانيا حامي العرين والقائد مانويل نوير، وأسماء أخرى صُنعت نجوميتها على يد الخبير الألماني.

ملك الوقت والحلم الضائع

يبقى أكثر ما يُميز أسلوب وأفكار رانغنيك، تطبيق ما يُعرف بالضغط العكسي، مثل تلميذه النجيب يورغن كلوب، الذي دّشن إمبراطوريته في «آنفيلد»، بالاعتماد على فلسفة مُلهمه في عالم التدريب، بإعطاء أهمية وأولوية قصوى للطاقة والمجهود داخل المستطيل الأخضر، وهذا لا يطبق بفكرة الركض من أجل الركض، لكن بإستراتيجية ترتكز على تقديس الوقت، بمعنى أكثر دقة، أنه يقوم بتدريب اللاعبين على التصرف بالكرة بشكل إيجابي وشراسة واصرار على مرمى المنافس في أقل عدد من الثواني، ونفس الأمر في حالة خسارة الكرة واسترجاعها. بالإضافة إلى ما سبق، يمتاز بالمرونة التكتيكية، والتي تظهر في تنوع خططه وأفكاره في المباراة الواحدة، وهذا الأمر سيلاحظه عشاق مانشستر يونايتد، في تعديل خطة اللعب ربما أكثر من مرة في كل شوط، على سبيل المثال، طريقة الماسة 4-4-2، أحيانا تتحول معه إلى 4-2-2-2، كما أنه من حين الى آخر يفاجئ خصومه بالعودة إلى النظام الكلاسيكي القديم 3-5-2، مع تحديثات جديدة، مثل خداع المنافس بلاعب وسط يتحول إلى رقم 9 في بعض الجمل التكتيكية المتفق عليها. وبوجه عام، يُعرف عنه أنه كرس حياته لتطوير أفكاره ومشاريعه في كرة القدم، ولديه مؤسسة خيرية تحمل اسمه، تقوم بدعم الأطفال بغض النظر عن حالتهم الاجتماعية. وبعد 28 عاما من ارتباطه بغابي، التي أنجب منها كيفن وديفيد، انفصل عنها لأسباب مجهولة بعد تكتم على الخبر دام 18 شهرا، والآن بات هدفه أو حلمه الأخير، هو كسر عقدته مع الألقاب الرسمية الكبرى، بعيدا عن أنصاف البطولات المحلية في النمسا وكأس الدوري الألماني وإنتر توتو، فهل يتحقق الحلم المشترك مع مانشستر يونايتد الغائب هو الآخر عن الألقاب منذ موسم جوزيه مورينيو الأول؟ هذا ما سنعرفه في نهاية فترته المؤقتة في القيادة الفنية لـ«الشياطين الحمر» مع إطلاق صافرة نهاية الموسم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية