اعلام العمل القومي العربي: الشهيد فؤاد الركابي (1من2)
عندما قال الركابي للنايف: يبدو يا مقدم أنك أخطأت العنوان، فأنا مناضل قومي والمناضل لا يتعامل مع ضباط الأمن والاستخباراتأحمد حسن البكر قال ان غواص البعث غاص وضبط سياسيا ينشط منذ ربع قرن.. فتبين ان الغواص اعوراعلام العمل القومي العربي: الشهيد فؤاد الركابي (1من2)هارون محمدكلمة الناشرانطلقت فكرة نشر أعمال الشهيد فؤاد الركابي باقتراح من الناشر إلي شخصية ناصرية مستقلة من العراق.. ولها سابق مساهمة في تمويل صحيفة الناصرية ، التي صدرت بلندن في مطلع ثمانينات القرن الماضي.. كانت الكتب الثلاثة الرئيسية، من أعمال الشهيد فؤاد الركابي، في حوزة الناشر، ولم يكن ينقص اكتمال العمل إلا كتاب الحل الأوحد ، الذي حصلنا علي نسخة مصورة منه، من قريب الشهيد ورفيق مسيرته عبد الله الركابي، الذي بذل، مع الكاتب العراقي هارون محمد، والكاتب المصري محمد عبد الحكم دياب، جهودا لاخراج هذه الأعمال وتدقيقها ومراجعتها، والتأكد من المعلومات المضمنة في سيرة الشهيد، والواردة في المقدمة. والهدف من نشر هذا التراث المعاصر هو إعطاء الجيل الجديد، ومن لم يعاصر هذه المرحلة، فكرة عن النشأة وعن الظروف السياسية والتاريخية التي أحاطت بتكوين هذه الشخصية الفذة، ورافقت كتابة هذه الأعمال حتي يوم الرحيل.وقد نجحنا من وضع العمل علي هذه الصورة التي بين يدي القارئ، واتفقنا علي أن يكون بداية سلسلة للتعريف بأعمال القوميين العرب الناصريين، من علماء ومفكرين وسياسيين ومثقفين.. ممن تركوا بصمات واضحة في تاريخ العرب المعاصر، ونثق بأن مثل هذا الجهد مطلوب في زمن ثقافة التفتيت والسياسات الانعزالية، ليعيد التذكير بثوابت الأمة، وتأكيد شخصيتها، والشد من أزر الذين يواجهون واقع التجزئة والتخلف، ويقاومون الضعف والخضوع والاستسلام، وليس معني هذا تكراراً لوقائع التاريخ أو استنساخ لتجارب الماضي، أو ترديد أفكار وطرح رؤي، كانت بنت عصرها ووليدة ظروفها، إنما يبقي الهدف هو تعميق مبدأ الوفاء للتاريخ وصناعه، والتصدي لعملية الطمس الجارية للذاكرة العربية.. لأن الشعوب إذا ما فقدت ذاكرتها فقدت شخصيتها، كمقدمة لفقدان وجودها ذاته. بجانب أن التعرف علي تفكير وتجارب من سبق، علي درب الكفاح العربي المعاصر، ضروري لاستخلاص دروس النجاح وعبر الاخفاق. فقد يكون ذلك مساعدا لجيل جديد يبحث عن مخرج لمأزق الأمة الراهن.يجب النظر إلي هذا النوع من الأعمال في السياق التاريخي، وضمن النطاق السياسي والاجتماعي، ومن خلال المحيط الإقليمي والظرف الدولي.. إنها أعمال بنت زمانها، الذي كان زمنا للتحرر من الاستعمار والاحتلال المباشر، وكان الناس يعيشون فيه تحت وطأة حرب باردة واستقطاب حاد بين قوتين عظميين، كل منهما تواجه الأخري.. كان التوجه نحو التحرر الوطني غالبا، وكان مطلب القوة والتكتل والوحدة ملحا، وكان التزاوج بين قضايا التحرر الوطني والعدل الاجتماعي، والتنمية المستقلة، والوحدة القومية، والتعاون الدولي بين الأمم، يسير في تناغم وتلازم، لأن قضية التحرير كانت من الشمول، بحيث جمعت كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقومية، وهو ما جعل كفاح العرب نموذجا يحتذي.. تطلعت إليه شعوب كثيرة. فمد العرب أيديهم، بالاحتضان والمساعدة والتأييد.. كان زمنا مختلفا عن زمن القطب الواحد، وعصرا لا يشبه عصر العودة الجديدة للاستعمار والاحتلال المباشر، ولا حقب تراجعت فيها حركات التحرر وانتكست فيها رايات الاستقلال، وصعدت فيها القوي الانعزالية وسادت بين حكامها سياسة التبعية.جاءت البداية مع واحد من رموز العمل القومي والناصري في العراق، في لحظة فاصلة من تاريخ هذا البلد العريق والأصيل ومن تاريخ أمته.. نراه يتعرض لأكبر مؤامرة دولية وإقليمية، تهدف إلي طمس هويته ووجوده، وسحبه من رصيد أمته، وتصفية دوره الحضاري، وذلك بتفكيك كيانه الوطني، وإلغاء وجوده العربي، وتزكية عوامل الضعف والتفتيت والصراع بين أهله، وإحياء مثل هذا التراث الوطني العربي الوحدوي، يساعد في كشف الفترات المضيئة في تاريخ الأمة، ويبين مقدار تضحيات رواد ورجال أوائل، سطروا صفحات هذا التاريخ بدمائهم.. لم يكن تأثير الركابي محصورا بالحدود السياسية والجغرافية للعراق، بل كان لدوره صداه واستجاباته خارج العراق.. صدي تردد في كافة أنحاء الوطن العربي الكبير.ولم يكن هذا العمل ليظهر بهذه الصورة لولا مساعدة ومساهمة أخوة، من بينهم المهندس العراقي طاهر الجيزاني الذي كان حلقة وصل بين فريق العمل والناشر مع السيد مهند الدرة شقيق السيدة الفاضلة سلوي الدرة ارملة المرحوم فؤاد الركابي ووفر بذلك معلومات هامة عن اسرة الشهيد بجانب مجموعة من الصور مرفقة بالملحق. كان هؤلاء الاخوة ولا يزالون، يساهمون في دعم العمل الوحدوي الناصري، في داخل العراق وخارجه. ولو لم يكن هذا الجهد الجماعي لما استطاع المركز العربي الدولي للإعلام أن ينجز هذا العمل بهذه الصورة، فشكرا وتقديرا للجميع مرة أخري.سيرة ذاتية وسياسيةالبدايات.. الركابي ثائراولد فؤاد الركابي بمدينة الناصرية، الواقعة علي نهر الفرات عام 1931. كان صبيا يمتلئ بالحيوية، وشابا ينبض بالحياة، ونشأ صلبا متمرسا علي مقارعة الظلم والقمع والاستبداد.. رافقته العزيمة منذ بواكير شبابه علي طريق الكفاح لتأمين مستقبل أفضل للعراق وتأكيد مجد الأمة العربية، وظل إلي يوم اغتياله، متفائلا بشعب العراق مؤمنا بحتمية انتصاره علي الذين تسلطوا عليه واستعبدوه، سواء كان ذلك بفعل الطابور الخامس في الداخل، أو بمساعدة السفارات وشركات النفط الأجنبية والدوائر الاستعمارية من الخارج.برز فؤاد الركابي كشخصية قيادية، وهو علي مقاعد الدراسة، في كلية الهندسة في بغداد، ونجح في لفت الانتباه إليه، في سن مبكرة، اتجهت إليه أنظار الشباب وطلبة الكليات والمعاهد، الذين كانوا، في ذلك الوقت، يشكلون الهيكل الأساسي لبدايات حزب البعث في العراق. وأصبح واحدا من الوجوه السياسية الشابة التي استقطبت الاهتمام من القوي الوطنية علي اختلاف توجهاتها، وتقديرا لمكانته وشخصيته وقع عليه الاختيار ليكون واحدا من قادة جبهة الاتحاد الوطني، إلي جانب قادة الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي العراقي، وممثلي التيارات الوطنية الأخري.بدأت صفحة الشهيد فؤاد الركابي واستمرت، من الصفحات الناصعة في تاريخ جيل عربي، عرفه البعض بجيل المأساة والوعي.. لأن وعيه تفتح علي مآسي وانتكاسات عديدة.. من آثار العسف العثماني وصولا إلي الاستعمار الغربي مرورا بالحربين العالميتين، الأولي والثانية..وما رافق كل ذلك من ثورات وانتفاضات، أغلبها غير مكتمل وبعضها مجهض. وانتهي الأمر بوطن عربي مجزأ، تستنزفه الدويلات والإمارات والمشيخات، وما لم يجزأ أضحي مستسلما وضعيفا وتابعا، أكثر نظمه تحركها خيوط الخارج، وصارت رديفا يوفر الأمن لكيان صهيوني غريب، تهمل أمنها، وتتقاعس في الدفاع عن مستقبلها، مع أن الجميع يعلم أن هذا الكيان هدفه إعاقة الامتداد الطبيعي للأرض العربية، ومنع التقاء مشرقها مع مغربها.وكان وعي ذلك الجيل بمستوي تحدي المأساة.. شاملا، وقويا ومؤثرا. وهذا هو الذي دفع الشهيد فؤاد الركابي إلي الانخراط في العمل القومي العربي مبكرا.. رأي فيه مفاتيح المستقبل العربي، وتطلع إليه بحثا عن إجابات لمسائل طرحتها المأساة علي أجيال الأمة، في مرحلة مفصلية من مراحلها.ولهذا يعد فؤاد الركابي واحدا من ألمع السياسيين العروبيين في القرن العشرين وأكثرهم فعالية، بعد أن لعب في عقدي الخمسينات والستينات، أدوارا مهمة في قيادة التيار القومي الوحدوي، في العراق والوطن العربي، وأثر في مسيرة التيار القومي العربي، خارج العراق. شغل منصب أول أمين سر للقيادة القطرية لحزب البعث في العراق، عندما كان حزبا وحدويا، ولم تكن البثور العشائرية والفئوية والطائفية والعنصرية الدموية قد طفحت علي جسده بعد.. كان له فضل السبق في التصدي لمن أيد انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة، بما فيهم الزعيم المؤسس ميشيل عفلق، ونظر إلي الموقف الانفصالي لهؤلاء باعتباره موقفا معاديا للتطلعات العربية، في تلك الحقبة. وأخذ علي عاتقه، يشاركه الراحل الكبير عبد الله الريماوي، من الأردن، تعرية العناصر الانفصالية التي تسللت إلي قيادة حزب البعث، مبكرا منذ عام 1960. استطاع الشهيد فؤاد الركابي بتميزه وقدراته وصدقه أن يترجم الوعي بالعروبة، إلي ممارسة حية. وهذا هو سبب انخراطه في الأحزاب والجمعيات والنوادي القومية، التي تشكلت للتصدي للمأساة القومية، ومكنه صدقه ومستوي وعيه وصلابته من التأثير في الحركات التي عمل ونشط فيها.. وعندما انتمي إلي صفوف البعث سرعان ما أصبح علي رأس قيادته. حتي تحول إلي رمز استثنائي، تجاوز قيادته التاريخية، بما ملك من قدرات، وبما لديه من طاقات. كانت بوصلة نضاله، منذ البداية، تنجذب نحو الاتجاه الصحيح. وهو بهذا يثبت أن انتماءه إلي حزب البعث لم يكن انتماء لتشكيلاته ذاتها، إنما انتماءً إلي ثوابت الأمة وروحها، ولما وجد العفن الانفصالي معششا بين جنباته، تصدي له بكل شجاعة، مما دفعه للتجاوب مع العمل والفكر القومي الناصري، الذي بدأ يتبلور مع تأميم عبد الناصر لقناة السويس وبروزه كقائد للعمل القومي العربي.أصغر الوزراء سناعندما أعلنت الجمهورية في العراق صبيحة 14 تموز (يوليو) 1958 أختير فؤاد الركابي، وهو ابن السابعة والعشرين من عمره، وزيرا لأهم وزارات ذلك الوقت، وهي وزارة الإعمار.. فقد كانت مسؤولة عن عمليات البناء والتنمية، ورغم أنه لم يمكث فيها غير شهور قليلة، إلا أنه ترك فيها بصماته من خلال التخطيط العلمي المبرمج، لمشاريع كبري تزامنت مع التطورات التي شهدها عهد الثورة، بلمساته الدقيقة وفكره الثاقب ونهجه الوطني، وكان أداؤه فيها مدعاة للدهشة والإعجاب حتي من خصومه السياسيين، الذين لم يخفوا تقديرهم لقدرات هذا الوزير الشاب. ومع أنه كان جزءا من حكومة الثورة، فقد آثر أن يقف ضد أي سلوك لا قومي، يظهر علي هذه الحكومة، وكان هذا دافعه إلي الاستقالة بتاريخ 5 شباط (فبراير) 1959، مع عدد من اخوانه الوزراء القوميين، لأنه تأكد من ابتعاد عبد الكريم قاسم، عن الخط الوحدوي للثورة ولتنظيم الضباط الأحرار، وإبان ثورة الموصل القومية، في أذار (مارس) 1959، وهي الثورة التي قادها الشهيد عبد الوهاب الشواف، صدر أمر بإلقاء القبض عليه، إلا أنه استطاع الاختفاء عن الأنظار، في منطقة راغبة خاتون ببغداد، وفي هذه الفترة خطط الشهيد فؤاد الركابي للتخلص من عبد الكريم قاسم، لموقفه المعادي من دولة الوحدة، ونزوعه الفردي والديكتاتوري ونهجه الانعزالي، وقد وصف الشهيد في كتابه الحل الأوحد هذه المحاولة، بأنها لم تكن محض محاولة اغتيال ومغامرة، قام بها بضعة أشخاص ضد فرد واحد، بل كانت العملية بمجملها، خطة ثورية متكاملة، تستهدف الإطاحة بنظام قاسم سياسيا، وتأمين الطريق للقوي القومية التقدمية لتملك زمام الموقف، وتقيم حكما قوميا تقدميا في العراق .بعد فشل المحاولة جرت حملة اعتقالات واسعة، استقر فيها النظام علي أن الشهيد الركابي هو مهندس العملية.. وقتها كان صدام شابا صغيرا من المجموعة المكلفة بتنفيذ عملية الاغتيال.. لعبت الصدفة دورا كبيرا في بروز اسمه بعدما تنحي أحد أفراد المجموعة المكلفة، هو شاكر حليوة، وزج صدام في العملية المسؤول عنه في ذلك الوقت، المرحوم عبد الخالق السامرائي، ورفيقه المرحوم أحمد طه عزوز، اللذين لم يفلتا من بطش صدام فيما بعد، فقد قتل الأول غيلة بعد اعتقال قسري لست سنوات متصلة، وحكم علي الثاني بالسجن المؤبد (منتصف التسعينات).بين مغادرة العراق والعودة إليه اضطر الشهيد إلي مغادرة العراق، بتاريخ 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 1959 إلي دمشق لاجئا، بصحبة رفيق دربه عبد الله الركابي، عقب فشل عملية اغتيال الزعيم (رتبة عسكرية) عبد الكريم قاسم، وفي سورية تأكدت كثير من ظنونه، التي كانت تلازمه منذ سنوات ماضية حول النوايا الانفصالية، التي تسللت إلي حزب البعث، واكتشف الأدوار الموكولة إلي قادته، لطعن الوحدة العربية، وسعيها إلي توجيه فروع الحزب الي منزلقات خطيرة، معاكسة لأهداف وشعارات الحزب ذاته حول الوحدة والحرية والاشتراكية، وكان علي قناعة بأن الإيحاء بالزهد من جانب ميشيل عفلق، ليس إلا تغطية لمخطط يستهدف تشويه منطلقات العمل القومي العربي، ويسعي لتعويق التوجه الوحدوي. وبعدها صدر عليه حكم بالإعدام غيابيا، في 26 أذار (مارس) 1960 من محكمة المهداوي. وتكشف له، وهو في سورية، حجم الدور النشط لميشيل عفلق علي الوحدة المصرية السورية وقيادة عبد الناصر لها، وأدرك جيدا الخيوط التي نسجتها أوساط استعمارية وصهيونية، وجدت دعما وتأييدا من أطراف عربية تشعر بخطر الوحدة وعبد الناصر عليها، لذلك آثر أن يذهب إلي القاهرة ليكون إلي جانب جمال عبد الناصر. ونظرا لهذه العلاقة الحميمية فقد حضر عبد الناصر حفل زفاف الركابي الذي سافر بعد زفافه إلي الخارج، وعرج علي مدينة مانشستر البريطانية حيث استقبل من قبل الطلاب القوميين والناصريينوكجزء من محاولات التصدي لمواجهة خطر الانفصال الذي يلوح في الأفق، عقد الشهيد فؤاد الركابي مؤتمرا صحافيا في فندق الريفييرا ببيروت، في 24 حزيران (يونيو) 1961، أي قبل الانفصال بـ 119 يوما فقط، أذاع، في هذا المؤتمر الصحافي، بيانا، كشف فيه العلاقة بين قادة حزب البعث، وفي مقدمتهم ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح البيطار، ودوائر أجنبية، وفضح المؤامرة علي الوحدة، كما تضمن البيان الالتزام بالفكر القومي الناصري، وتأكد هذا الالتزام بعد تنفيذ جريمة الانفصال، حيث حددت الأغلبية الساحقة من قيادات البعث موقفها من تلك القيادة، وقرر أكثرهم الالتزام بالتيار القومي الناصري، كالدكتور جمال الأتاسي في سورية، وعبد الله الريماوي وبهجت أبو غربية وحسني الحديدي وبسام الشكعة من الأردن وفلسطين، والدكتور خالد علي الصالح في العراق، وغيرهم الكثير. وعرف عنه أنه لم يكن ممن يهابون مواجهة الانحراف أو يتملقون إلي القائد المؤسس ووجد في رفيقه الفلسطيني عبد الله الريماوي، ونخبة طيبة من قيادات وكوادر حزب البعث في الدول العربية، تشجيعا فعملا علي مواجهة الانحراف وعمليات التسلل المنظمة إلي مستويات الحزب العليا بتشكيل القيادة الثورية لحزب البعث .وفي القاهرة التي أقام فيها منذ 1959 حتي نهاية عام 1963، كان الركابي الشخصية العراقية المرموقة والبارزة، التي كانت تحظي باحترام الرئيس جمال عبد الناصر، إلي جانب رموز قومية أخري، من أمثال عبد الرحمن البزاز وفائق السامرائي وغيرهما، ممن لجأوا إلي مصر في تلك الحقبة. وحفلت السنوات الأربع التي قضاها بالقاهرة، بالنشاط والعمل الدؤوب، وكان ملاذا لآلاف العراقيين اللاجئين والمقيمين هناك، يقدم لهم الخدمات والتسهيلات والمساعدات، ويعود الفضل إليه في قبول صدام حسين في المدارس المصرية، ولم يكن وقتها يحمل الشهادة الإعدادية. وكان الركابي يعطف عليه كثيرا، بعد أن تخلي عنه أهله وأقاربه وأصدقاؤه.ومع ذلك كان لصدام حسين وحزبه موقف مختلف، ظهر واضحا في الفترة التي أعقبت انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، فعندما عاد فؤاد الركابي إلي العراق، احتجزته أجهزة الأمن والحزب في مطار بغداد ومنعته من الدخول، وحضر إليه، في المطار، عدد من قادة الانقلاب، علي رأسهم علي صالح السعدي ومنذر الونداوي لمساومته، بأن يسمح له بدخول بلده، العراق، شرط اعتزال العمل السياسي، وكانت نتيجة هذا الحوار القصير، الذي جري معه، والمسدسات موجهة إلي رأسه، أن رفض ما طلب منه جملة وتفصيلا، وأعيد إلي القاهرة. تلاحقه بذاءات السعدي، وشتائم رفاقه من البعثيين القدامي. وبعد التخلص من هؤلاء في حركة 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963، عمل الشهيد فؤاد الركابي علي تحقيق انجازات ومكاسب شعبية، في نفس الوقت الذي نشط في تجسيد وحدة العمل القومي الناصري. وخلال الفترة من 14 تشرين الأول (اكتوبر) 1964 إلي 10 يوليو/ تموز 1965 تولي مسؤولية وزارة البلديات، وبذل جهودا مضنية لتعميم خدمات الماء والكهرباء وتوسيع الخدمات البلدية وتطوير الإدارات المحلية، وأعاد إلي الأذهان دوره في وزارة الاعمار، عقب ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 استمر فؤاد الركابي قوة الدفع الأساسية للحركة القومية في العراق، وأبرز قادتها في مواجهة التحديات والانحرافات التي برزت في الساحة السياسية، وقد أحس الركابي، منذ البداية، أن وزارة البلديات والمهام الرسمية التي شغلها،تعيقه عن التواصل مع جماهيره، بالإضافة إلي ما لاحظه من اتساع الهوة بين التيار القومي الناصري والرئيس عبد السلام عارف، كل هذا جعله يتخذ قرارا، ومعه مجموعة من الوزراء القوميين: صبحي عبد الحميد، أديب الجادر، عبد الكريم فرحان، عبد الستار علي الحسين، عزيز الحافظ، بالاستقالة الجماعية من الحكومة، بجانب تركه لموقعه في الاتحاد الاشتراكي في العراق. فقد كانت مثل هذه المناصب تعيقه عن أداء مهماته الوطنية والقومية والديمقراطية. وعاد إلي جماهيره، التي لم تتخل عنه أبدا، رغم الإغراءات والضغوط الحكومية، فكان انبثاق الحركة الاشتراكية العربية ، كإطار ديمقراطي قومي ناصري في العراق.العمل من أجل الوحدة مع مصرلم تكن الاستقالة من الحكومة نهاية المطاف، بالعكس فقد وجدها فرصة للعمل، من جديد، لتوحيد التيار القومي الناصري، وخلق الظروف الملائمة للوحدة مع مصر بقيادة عبد الناصر، فكان عنصرا فاعلا في فعاليات تنظيمية وسياسية لتحقيق هذا الهدف، مما أدي إلي اعتقاله علي أثر محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية في 30 يونيو/ حزيران 1966 ولم يطلق سراحه مع رفاقه الناصريين المعتقلين إلا بعد ضغط مباشر من عبد الناصر شخصيا، وبعدها رشح في 30 آب (اغسطس) 1966 سفيرا للعراق في القاهرة، خلفا للسيد رجب عبد المجيد، الذي عين وزيرا للداخلية، واعتذر عن تولي هذه المهمة، ليس ترفعا وإنما لاعتبارات لها علاقة بدوره واسهاماته في دعم الجهود الوحدوية، وحفاظا علي العلاقات الوطيدة التي ربطته بأطراف سياسية، منها الحركة الكردية والحزب الشيوعي العراقي وقادة الحزب الوطني الديمقراطي.وخاض الركابي معارك سياسية ضد السلطة الحاكمة ورموزها خلال سنوات 1965 ـ 1968، تعرض خلالها إلي السجن والاعتقال عدة مرات،ولعل كثيرين لا يعرفون أن المقدم عبد الرزاق النايف، رئيس وزراء انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، عرض علي فؤاد الركابي رئاسة الدولة ومجلس الوزراء، إذا وافق علي التعاون معه، ورفض الركابي عرض النايف.. كان هذا قبل فترة وجيزة من تحالف حزب البعث مع النايف وجماعته، وتفاصيل العرض كما رواها الركابي في مذكرة سياسية قدمها إلي الحركة الاشتراكية العربية، التي كان يرأسها، جاء فيها أنه في منتصف نيسان (ابريل) 1968، وكان معتقلا في مديرية الأمن العامة، بتهمة تحريض طلبة جامعة بغداد علي الإضراب، جاءه العقيد اسماعيل شاهين، مدير عام الأمن بالوكالة يبلغه برغبة شخصية مسؤولة في زيارته، دون أن يفصح عن اسم وهوية تلك الشخصية، التي تبين أنها المقدم عبد الرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات العسكرية، والضابط المقرب من الرئيس عبد الرحمن عارف.وخلال اللقاء الذي تم في الغرفة الانفرادية المحتجز فيها الركابي، اعترف النايف بأن الوضع الداخلي في العراق يواجه تحديات داخلية وخارجية، ومطلوب عمل سياسي عاجل لانقاذ العراق من مؤامرات بعثية وشيوعية!!، علي حد قول النايف، ورفض الركابي هذا المنطق، ورد عليه أن نظام عبد الرحمن عارف ضعيف من داخله، ومهتز وعليه ملاحظات ينبغي علي النظام نفسه أن يعالجها، وهنا التقط النايف الملاحظة، وهمس لفؤاد قائلا: ولماذا لا نتعاون سوية ونصحح الأوضاع المتردية، أنت تكون رئيسا للجمهورية وللوزارة وأنا معاونك، يقول فؤاد الركابي: لم أتمالك نفسي من الضحك، رغم ظروف الاعتقال القاسية، وأنا استمع إلي عرض النايف، فأجبته يبدو يا مقدم عبد الرزاق أنك أخطأت العنوان، فأنا مناضل قومي كما تعرف، ولا لقاء ولا تعاون بين المناضلين وضباط الأمن والاستخبارات، فلكل منهم طريقه الخاص، وبالنسبة لي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجمعني معك طريق واحد، أو مركب مشترك، وأنت تعرف هذا مسبقا، ولولا أنني سجين ومعتقل وغير قادر علي عدم استقبالك في موضعي هذا وأنت مسؤول كبير في الحكومة، لما أتحت لك فرصة اللقاء بي وتبادل الحديث معي. عند ذاك نهض النايف ـ يقول الركابي ـ ووقف بباب غرفة الاعتقال وقال فكر في العرض مليا.. فإن عشرات البعثيين والسياسيين الآخرين ينتظرون إشارة مني، وإذا كان عندك رأي آخر، أبلغه إلي العقيد شاهين وسأكون جاهزا لملاقاتك والاتفاق معك. ولم يتردد الركابي وهو يسمع آخر كلام من النايف إلا أن يقول له باللهجة العراقية العامة (هاي قطنة شيلها من إذنك) في إشارة إلي استحالة التعاون معه!الركابي وصدام وجها لوجهعندما حدث انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، كان الركابي أول من استهدفه الانقلابيون، خشية منه وقلقا من نشاطاته، فقد سعي صدام، إلي استمالة فؤاد الركابي، أو علي الأقل ضمان سكوته، فرفض بإباء وشجاعة كل العروض التي قدمت له، وأصر علي مواصلة طريقه النضالي غير عابئ بما كان يتعرض له من تهديدات ومحاولات اغتيال. ولم يترك العراق علي الرغم من إدراكه العميق لما كان ينتظره من هذه المجموعة، بمثل ارتيابه في طبيعة الانقلاب وأطرافه وتوقيته وأهدافه.سعي صدام إلي التفاهم مع فؤاد الركابي، فطلب من الشاعر البعثي شفيق الكمالي، وكان وزيرا للشباب، ويرتبط بعلاقات قديمة مع الركابي، أن يرتب لقاء يجمع صدام وفؤاد وحدهما، في مكتبه بالوزارة، عقب انتهاء الدوام الرسمي. وحدث اللقاء فعلا، واختلي الاثنان في مكتب الكمالي بوزارة الشباب، وكانت في شارع الرشيد، مقابل مقسم تليفونات السنك، لأكثر من ساعة، وخرج صدام من الاجتماع غاضبا متوعدا فؤاد بنتائج وخيمة، غير أن الركابي لم يلتفت إلي تهديدات صدام، وتبين أن صدام لوح للركابي بضرورة وقف أنشطته السياسية المعارضة لحكم البعث، محذرا من أن أجهزة الأمن والاستخبارات تترصده وترفع التقارير عنه، وتطالب باعتقاله، فرد عليه فؤاد، إنه يمارس حقه السياسي في اللقاء مع السياسيين الآخرين والتشاور معهم في قضايا الوطن، ما دامت هذه اللقاءات تجري في صالونات ودواوين سياسية وليست في المعسكرات، وهنا اقترح صدام علي الركابي أن يغادر العراق، ولو لفترة قصيرة، كي تهدأ ضجة أجهزة الأمن حوله، كما فعل العقيد عبد الستار عبد اللطيف وزير المواصلات البعثي السابق، فرفض فؤاد الاقتراح مؤكدا لصدام بحسم، العراق بلدي.. لماذا أغادره؟ وانتهي اللقاء..ولما عجز صدام في الحد من نشاط الركابي، أوعز إلي رجاله باختطاف الركابي من منزله في نيسان (ابريل) 1969، في محاولة اغتيال سرية، ولكن أنصاره تمكنوا من معرفة تفاصيل اختطافه، وتحديد جهة اعتقاله في قصر النهاية، فأصدروا بيانا بعد ساعات من الاختطاف. وزع في جميع أنحاء العراق، ووصلت نسخا منه إلي خارجه أيضا، كشفوا فيه أبعاد الذي تعرض له الركابي، وحددوا مكان اعتقاله، وأسماء العناصر الأمنية التي اقتادته من منزله، فلم تجد السلطة إزاء هذه المعلومات التفصيلية غير الإعلان عن اعتقاله بتهمة التآمر عليها.غواص البعث أعورومن المفارقات التي صاحبت الاعلان عن اعتقال الركابي أن الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر ألقي خطابا عقب اعتقال الركابي باسبوع واحد، قال فيه: إن غواص البعث غاص وضبط سياسيا ينشط منذ ربع قرن . فردت عليه بعد ساعات الحركة الاشتراكية العربية، التي كان الركابي زعيمها، ببيان وزع في بغداد، ووصلت نسخ منه إلي البكر وصدام وبقية قادة البعثيين. جاء فيه: تبين بالتجربة والملموس أن غواص البعث أعور.. ولا يري الأشياء إلا بعين واحدة .وشنت أجهزة الأمن حملات تفتيش ومداهمات لمنازل وأماكن القوميين الحركيين، في محاولة للبحث عن المطبعة التي أصدرت البيان، الذي أثار ضجة واهتماما في الشارع العراقي.لذلك فقد بادرت السلطات إلي اعتقاله، بعد تلفيق تهمة كاذبة ضده، فزج به في معتقل قصر النهاية أولا، ثم أودع في سجن بعقوبة، الذي لم تثنه أسواره عن مواصلة النضال، حيث قام وهو في السجن باعداد الأدبيات الناصرية، ومحاولة بناء حزب ناصري متماسك، يتلاءم مع مرحلة العنف والوحشية، التي كانت تعد للشعب العراقي، وكان الشهيد مدركا لملامحها القادمة بحكم معرفته بملفات وأسرار الطغاة وارتباطاتهم المباشرة بالمخططات الأجنبية، التي تكالبت علي الوطن العربي بعد رحيل عبد الناصر، الذي كان يقف سدا منيعا بوجهها.وأمضي الركابي عاما كاملا في زنازين معتقل قصر النهاية ، يلقي العذاب والاضطهاد علي يد الجلادين، بقيادة ناظم كزار، فلم تضعف عزيمته ولم تلن عريكته، ووقف أمام رئيس محكمة الثورة، العقيد علي هادي وِتْوِتْ، يدافع بقوة وثبات عن نهجه الوطني ومواقفه القومية، وفند ادعاءات متهميه، ولكن الحكم الذي نطق به وِتْوِتْ، كان قد صدر منذ مدة طويلة، كما أعلن ذلك محاميا فؤاد، وهما نقيب المحامين، عبد الوهاب محمود،، وعضو قيادة الحزب الشيوعي عامر عبد الله، رحمهما الله. أقتيد فؤاد الركابي إلي سجن بعقوبة ليمضي فيه مدة الحكم عن تهمة، صارت موضع تندر وسخرية في الأوساط السياسية والقانونية والقضائية العراقية.ہ كاتب عراقي يقيم في لندن.ہہ الاعمال الكاملة لفؤاد الركابي صدرت عن المركز العربي الدولي للاعلام، القاهرة، 2005. اعدها وحررها، محمد عبد الحكم دياب وهارون محمد.7