حماس والتجربتان التركية والماليزية
د. أسعد عبد الرحمنحماس والتجربتان التركية والماليزية فشلت أوساط في أمريكا والغرب عموما في منع مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة. وعندما حققت حماس الفوز الكبير، فشلت الجهود الغربية بعزلها رغم الضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة، ونجحت حماس في تشكيل حكومتها الجديدة. وبدأت دول المنطقة، رويدا رويدا، بتقبل حماس كأمر واقع جديد في المنطقة. فهذه أول مرة يتم فيها تداول السلطة بشكل سلمي وديمقراطي في المنطقة العربية، كما أنها أول مرة تصل فيها حركة إسلامية إلي السلطة بواسطة صناديق الاقتراع بعد التجربة الجزائرية التي انتهت بطريقة مأساوية. إن الدولة الوحيدة التي وصل فيها الإسلاميون إلي الحكم بواسطة صناديق الاقتراع هي تركيا والمقصود هنا هو حزب الرفاه السابق بزعامة نجم الدين أربكان. إلا أن تجربة هذا الحزب في الحكم كانت قصيرة وغير ناجحة. وحين بدأ هذا الحزب بتشريع بعض القوانين الدينية في الدولة العلمانية، تدخل الجيش الذي يري نفسه حارسا للتعاليم العلمانية لأتاتورك (مؤسس دولة تركيا المعاصرة) وأسقط الحزب بعد فترة قليلة من استلامه للسلطة. إلا أن هذه النكسة لم تحبط تطلع الإسلاميين إلي الحكم. ففي الانتخابات الأخيرة، فاز حزب إسلامي آخر معتدل (تعلم من تجربة الحزب السابق) هو حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان الذي يجدد خطابه بحذر، ولعل أحد الأسباب هو تطلعه للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي غير المتحمس لفكرة ضم دولة إسلامية إلي صفوفه. خسرت السياسات الأمريكية الداعية للديمقراطية في المنطقة رهانها إذ لم تحترم نتائج الانتخابات الفلسطينية النزيهة والشفافة وفقا للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. لقد بدا واضحا بأن صناديق الاقتراع تأتي بمن لا تريدهم أمريكا إلي الحكم، كما حدث في فلسطين وتركيا، وكما كاد أن يحدث في الجزائر ومصر لولا التدخل الفظ لأجهزة الدولتين. وكانت روسيا الدولة الأولي غير العربية غير الإسلامية التي تكسر طوق عزلة حماس الدولية، فزار وفدها موسكو، مثلما قام وفد من الحركة بزيارة تركيا انسجاما مع السياسة التركية في المنطقة التي تقوم علي التقارب مع دول الجوار وبلورة سياسة خاصة ومستقلة بالمنطقة، وتظهر هذه الزيارة بأن تركيا أخذت زمام مبادرة في القضية الفلسطينية، فتصريحات أردوغان في دافوس التي ربط فيها بين مطالب الرباعية الدولية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة واعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية قابلة للحياة كانت أفضل لحماس من تصريحات أوروبية كثيرة تعتبر صديقة اكتفت بالحديث عما يجب علي الحركة فعله دون الإشارة إلي الدولة العبرية بكلمة. وقد طالب أردوغان في عدة مناسبات، المجتمع الدولي بأن يكون مستعدا للعمل مع حماس بعد أن اختارها الشعب الفلسطيني في انتخابات نزيهة. وردت إسرائيل بغضب علي محادثات أنقرة/حماس إذ قال المتحدث رعنان جيسن: إن إقامة علاقات مع زعيم منظمة إرهابية يمثل ضربة في الصميم لعملية السلام في الشرق الأوسط. لا يمكننا أن نفهم لماذا ارتكبت أنقرة هذا الخطأ ! وفي تركيا تجربة إسلامية ناجحة قد تكون مصدر إلهام أو خارطة طريق لحركة حماس حيث استطاع حزب العدالة والتنمية الخروج من إطار الجماعة إلي الحزبية والوصول إلي السلطة. فالحزب انشق عن حزب الرفاه السابق الذي انتهي إلي فشل ذريع بسبب عدم تأقلمه مع الواقع التركي. وقام المنشقون بتكوين حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا الآن. وسبب نجاح هذا الحزب للآن ـ فيما يقال ـ إسقاطه للعامل الأيديولوجي من حساباته لمصلحة انتقاء الأصلح والأقدر والأكثر خبرة. وقدم الحزب تنازلات في إطار التفاوض والتصالح مع النظام العلماني. إن علي الإسلاميين العرب دراسة التجربة السياسية لنظرائهم في تركيا وماليزيا. ففي هذين البلدين لم يتردد الإسلاميون في القبول بالنظام السياسي المدني ما دام يتيح فرصا متساوية للجميع، الإسلاميين وغيرهم. وفي التجربة التركية بالذات، كان المجال المتاح للإسلاميين ضيقا، لكنهم جاهدوا حتي استطاعوا توسيعه فتحقق لهم ما هو متاح لغيرهم من فرص متساوية. وهناك تجربة إسلامية ناجحة أخري هي تجربة الحكم في ماليزيا. ففي كلا التجربتين الماليزية والتركية كان هناك من يدعي أن حزبا إسلاميا لا يستطيع قيادة دولة ذات دستور مدني، لأن ذلك يعني التعهد بحماية هذا الدستور والدفاع عنه كما يقتضي أيضا القبول بالكثير من السياسات وقواعد العمل المخالفة للشريعة. والإسلاميون لا يستطيعون تنصيب أنفسهم بديلا عن الشعب كله. وحتي لو استطاعوا، فإن ذلك ليس من حقهم. فالدولة في كل من تركيا وماليزيا كما في فلسطين طبعا هي دولة الشعب أولا وأخيرا وليست دولة الجماعة الإسلامية. ففي ماليزيا مثلا، يمثل المسلمون أقل من ثلثي السكان وكان التفكير في إقامة نظام إسلامي مدعاة لاستثارة المخاوف العرقية والدينية وربما تفكيك البلاد. لهذا، ركزت المجموعات الإسلامية علي البرامج التي يسعي إليها جميع الناس، فأوضحت منذ البداية أنها مع الحريات العامة، والتزمت بحماية التعددية الدينية والثقافية. والتجربة التركية هي أيضا جديرة بالتأمل. فمنذ وصول الإسلاميين إلي السلطة فيها كان اقتصاد البلاد علي وشك الانهيار. ففي تلك اللحظات الحرجة، لم يضع الحكام الجدد وقتا في الخطب حول فضائل الالتزام بالدين بل انهمكوا في عملية إصلاح شاملة لجميع مرافق الاقتصاد لأن من أعلي القيم الدينية توفير فرص العيش لكافة الناس. وفي هذا السياق، ثمة مسائل تستطيع حماس الاستفادة منها بالتجربتين السابقتين لكي تنجح في الحكم وتقدم نموذجا تحتذي به شعوب المنطقة. فلغة خطاب ما قبل تسلم السلطة تختلف عن لغة ما بعد تسلم السلطة. فحماس أمامها مهمات تنوء من حملها الجبال أقلها التعامل مع عدو شرس غير مستعد للتنازل وله عقلية توسعية عدوانية. كما أن حماس ملزمة الآن (بعد أن اتخذت سياسة تجويع الشعب الفلسطيني بعدا حقيقيا) بتوفير رغيف الخبر وتحسين مستوي المعيشة وتطوير وتحديث البني التحتية ومحاربة الفساد في مختلف وزارات ومؤسسات الدولة. وهي اليوم أمام اختبار صعب جدا لا تحسد عليه في مدي قدرتها لقيادة الحكومة ومدي شفافيتها وديمقراطيتها لتقبل نقد الصحافة والخصوم لوزرائها وشخصياتها، فثقافة المعارضة تختلف كثيرا عن ثقافة تأسيس حكومة والمستقبل وحده هو الذي سيحكم لها أو عليها.ہ كاتب من فلسطين8