لا تخلو الأفلام السينمائية من الجعة وزجاجات الشمبانيا ومن كؤوس النبيذ على أشكالها وأنواعها، سواء في المقاهي والمطاعم والحانات أو غرف النوم، يستخدمها كتاب السيناريو لقطع الحوار، ولفت الانتباه إلى شيء أساسي أحيانا وإلى تأجيج المشاعر في اللقطات الحميمية. رغم ذلك لم تتعامل السينما مع مشكلة إدمان الكحول ومعاقرة الخمر، بالقدر الكافي من التفصيل. لقد رأينا العديد من الأفلام التي تظهر فيها شخصية المدمن على الكحول كعنصر أساسي في الحبكة، لكن المعالجة لا تتسم بجدية وصرامة وتحليل أسباب وعواقب المرض، الذي يذهب بصاحبه إلى الهاوية.
هناك مشكلة موجودة في المجتمع أكثر مما نتخيل، لا ترضي تماما كتاب السيناريو والمخرجين وشركات الإنتاج، الغوص بعيدا في حيثيات المرض والاكتفاء بالصور النمطية. وفي أفلام إدمان الكحول يتعامل كل مخرج مع الموضوع بطريقة مباشرة، أكثر أو أقل صرامة، وبمستويات جودة مقبولة لاقتراح تطبيق تعليمي محتمل، في محاولة نقدية للحصول على رؤية تقريبية إلى حد ما لما تعنيه، من وجهة نظر شخصية واجتماعية، في الإجابة عن سؤال ما المعنى أن تكون مدمنًا على الكحول وسكيرا بامتياز؟
أيام بلا أثر
نقلت السينما شخصية السكير إلى الشاشة بنعوت شتى.. مثل، طيب، سخي، يوزع الابتسامات، ثرثار أحيانا، منعزل، عاشق للنساء، رومانسي إلى أبعد الحدود. تنوع هذا الحضور مع تطور السينما وتعاطيها مع هذا الموضوع الشائك والمعقد في حالاته المتعددة والإنسانية.
يعتبر فيلم «أيام بلا أثر» 1945 لبيلي وايلدر، أول فيلم يتعامل مع موضوع الإدمان على الكحول بجدية وصرامة، عاكساً صورة واقعية وصادقة حول موضوع معاقرة الخمر، حيث لا يتم تشويه سمعة المدمن بشكل مفرط، أو تحويله إلى كائن حقير. فالبطل ضحية إدمانه، شخص ضعيف وعادي، يجرح كل من حوله عن غير قصد. لأول مرة يضع عالم السينما جانباً جانبه الأخلاقي في محاولة لشرح قصة شخص مريض، والتعمق في أسباب وعواقب أفعاله. نحن هنا لا نتحدث عن المجرمين أو البلطجية، بل نتحدث عن مرض يصيب الأشخاص العاديين ويؤثر في أعمالهم اليومية. تتمحور قصة الفيلم عن دون بيرنام، كاتب مصاب بالاكتئاب، لا يستطيع التغلب على نوبات إدمانه الكحولية، التي أصبح بسببها رجلاً مدمرا جسديا ومعنويا وماليا، وفاقدا قوة للشخصية، وللحصول على المال الذي يسمح له بمواصلة شرب الخمر، فهو قادر على القيام بأي فعل، حتى السرقة من أصدقائه المقربين، حتى استغلال المرأة الجميلة التي تقع في غرامه، وتحاول تجديد حياته، فيسرق معطفها ويأخذه إلى متجر ليبيعه، وبالمال الذي حصل عليه، يشتري مسدسا، على الرغم من هذا الحادث المؤسف، تواصل معشوقته مساعدته وتشجيعه على كتابة رواية تحكي عن مأساته الشخصية.
يُذكر الفيلم بمشاهد متنوعة ترصد حالة المدمن، منها الهذيان الارتعاشي والتخيلات والتهيؤات والتوتر والغضب، حالات يعيشها البطل مع عدم القدرة على كبح جماح نزواته، من بين العديد من الأمثلة التي يظهر فيها تدمير كرامة الشخصية، هي العناصر الأساسية لقصة مأساوية لا تنتقص نهايتها السعيدة الظاهرة من رسالة الفيلم. وجرّاء ذلك يعترف المخرج بنفسه بأن شركات صناعة الكحول قد عرضت خمسة ملايين دولار على الاستوديو لإيقاف الفيلم وعدم عرضه. إلا أن إصرار المخرج مكن من وصول الفيلم إلى دائرة صغيرة جدا من صالات العرض السينمائي. في النهاية فاز الفيلم بأربع جوائز أوسكار: أفضل صورة وإخراج وأداء للذكور، وأفضل سيناريو.

السكير
وتكشف قصة فيلم «السكير» 1987 عن يوميات الكاتب الشاب العبقري والمدمن على الكحول، هنري تشيناسكي، الذي يقضي حياته في الحانات، مفضلا إحداها، التي يتردد عليها مجموعة متنوعة من المشردين والعاهرات وحرافيش المجتمع.
استنادا إلى سيرة ذاتية للكاتب تشارلز بوكوفسكي (الذي شارك في تأليف الفيلم) يحكي الفيلم عن سقوط كاتب شاب في جحيم لا يفهم أي شيء عنه. يتجول بطل الرواية من شريط إلى آخر، وليس لديه أرض خاصة به، ويحارب رفضا دفع ثمن جولة من الشراب، ويسمح لنفسه برفاهية لقاء النساء المكتئبات، لأن الحب بالنسبة له مجرد امتداد لرغبته الخاصة في تدمير نفسه. لا يتحدث هذا الفيلم عن التهميش، بل يتحدث عن شخصية معقدة بلا هدف، رغم موهبتها وعبقريتها، فهي مترددة في تحقيق النجاح. أحد أكثر الأدباء المعاصرين ارتباطًا بالكحول، يخبرنا قصة صارخة يعتبر فيها الشرب، السبيل الوحيد للخروج. الفيلم مثير للاهتمام لأن بطل الرواية لا يتعرض لضغوط العمل أو الأسرة أو أي ظرف آخر مشابه: إنه كائن مرتبك يحقق التوازن مع الجنة المصطنعة التي توفرها الزجاجة، لكن، وهذا هو الشيء المثير للاهتمام، فحتى الكحول لا يجعله سعيدا: بل على العكس تماما، عليه أن يتعلم التحكم في عواطفه والسعي وراء مصيره في ظل التعفن الأخلاقي الذي يحيط به. سيحقق ذلك فقط بفضل الأدب، هذا الوسيط الذي يُظهر فيه هواجسه والذي سيتمكن من خلاله من قتل أشباحه الداخلية.
فاكتوتوم
تتمحور قصة فيلم «فاكتوتوم» 2005 حول شخصية هانك تشيناسكي، كاتب موهوب يكتب القصائد والقصص، ويرسلها إلى المجلات الأدبية التي ترفضها دائما. لدفع معاشات التقاعد الرخيصة التي يعيش منها، والمشروبات التي يشربها، فإنه يأخذ أي وظيفة يجدها أمامه. فقد عمل في المستودعات والمصانع وبوابا وحتى سائق سيارة أجرة، لكن ذلك لم يدم طويلا. بالنسبة لهانك، تعني الحياة المقامرة في مضمار السباق، محبة امرأتين بشغف، جان ولورا، اللتين تحبان أن تشربا بقدر ما تحب. بعدما خسر عشيقته جان، التي كانت توفر له الأمن المادي، ينتهي الأمر بهانك إلى التشرد والشرب في الشارع مع سكارى الحي، لكن في اللحظة الأخيرة، وافقت مجلة أدبية مرموقة على نشر إحدى قصصه.
الفيلم تعبير عن قصة كاتب كرس نفسه للكتابة دون أن تهتم أي مجلة أو ناشر بقصصه، ولهذا يخبرنا الفيلم لهذا السبب، كان يغير وظائفه من يوم إلى آخر، ويخفف أحزانه في الكحول والمقامرة. العلاقات مع النساء اللواتي يلتقي بهن في الحانات. حتى العلاقة مع والديه ليست جيدة، خاصة مع والده، وبالتالي لا يشعر بالراحة حتى في منزل عائلته. الفيلم مأخوذ عن كتاب يحمل العنوان نفسه للكاتب تشارلز بوكوفسكي، وهو مدمن على الكحول يعكس جزءا من شخصيته في بطل الرواية. كما يستخدم الفيلم مقاطع من أعماله الأخرى مثل «أهم شيء هو معرفة كيفية اجتياز النار». وعلى العكس من فيلم «السكير» حيث تدمر الشخصية نفسها، هنا نلتقي بشخص لم يحالفه الحظ أبدا، واضطر إلى العيش بشكل سيئ على أساس وظائف محفوفة بالمخاطر والكثير من الكحول. الفيلم لا يحكم على الشخصيات ويقتصر على إظهار إدمان الكحول نتيجة عدم القدرة على الوصول إلى حياة أفضل. فالأمر يعتبر وسيلة للهروب من يوم لآخر. فالشخصية فوق كل هذا، تتصرف بالجبن وتفضل الانغماس في الجنة الاصطناعية (الخمر) قبل القتال بقوة من أجل ما يريده حقا، لذلك في النهاية نستنتج أنه بمجرد أن يتمكن من النشر، سيتخلى عن حياة الشوارع والبؤس ويشرب ليعيش حياة جديدة.
توالت بعد ذلك الافلام التي تناولت ثيمة السكير في السينما، منها الكاتب السكير والطيار السكير، والعائلة الكبيرة التي تزرع العنب وتعده خمرا والمفتونة بصناعة الخمور المعتقة. كذلك تحضر المرأة السكيرة..عاشقة وأما ومتشردة ونادلة ومكتئبة. ومع تطور السينما تباينت المعالجات، ما صنع حكايات وقصصا مؤثرة ذات جماليات وتقنيات سردية متميزة.
كاتب من المغرب