لندن- “القدس العربي”: “كان سلاح الإغتيال عبارة عن طائرة مسيرة للهواة، ذلك النوع الذي يمكن شراؤه على الإنترنت ببضع آلاف الدولارات، وهو عبارة عن مروحية بأربع دوارات وبطارية كبيرة وقنبلة صغيرة، مدمجة ولكنها كافية لتفجير سيارة بالكامل أو قتل رئيس دولة”.
هذا هو السلاح القاتل الذي أصبح مفضلا لدى الحركات المسلحة في الشرق الأوسط والورقة القوية بأيديهم كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير أعده جوبي واريك وسعاد مخنيت ولويزا لافلاك حيث أشاروا للمحققين الذين درسوا اجزاء من المعدات هذه، واحدة منها استخدمت في الهجوم على منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 7 تشرين الثاني/نوفمبر- الذي نسب سريعا إلى الميليشيات المسلحة التي تدعمها إيران. وقال خبراء إن القنبلة نفسها ترتبط بتصميم ربط سابقا بإيران. وتوصل تحقيق ثالث إلى أن طهران لم تصرح بالهجوم، حسبما توصل المسؤولون العراقيون وبل وعارضته بقوة. لكن من قام بالهجوم على الكاظمي، يقول الخبراء هي جماعة مسلحة خاصة تملك المسيرات ولديها الجرأة للقيام بهجمات تترك على أكبر احتمال آثارا كارثية. وفي بعض الأحيان تقوم بالضربات بدون انتظار موافقة الجهات الراعية لها.
وتشير الصحيفة الى أن هجوم الشهر الماضي أكد ما وصفه مسؤولو الإستخبارات والمحللون التهديد المتزايد لاستقرار الشرق الأوسط وأبعد منه لانتشار الطائرات المسيرة، وبالتحديد تلك الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران. وتضيف الصحيفة أن الميليشيات الشيعية حصلت خلال العامين الماضيين وتحديدا في بداية الصيف على اسطول من المركبات الجوية المسيرة وبقدرة على هجمات صغيرة ولكنها دقيقة ضد أهداف عسكرية ومدنية. ويقدر مسؤولو الإستخبارات الغربيين أن المسلحين في العراق وسوريا حصلوا على “عشرات” المسيرات الجديدة أو “الدرون”، وتتراوح كفاءتها من النماذج المتقدمة المصنعة إيرانية وتستطيع التحليق لمسافات بعيدة إلى الطائرات الرخيصة التي تعمل بالريموت كونترول وتم تعديلها لكي تحمل قنابل صغيرة ولكنها قوية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين في الإستخبارات قولهم إن إيران بدأت بتزويد الميليشيات العراقية بنوعين من الطائرات المسيرة، مباشرة بعد استهداف إدارة دونالد ترامب القيادي العسكري الإيراني الجنرال قاسم سليمان، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الذي قتل بعد ضربه بمسيرة عند خروجه من مطار بغداد مع أحد قادة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس في كانون الثاني/يناير 2020. وجاء تسليح الميليشيات الشيعية العراقية بالمسيرات الفتاكة، بعد قرار طهران تزويد المتمردين الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان بها. وقدم فيلق القدس الذي يشرف على شبكة من الميليشيات الأجنبية أنظمة تعمل على الكومبيوتر للطائرات وتدريبات على كيفية استخدامها وتعديل المسيرات التجارية للإستخدام العسكري، وذلك حسب مسؤولين استخباراتيين غربيين.
ويبدو أن طهران بعد تزويدها جماعاتها المسلحة في الخارج بالمسيرات والتكنولوجيا، فقدت السيطرة على كيفية استخدام المسيرات، كما يقول بعض المسؤولين والمحللين.
ويقول المسؤولون الحاليون والسابقون الأمريكيون والعراقيون أن سيطرة إيران على الميليشيات تدهورت بعد مقتل سليماني الذي كان يحظى باحترام وسيطرة على شبكة الميليشيات في الخارج. وتزامن لجوء هذه الجماعات المسلحة لاستخدام المسيرات مع هبوط في شعبيتها داخل العراق، بالإضافة لتراجع في حظوظها، وهو ما أدى إلى نزاع مفتوح مع الحكومة العراقية وسخط هادئ على القيود التي فرضها رعاتهم الإيرانيون عليها. ويقول مايكل نايتس محرر “ميليتيا سبوتلايت” وهي مدونة ترصد تحركات الميليشيات في العراق وسوريا، “عندما تخرج الأمور عن السيطرة فمن الصعب السيطرة على ما يستخدمونه”. ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بحوالي 3.000 جندي ودبلوماسي في العراق، وكانوا عرضة للهجمات بالمسيرات في الفترة السابقة، وهو ما يثير مخاوف أزمة عسكرية مع إيران، وبعيدا عن وجود أدلة تربط الهجمات مباشرة بطهران أم لا.
وكان الهجوم على الكاظمي لو نجح سيترك آثارا خطيرة، وكان سيؤدي للفوضى ومواجهات بين الجماعات الإثنية والدينية في البلد.
وفي أي من الحالين فقد كانت إيران ستلام على الأزمة التي لم تدعمها بقوة. فمن خلال توفير المسيرات للميليشيات، فقد حسبت إيران أن هذا الدعم سيقوي ساعدها لدى هذه الجماعات التي لعبت تقليديا دور الجماعات الوكيلة التي نفذت عمليات بمباركة إيرانية ومنحتها القدرة على نفي علاقتها بها. ومع حصول الميليشيات على أسلحة جديدة فقد زادت المخاطر وزاد الرهان كما يقول مسؤولون حاليون وسابقون. وقال ماثيو ليفيت، المحلل السابق بمكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) ووزارة الخزانة وهو باحث اليوم في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى “بصراحة، هناك بعض الجماعات لم تعد تنظر إلى نفسها كجماعات وكيلة عن إيران، ولكنها لاعب مستقل لا يحتاج لإذن أحد لعمل ما يريد”. ويضيف أن دخول المسيرات للمعادلة “فهناك قلق واسع من رد مفرط يخرج عن السيطرة”.
وبحسب المحققين العراقيين فقد تعرض منزل الكاظمي في الساعة الثانية صباح 7 تشرين الثاني/نوفمبر لهجوم طائرتين مسيرتين، تحطمت إحداهما أو أسقطت بصاروخ، أما الثانية فقد اسقطت قنبلة صغيرة مخلفة ضررا واسعا للجزء الخارجي من المنزل الواقع في المنطقة الخضراء ذات الحراسة الأمنية المشددة. وأصيب ستة حراس بجراح طفيفة في وقت سارع فيه المحققون باستخراج المسيرة التي تحطمت وباربع دوارات، ولا تزال تحمل القنبلة المدمجة التي لم تنفجر. وبحسب خبير في المتفجرات فقد حمل “إشارات قوية” بأنها تصميم إيراني. ولم يصب الكاظمي بأذى ولا يعرف إن كان في البناية أم لا وقت الهجوم. ثم ظهر بعد ساعات على التلفزيون العراقي شاجبا “الجماعات المسلحة المجرمة” المسؤولة عن محاولة اغتياله. وحدد المسؤولون العراقيون بعد أيام جماعات محتملة مسؤولة عن الهجوم وهي عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء. وتحظى الجماعات الثلاث بدعم من إيران مع أن علاقة عصائب أهل الحق تمر بمرحلة متوترة معها. وفي داخل قادة الجماعات عدد من نقاد الكاظمي الذين أصدروا تهديدات مبطنة ضده على منصات التواصل الإجتماعي. لكن الجماعات الثلاث نفت أي علاقة بالهجوم، وحاولت حساباتها على منصات التواصل الإجتماعي حرف اللوم من خلال الحديث عن نظريات بديلة بدون تقديم أدلة قوية. وكتب مسؤول بعد ساعات من الهجوم “لا أحد في العراق يريد تضييع مسيرة”.
وبهدوء أرسلت إيران مسؤولا بارزا في الحرس الثوري من أجل تطمين المسؤولين العراقيين مع شجب علني للجماعات التي قامت به. وشجب علي شمخاني، مسؤول الأمن القومي الهجوم بأنه “فتنة” واقترح فاعلا آخر “الهجوم يمكن رده إلى مركز بحث أجنبي”.
وتجنب المسؤولون العراقيون، خوفا من ردة فعل داعم الميليشيات تحميله المسؤولية. وفي مؤتمر صحافي عقد في 28 تشرين الثاني/نوفمبر قال مسؤول الأمن القومي قاسم الأعرجي إن المسيرات مصنعة محليا” ودعا العراقيين تقديم معلومات تساعد على التوصل لمرتكبي الجريمة. ويعتبر الهجوم الأخطر حتى الآن في النزاع المتوسع بين الكاظمي والميليشيات التي أنشئت تحت مظلة الحشد الشعبي في 2014 لقتال تنظيم الدولة، وانضم إليها ألاف الشباب من الجنوب. واستخدمت دورها في حرب تنظيم الدولة لتعزيز شعبيتها في انتخابات عام 2018 لكن شعبيتها شهدت تراجعا في الفترة الاخيرة، وسط اتهامات بالفساد وخدمة المصلحة الخاصة، وانهارت شعبيتها بسبب مشاركتها في قتل مئات المتظاهرين خلال التظاهرات التي عمت العراق. ووقع الهجوم بعد الإنتخابات البرلمانية في 10 تشرين الأول/أكتوبر التي كانت بمثابة نكسة للميليشيات وحلفائها السياسيين، وخسرت ثلثي مقاعدها في البرلمان. وكان الفائز الأكبر مقتدى الصدر الذي شجب الهجوم بأنه عمل إرهابي، ووجد فرصة للهجوم على الجماعات المسلحة التي تحاول إعادة العراق للفوضى وسيطرة قوى غير الدولة.
وشنت الجماعات المسلحة منذ كانون الثاني/يناير على الأقل ست هجمات بالمسيرات ضد أمريكا وتحالفها في العراق. وفي نيسان/إبريل ضربت مسيرة مقرات التحالف في مدينة إربيل، شمال العراق. وفي 5 تموز/يوليو أسقطت طائرة قرب السفارة الامريكية في بغداد، مشابهة للطائرات التي استخدمت في هجوم الشهر الماضي. واكتشفت بعد أسابيع مسيرة مشابهة على سطح مبنى في الجانب الآخر من نهر دجلة من السفارة الأمريكية. وفي كل الحالات كانت القنبلة المربوطة بها مثل التي استخدمت في الهجوم على منزل الكاظمي.