بحثاً عن الشرير: هل الجشع هو سبب المظالم المعاصرة؟

ارتبط نقد عدد من أهم الأزمات المعاصرة في الثقافة الشعبية، بل حتى جانب من الأبحاث المتخصصة، بنوع من الاشمئزاز الأخلاقي من جشع الأفراد المسيطرين على السلطة والثروة في العالم. فسواء تعلّق الأمر بالأزمات المالية والاقتصادية، المتكاثرة منذ مطلع القرن الحالي، أو الأزمات الصحية والسياسية والاجتماعية، المرافقة لانتشار فيروس كورونا، يشير كثيرون بأصابع الاتهام إلى الطمع اللاأخلاقي للمصرفيين والسياسيين ومديري الشركات الكبرى، الذين يفضّلون، كالعادة، تحصيل المكاسب والأرباح قصيرة المدى، على تحقيق المصالح الأعم للمجتمع بأكمله، ما يجعلهم يتخذون دوماً قرارات غير عقلانية، يدفع ثمنها في النهاية البشر والطبيعة.
هكذا عام المضاربون الماليون في فقاعات مالية وعقارية، انفجرت بتكاليف باهظة في النهاية، وتأخّر السياسيون في اتخاذ إجراءات الإغلاق والوقاية من الوباء، خوفاً على المكاسب الاقتصادية لبلدانهم، فيما تُقدّم الكارثة البيئية الوشيكة بوصفها انتقام الطبيعة النهائي والأكبر من جشع البشر.
وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار ميل معظم الأفراد، على رأس هرم السلطة أو في قاعدته، لتحقيق المكاسب، والحفاظ على ما يتيسر من امتيازات، إلا أن صورة الإنسان الطمّاع، الذي يعميه جشعه، لا تبدو تفسيراً محكماً للأزمات المعاصرة. فحتى أكثر المضاربين الماليين تهوراً، الذين قلّت الرقابة على تصرفاتهم مع تقدّم السياسات النيوليبرالية، محكومون بكثير من الضرورات والقواعد، التي ترغمهم على اتخاذ قرارات، تبدو عقلانية في سياقها، وكذلك فإن السياسيين الديمقراطيين مضطرون للتعامل مع توازنات صعبة، لا تجعلهم أحراراً في إطلاق جشعهم الشخصي، أو جشع الفئات التي يمثلونها. بينما يعطي انتقال الفقاعات المالية والعقارية إلى بلد مثل الصين دلالة مهمة على عدم كفاية فرضية الجشع، فمهما بلغت المساحة المعطاة للمديرين الاقتصاديين الصينيين، فهم في النهاية مضطرون لكثير من التعقّل، باعتبارهم يتعاملون مع سلطات شديدة القسوة، ليس التعرّض لغضبها بالتجربة الهيّنة، رغم هذا تنفجر اليوم الفقاعات العقارية في ذاك البلد الآسيوي، وكأن أسواقه المالية باتت نسخة من وول ستريت.
يبدو الحديث عن «جشع» استولى على الذات المعاصرة أقرب للمنظور الديني والسحري التقليدي، ويفترض بشكل ضمني أن الخلاص يتطلّب تطهير الأرواح مما يشوبها من خطايا دنيوية. وهذا قد يثير بعض الاستغراب في عصر عرف كثيراً من الثورات الفكرية والمنهجية، التي حاولت تفسير الظواهر الاجتماعية المختلفة، من خلال بنى وأنساق وعلاقات لا ترتبط بأحكام قيمة أخلاقية. فلماذا تعود هذه الأحكام بقوة إلى التفكير المعاصر، بشقيه الجماهير والتخصصي؟ وما دور الجشع بالضبط في أزماتنا المعاصرة؟

أين الرأسمالية؟

يمكن القول إن الإدانة الدائمة للجشع، أصبحت جانباً من نقد معاصر للرأسمالية، بات شعبياً للغاية، بل قادراً على تحقيق أرباح ضخمة لمنصات ومؤسسات إعلامية كبرى. وفيه تتكثف طروحات متعددة، بيئية ومناهضة للعنصرية والذكورية، بل حتى «طبقية» بالمعنى التقاطعي (تقاطع الهيمنة الذكورية والعرقية والطبقية على الفئات المهمشة) إلا أنه يتوجّب التساؤل عن ماهية تلك الرأسمالية، أو حتى النيوليبرالية، التي يتمّ تحميلها مسؤولية كل الشرور.

ربما كان الأجدى عدم المغالاة في الإدانة الأخلاقية للجشع، فالرغبة الإنسانية، التي تدفع البشر للدفاع عن مصالحهم، وتأمين أقصى ما يمكن من متطلباتهم، ساهمت دوماً بفتح آفاق جديدة من الابتكار والإبداع في كل المجالات، وهي ليست صالحة أو فاسدة بحد ذاتها.

من البديهي أنه لا توجد مؤسسة أو منظمة في العالم اسمها «الرأسمالية» كما أنه لا يوجد حزب أو جماعة سياسية تعلن تبنيها لأيديولوجيا باسم «النيوليبرالية» ولا يمكن الحديث عن طرح، يمكن أخذه على محمل الجد، يفترض وجود قيادة أو إدارة ما، تنظّم وتخطط لكل الشر الرأسمالي والنيوليبرالي.
في ما مضى لعبت معاداة السامية دوراً مهماً في تعيين «الشرير» المسؤول عن الأزمات والمظالم، إنهم الأثرياء والمصرفيون اليهود الجشعون، مثل آل روتشيلد، الذين يتلاعبون بمقدرات الأمم ومصائرها. ولذلك كثيراً ما كانت الحركات الجماهيرية المحتجة على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تجد في معاداة السامية غايتها: فلنتخلّص من اليهود وطمعهم، وعندها ستعود الأمة إلى أخلاقياتها الأصيلة. اليوم باتت معاداة السامية جريمة تحاسب عليها قوانين معظم الدول، بعد النتائج الكارثية التي أدت إليها، إلا أن الميل إلى تحميل ذات شريرة مسؤولية المظالم والمفاسد، لم ينته على ما يبدو، بل اتخذ شكلاً جديداً، فالشرير لم يعد طرفاً خارجياً يمكن إبادته والخلاص منه، مثل اليهود، بل هو نزعة في الذات الإنسانية، موروثة من الطموح التسلطي للإنسان الحديث، ربما منذ بداية الثورة الصناعية أو عصر التنوير، وأحياناً يتم تحميل المسؤولية لـ»الرجل الأبيض» الذي أنشأ منظومات السياسة والاقتصاد والقانون المعاصرة، إلا أن ذلك الرجل المتخيّل ليس خارجياً عنّا، فالكل قد يحملون رواسب منه، سواء كانوا بيضاً أو متعرضين للاستلاب الأبيض، وهي رواسب تظهر من خلال النزعة الاستهلاكية، المنهكة للموارد والملوثة للبيئة؛ «العدوان المصغّر» غير الواعي في كثير من الأحيان، على الفئات المهمشة؛ الميل لمراكمة الأرباح والمكاسب، والنمو الاقتصادي اللامتناهي، القائم على نمط قصير النظر من العقلنة والتحديث.
ربما كان نص ماركس الشهير عن «المسألة اليهودية» أحد أهم علامات تجاوز النظرة السحرية، الباحثة عن الشرير، فلأول مرة يتم ربط الحالة المالية والاقتصادية، التي مثّلتها العائلات اليهودية الثرية، بمنظومة اجتماعية – اقتصادية معينة، غير متعلّقة بذات جمعية مرتكبة للخطايا: المنظومة الرأسمالية القائمة هي من ينتج المسألة اليهودية، وليس العكس. وبالحديث عن منظور ماركس عن الرأسمالية، فهي حسبه ليست مؤسسة واحدة تقودها مجموعة من الأشرار، بل تجريد نظري لمجمل العلاقات الاجتماعية في شرط تاريخي معيّن، لا يتجسّد بشكلٍ صافٍ، بل عبر تشكيلات تاريخية معقدة، تحوي مركبات متعددة من قوى وعلاقات إنتاجية وسياسية وأيديولوجية متنوّعة. وإذا كان كتاب «رأس المال» هو الموسوعة الأهم لتجريدات ماركس النظرية، فإن كتباً مثل «الثامن عشر من بروميير» و»الحرب الأهلية في فرنسا» تظهر تعقيد الصورة، التي رسمها ناقد الرأسمالية الأبرز، لدى معالجته لحالات تاريخية متعينّة زمانياً ومكانياً.
تلاميذ ماركس، مثل المفكر اليوناني الفرنسي نيكولاس بولانتزاس، قدموا بدورهم صورة أكثر تعقيداً للدولة والأيديولوجيا، باختصار ليست الدولة، التي تسمى، ضمن تجريد نظري معيّن، بالدولة الرأسمالية أو البورجوازية، تعبيراً بسيطاً عن مصالح طبقة معينة، ذات منظور ومصالح موحّدة، بل تتخلها توازنات وتركيبات متعددة، متداخلة مع مجمل القوى الاجتماعية وميادين الصراع الطبقي، وهي لا تمثّل مصالح الطبقة إلا بشكل عمومي وغير مباشر، ومتعالٍ عن النزاعات بين الفئات المتعددة في الطبقة نفسها.

الأخلاقية الفائقة

يمكن الحديث إذن عن خلط بين التجريد النظري والوقائع الملموسة، فالرأسمالية ليست محفلاً لرجال جشعين، يدمرون الحياة ويلوثون البيئة، بل هي مفهوم يحاول تفسير علاقات وأنساق شديدة التعقيد، وهذه الأنساق هي ما ينتج الآليات المعاصرة للاقتصاد والسياسة، بما فيها من أزمات ومظالم، ولهذا قد لا يختلف كثيراً مدير شركة صيني، حتى لو كان عضواً ملتزماً في الحزب الشيوعي، عن مستثمر مستهتر في نيويورك، ما داما يسلكان ضمن منظومة توليد القيمة والربح، التي جرّدها منظّرون ومؤرخون، وسموّها «الرأسمالية» والحل لن يكون بالتأكيد إعادة تربية المدير الصيني والمستثمر الأمريكي، وتخليصهم من شياطينهم الذاتية. بل بتغيير منظومة العلاقات التي يعملان ضمنها، وتمدهم ببرامج وآليات أدائهم الاقتصادي والاجتماعي.
تبدو الأخلاقية الفائقة، التي يشهدها عصرنا، نقيضاً تاماً لهذا المنظور، فهي تراهن على السلوك الذاتي للأفراد في التغيير: افصل نفاياتك، واستهلك منتجات خضراء، ولا تشتر إلا من متاجر «التجارة العادلة» لتساهم في إنقاذ الكوكب. وربما لتضغط على الشركات وصنّاع السياسات. الذات هنا على ما يبدو كيان مكتمل وناجر، يُنتج العالم، الذي يصلح بصلاحها ويفسد بفسادها. وليست نتاجاً لذاك العالم، بعلاقاته وبناه المتراكبة، وكل قذارته وتلوثه.

مديح الجشع

تلك الأهمية المفرطة للذوات الفردية وخياراتها الأخلاقية ربما تكون تعويضاً أيديولوجياً، نشأ نتيجة نسق جديد من العلاقات الاجتماعية، غابت فيه الكيانات والهويات الجمعية المؤثرة، التي كانت في ما مضى تنشئ شبكات من الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي، تؤمن للذوات النمو والتطوّر في سياق سياسي فعّال.
بهذا المعنى فإن الأخلاقية الفائقة المعاصرة قد تكون بدورها نمطاً فريداً من الجشع.. محاولةً من أفراد معزولين لتكديس كل ما هو ممكن من رأس المال رمزي متاح، واستهلاكاً لكل العلامات والقيم المساعدة على بناء ملف شخصي، قابل للتداول والتسويق، دون التورّط، في الوقت نفسه، في تأييد علني لنظم الهيمنة القائمة.
ربما كان الأجدى عدم المغالاة في الإدانة الأخلاقية للجشع، فالرغبة الإنسانية، التي تدفع البشر للدفاع عن مصالحهم، وتأمين أقصى ما يمكن من متطلباتهم، ساهمت دوماً بفتح آفاق جديدة من الابتكار والإبداع في كل المجالات، وهي ليست صالحة أو فاسدة بحد ذاتها.. الأسئلة الأهم قد تكون: ما السياق الذي تعمل به الرغبة وتنتج تركيباتها؟ وكيف يمكن تغييره لجعله ملبياً لمصلحة عدد أكبر من البشر؟

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية