الدوحة ـ «القدس العربي»: تشهد العلاقات التركية الإماراتية لحظة تحول بعد جفاء ميزها لسنوات، مع الزيارات المتبادلة بين قيادات البلدين، تمخض عنها اتفاقيات وتعاون مشترك في عدد من الملفات.
وشهدت الأشهر الأخيرة لقاءات واتصالات وتقارباً بين تركيا والإمارات، لفت أنظار المحللين والمتابعين لخط العلاقات بين المحورين اللذين كانا إلى وقت قريب على طرفي نقيض، مع زيارات متبادلة على أعلى مستوى في هرم السلطة.
السياقات الإقليمية فرضت منطقها في التحولات التي تشهدها عواصم مختلفة، متزامنة مع تغيرات استراتيجية تسجلها موازين القوى في مناطق مختلفة في العالم، تكرسها التغيرات الحاصلة في سياسات القوى الكبرى. ومنذ قمة العُلا التي احتضنتها المملكة العربية السعودية، وتمخض عنها إعلان مصالحة خليجية، وإنهاء السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارها الذي فرضته على قطر منذ منتصف 2017 شهدت المنطقة تبدلات وتحولات في علاقات دولها.
ومن أبرز المتغيرات تراجع حدة الاستقطاب في السياسات الخارجية بعد ثورات الربيع العربي التي حددت مواقف الدول، بين محور رعى الثورات المضادة وتتصدره الإمارات ومصر ودول ساندت حق الشعوب في الحصول على حقوقها وكانت قطر وتركيا رأس الحربة في هذا المحور.
كما ساهمت الأزمات الاقتصادية التي شهدتها دول عدة، وكانت تركيا أبرزها في حدوث تحولات في السياسات الخارجية.
وتأتي استضافة تركيا ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد والحفاوة التي لقيها من الرئيس التركي اردوغان، في هذا السياق الذي تشهده تحولات العلاقات بين دول المنطقة.
وسريعاً أكد الرئيس التركي أن «الخطوات القوية» التي أقدمت عليها بلاده مع الإمارات ستتكرر مع كل من مصر و«إسرائيل» قريباً.
ومثلت زيارة ولي عهد الإمارات العربية المتحدة والحاكم الفعلي لها محمد بن زايد لتركيا، نهاية مرحلة القطيعة والتنافس وحتى العداء التي عرفتها العلاقات بين البلدين خلال العقد الماضي بالتزامن مع انطلاق ما يعرف بثورات الربيع العربي. وتكرس الخلاف بين البلدين علناً مع تدخل الجيش المصري لإقصاء الرئيس الراحل محمد مرسي، وهو ما ساهم في إذكاء القطيعة بين تركيا والإمارات التي استثمرت كثيراً في الانقلاب الحاصل في مصر.
وفي أعقاب الإطاحة بمرسي عام 2013 اتهم الإعلام المقرب من تركيا الإمارات العربية المتحدة بدعم القوى المناهضة لحكمها، مثل حركة «تمرد» وغيرها من الجماعات التي قادت الدعوات إلى المظاهرات الواسعة التي انتهت بالإطاحة بمرسي، وما تبع ذلك من ملاحقة الجماعة والزج بأفرادها بالسجون ومصادرة أرصدتها وحل المنظمات والهيئات التابعة للجماعة. وكانت السعودية والإمارات والبحرين وقفت بقوة إلى جانب الجيش المصري، وقدمت لمصر مساعدات مالية بمليارات الدولارات، وما لبثت الدول الخليجية الثلاث أن قامت بتصنيف الجماعة في خانة المنظمات الإرهابية.
بالمقابل وقفت تركيا ضد خطوة الجيش المصري وانتقدت بقوة ما جرى في مصر ووصفته بالانقلاب على الشرعية والرئيس الشرعي.
وكان الرئيس التركي يكرر موقف بلاده مما جرى في مصر في مناسبات مختلفة.
كما انتقدت مصر والإمارات استضافة تركيا عناصر ومسؤولي جماعة الإخوان المصرية واتهمتها بالسماح بفتح قنوات تلفزيونية عديدة على أرضها تشن حملات عنيفة على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
بوابة التعاون الاقتصادي
مع التقارب الحاصل في العلاقات التركية الإماراتية، يتم تجاوز صفحة الخلافات، مع الاطلاع لتحولها نحو تعاون بين البلدين، من بوابة الاقتصاد.
وأعلنت الإمارات تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية بعد الزيارة التي قام بها ولي عهد أبو ظبي إلى أنقرة.
ووقّعت تركيا والإمارات 10 اتفاقيات للتعاون الاقتصادي وفي مجالات مختلفة، بحضور الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وضيفه ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
وجرى التوقيع على الاتفاقيات – التي تضمنت شراكات بين بورصات الدولتين وصناديق الثروة السيادية ومجالات الصحة والطاقة- في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، بعد لقاء ثنائي وآخر على مستوى الوفود بين الجانبين.
وجرى توقيع مذكرة تفاهم بين شركة أبو ظبي التنموية القابضة والصندوق السيادي التركي، من قبل أردا أرموت -الرئيس التنفيذي للصندوق- ورئيس مجلس إدارة شركة أبو ظبي التنموية القابضة محمد حسن السويدي.
كما تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين شركة أبو ظبي التنموية القابضة وصندوق السيادة التركي، وكذلك تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين شركة أبو ظبي التنموية القابضة وهيئة الاستثمار الرئاسية التركية، وتم أيضا توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين بورصة أبو ظبي وبورصة إسطنبول.
حجم الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين تركيا والإمارات، تؤكد إصرار البلدين المضي نحو الضفة الأخرى، من الجفاء إلى التعاون، من بوابة الاقتصاد.
وكان لافتاً كيف استقبل المسؤولون الأتراك ولي عهد أبو ظبي بحفاوة، في زيارة ينظر إليها على أنها تفتح صفحة جديدة بين البلدين اللذين شهدت علاقاتهما توترات خلال السنوات الفائتة.
وقال مسؤول تركي إن «المشاكل مع دولة الإمارات أصبحت الآن وراءنا. نحن ندخل فترة تقوم بشكل كامل على التعاون والمنفعة المتبادلة» مضيفاً أن استثمارات الإمارات ستكون في نهاية المطاف بمليارات الدولارات.
تحول استراتيجي
في مواقف تركيا
ويرى المراقبون أن الحوار التركي الإماراتي، يتزامن مع فترة تقارب عام في الشرق الأوسط، تتجه تدريجياً لحل كافة الإشكالات العالقة.
وترى الأوساط التركية، إن المصالح الاقتصادية المشتركة قد تشجع المفاوضات بشأن الأزمات الإقليمية، وتعتبر أن هذا الفصل الجديد يتناول المنافسة المتزامنة والتعاون بين تركيا والإمارات في مناطق مثل شرق البحر الأبيض المتوسط واليونان وليبيا والقرن الأفريقي، وسيؤدي هذا التطور حتماً إلى نوع جديد من العلاقة.
ويعتبر أستاذ العلوم السياسية حقي تاش من معهد لايبنيتس للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) في هامبورغ في تصريح منشور: «أظهر الطرفان أنهما على قدر كبير من الثقة بالنفس عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية». ويضيف: «في عدة نزاعات، من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا، وقفا على طرفي نقيض، لن يتم حل هذه النزاعات في المستقبل المنظور، ومع ذلك، فإن العبء السياسي والاقتصادي المتسببان به يتزايد باطراد».
بالإضافة إلى ذلك، وبحسب تاش، ردت الإمارات على الانسحاب الأمريكي من المنطقة بالاقتراب من تركيا. تماماً مثل المملكة العربية السعودية، أرادت الإمارات ملء فراغ السلطة بحلفاء جدد. وأحد الشركاء المحتملين هي تركيا أيضاً.
خطوة نحو السعودية
حتى الآن لم تتجاوز تركيا والسعودية على غرار التقارب الذي حصل مع الإمارات، الخلافات السابقة، لكن المعطيات تشير إلى مرونة في الاتجاه نحو هذا المستوى في المدى المنظور.
وإلى وقت قريب روج عن لقاء مرتقب كان سيجمع الرئيس التركي اردوغان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في قطر. لكن المعطيات تشير أن هذا التقارب ما يزال بحاجة لمزيد من الوقت لينضج، ويتحول نحو الطرف المقابل للخلاف.
وتبذل الدوائر المغلقة في تركيا والسعودية جهوداً لتحقيق التقارب بين البلدين وترجمة الإشارات الإيجابية الصادرة من أنقرة والرياض.
ويتوقع مراقبون أن تتجه العلاقات السعودية التركية نحو جانبها الإيجابي قريباً، مع محاولات تبذل لطي صفحة الخلافات.