لندن ـ «القدس العربي»: اشتعلت موجة غضب واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي في الأردن وفلسطين بسبب فيلم درامي اعتبره الجمهور مسيئاً للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فيما انتشرت حالة الغضب سريعاً إلى العديد من الدول العربية وتحولت إلى انتفاضة إلكترونية اضطرت السلطات في الأردن إلى منع عرضه والتراجع عن ترشيحه لجائزة أوسكار.
ويتناول فيلم «أميرة» قضية «تهريب النطف» من سجون الاحتلال الإسرائيلي والتي ظهرت في العام 2012 والتي يعتبرها الأسرى جزءاً من نضالهم ضد الاحتلال واستمراراً لوجودهم وامتدادهم العائلي، ويروي الفيلم قصة الفتاة المراهقة «أميرة» التي تنشأ معتقدة أنها وُلدت نتيجة عملية تلقيح اصطناعي من نطفة مهربة من والدها في سجن «مجدو» الإسرائيلي، وهو ما يمنحها شعورا بالفخر باعتبارها ابنة مناضل فلسطيني ليتبين فيما بعد أنها ابنة سجان إسرائيلي.
والفيلم من إنتاج أردني وإخراج مصري، وهو إنتاج مشترك لشركات من مصر والأردن والإمارات والسعودية، واختار الأردن فيلم «أميرة» ليُمثّل المملكة في التنافس على جوائز الأوسكار عن فئة الأفلام الطويلة الدولية لسنة 2022 بحسب إعلان سابق لـ«الهيئة الملكية الأردنية للأفلام» التي تراجعت لاحقاً نتيجة الغضب الشعبي وأعلنت بأنها لن ترشح الفيلم للجائزة.
وسرعان ما أطلق النشطاء حملة تطالب بوقف عرض الفيلم الذي اعتبروه مسيئاً للأسرى المناضلين، كما أطلقوا الهاشتاغ «#اسحبوا_فيلم_أميرة» الذي سرعان ما تصدر قائمة الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً في الأردن ودول عربية أخرى، فيما شارك آلاف النشطاء والمؤثرين والمدونين والمغردين في الكتابة ضمن هذا الوسم للمطالبة بالتوقف عن عرض هذا الفيلم والتعبير عن إدانة مضمونه واستنكار الاساءة للأسرى وعائلاتهم ونضالاتهم.
مؤسسات الأسرى غاضبة
وقال رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس في تصريحات صحافية إن «فيلم أميرة يخدم الاحتلال الإسرائيلي وروايته ضد الأسرى»، مُدينًا «استغلال هذه القضية، التي تُعتبر إنجازًا فلسطينيًا لم يحدث في التاريخ إلا في فلسطين».
وأشار إلى أن «من لجأ إلى هذه الحبكة السينمائية، عبر استغلال قضية وطنية حساسة، تعامل معها بطريقة مرضية، لغايات تسويقية، والعمل لا علاقة له بالفن، وفيه استغلال لقضية عالية الرمزية بطريقة وضيعة، وسيكون لنا موقفنا في هذا الخصوص، وخاطبنا وزارتي الثقافة والخارجية ورئاسة الوزراء وهيئة شؤون الأسرى والهيئة العليا للأسرى، وستكون لنا مجموعة من الخطوات ضد هذا الفيلم».
وتابع فارس بأن «الذي يشوه إنجاز الأسرى وتجربتهم في الخصوص، فيه مؤشرات لا يستفيد منها إلا الاحتلال» مؤكدا أن «الفيلم مرفوض جملة وتفصيلاً، ولا يستند إلاّ إلى الأكاذيب، التي حولته إلى أداة تخدم الاحتلال الإسرائيلي».
وقالت عدة مؤسسات مهتمة بشؤون الأسرى الفلسطينيين أنها تتابع عن كثب قضية الفيلم، وأضافت ثلاث مؤسسات فلسطينية مستقلة ومعنية بالأسرى في بيان لها إن قضية «النطف المحررة» شكلت على مدار السنوات القليلة الماضية أبرز الإنجازات التي تمكّن من خلالها الأسرى من كسر السجن، وصناعة الأمل بالإرادة، وأصبحت محط اهتمام عالمي، ومن المؤسف أن الطاقم القائم على الفيلم، لو كان لديه نية حسنة تجاه النضال الفلسطيني، كان الأجدر أن يسلط الضوء على إبداع وعبقرية الأسير الفلسطيني وتحدي الجدران والأسلاك الشائكة لصناعة الحياة، ففي القضية ما يكفي من تفاصيل لصناعة أهم الأفلام الناجحة، بدلًا من اختراع الأكاذيب.
وأكدت المؤسسات الثلاث أن «جهودا تبذل وما زالت مستمرة بالتعاون مع وزارة الثقافة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك القوى الوطنية والإسلامية، لمواجهة كل من ساهم في إنتاج الفيلم، ووضع حد لكل من تسول نفسه تشويه نضال الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، مع التأكيد مجددا على أن جزءًا أساسيًا في صراعنا مع الاحتلال وأدواته، هو الصراع على الرواية».
رفض فني
وكتب المخرج الأردني الفلسطيني نورس أبو صالح عبر صفحته على «فيسبوك» إن «المشكلة في فيلم أميرة، في إطلاق الخيال لأمرٍ لا يمكن حدوثه، في قضية مقدسة تتعلق بالأسرى من جهة، وفي الطعن بالنسب من جهة أخرى، وتسريب الشك إلى ذواتٍ وُلدت رغم أنف المحتل في ظروف مركبة، واستسهال النفاذ عبر هذا «التابو» لصناعة قصة «حتكسر الدنيا»، بينما يتحسس المنتجون رؤوسهم كلما نفذ النص في فيلمهم إلى تابو سياسي أو مقاربةٍ للحريات في بلادهم».
وأضاف: «إن نقص المعلومات الواضح، وتحوير النص بعيداً عن الواقع للوصول إلى سيناريو مفصل لخدمة هذا التحوير، يعدّ سذاجةً وجهلاً فنياً، وإنّ فلسطيننا مليئة بالقصص التي تصلح لأن تكون فيلماً مبنياً على قصة واقعية».
وتابع: «لكن وصفة الأوسكار معروفة وواضحة، وخلطة الوصول للصنم المعبود الجائزة، تتقدم لدى منتجين ومخرجين من هذا النوع على المعنى الحقيقي الذي يستطيع الفن أن يحمله ويوصله، لكن لن يصنع أفلامنا إلا نحن وهذا الـ«نحن» يبدو أنه نادر، وإن كانوا يشبهوننا، لكنهم ليسوا نحن، وقصصهم التي في الأفلام لا تحمل من قصصنا إلا الاسم والفكرة المشوهة والباقي لهاثٌ خلف توليفة ترضي الأوسكار وقصة شرقية بقالبٍ غربي، وهذه ليست المرة الأولى يا سادة».
وتداولت وسائل الإعلام المحلية في فلسطين تصريحات للفنانة الأردنية جولييت عواد شنت فيها هجوماً عنيفاً على الفيلم، وقالت إن فيلم «أميرة» يعتبر «من أقذر أنواع التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي» داعية إلى منع عرضه نهائيا.
وأضافت عواد إن منتجي وممثلي الفيلم «بدهم ضرب بالأحذية ويجب عقابهم من قبل الشعب وأهالي الأسرى (..) يا عيب الشوم صحيح إنهم ما يستحوا».
وقالت عواد: «فيلم أميرة يصنف ضمن أقذر أنواع التطبيع مع المحتل. المفروض يتم وضع أسماء المنتجين والممثلين المشاركين فيه على القائمة السوداء للتطبيع»، معربة عن استغرابها من «فكرة الفيلم غير الواقعية».
هل يعلم المنتجون ذلك؟
أما الباحثة الفلسطينية ميساء الوزني فكتبت على «فيسبوك» تقول إنها كانت أجرت بحثاً عن قضية النطف المهربة وحصلت على جائزة نتيجة عملها البحثي، وأضافت: «ثورة تهريب النطف من المعتقلات الإسرائيلية.. بحث علمي أخذ من وقتي وجهدي عام ونصف، وحازت على جائزة أفضل بحث علمي على مستوى الوطن العربي عام 2019.. هل يعلم منتجو الفيلم أن هناك اربعة شهود داخل المعتقل يشهدون على إخراج النطفة، وهل يعلمون أن النطفة تخرج من ظلمات السجن إلى النور بواسطة الوسيط وتستقبل بشاهدين بالغين عاقلين من أهل الأسير وأهل زوجته، وهل يعلم أن العملية يتم الاتفاق عليها قبل موعد اخراج النطفة بشهور وتخضع زوجة الأسير لتحضيرات علاجية مسبقة، هل يعلمون أن هناك طرقا ووسائل تتبعها العائلات للإعلان عن تهريب النطفة للمجتمع الفلسطيني بعد خروج النطفة من المعتقل؟».
وكتب خليل صالح: «أي أذى ممكن ان يتسبب به فيلم أميرة لزوجة أسير فلسطيني انجبت طفلا عن طريق النطف المهربة. أي أذى نفسي ممكن ان يتسبب فيه هذا الفيلم لطفل فلسطيني ولد عن طريق هذه النطف؟ المشاركون في هذا العمل هم أحقر ما يمكن أن يكون».
ونشر مصطفى الشنار تعليقاً قال فيه: «ينبغي عدم الاكتفاء بالإدانة لهذا الفيلم المشبوه، على أهميتها، بل لا بد من تحريك قضايا أمام المحاكم الفلسطينية والأردنية من أهالي الأسرى أولا، ومن المؤسسات الرسمية ذات العلاقة (نادي الأسير وهيئة شؤون الأسرى والمحررين) والمنظمات الشعبية المناصرة للأسرى في كل أنحاء العالم، لوقف الفيلم المسيء لتاريخ النضال الفلسطيني، ومحاسبة الفريق القائم على هذا العمل المشبوه، ابتداء من كتابة النص والسيناريو والتمثيل والإخراج، وانتهاء بالتمويل الموجه المشبوه».
وكتبت مي الزبن، وهي واحدة من عائلات الأسرى في سجون الاحتلال: «أنا كفرد مِن عائلات الأسرى، وقمري السجين «عمّار الزبن» هو أوّل مَن أنجب عبر تهريب النطف مهنّد وصلاح الدين (سفراء الحريّة الأوائل) أُطالب بسحب فيلم أميرة الهابط والساقط أخلاقيا والذي بدوره يشوّه سمعة الاسرى ويحطّ من قيمة هذه المبادرة الحرّة الشريفة للأسرى ولسفراء الحرية».
وغرد سالم النوارسة: «نضال الشعب الأردني والفلسطيني الحر يجبر الهيئة الملكية الأردنية للأفلام بسحب فيلم اميرة من مسابقة جوائز الاوسكار لعام 2022».
وكتب أحد المعلقين على «تويتر» يقول: «صحيح أنّ الهيئة الملكية الأردنية سحبت ترشيح الفيلم، لكن كان عليها الاعتذار بشكل واضح وصريح، والاعتراف بالخطيئة التي ارتكبتها، ومحاسبة المسؤولين عنها، لا أن تظلّ تناور وتقاتل وترفض الاعتراف بما اقترفته من ذنب عظيم».
يشار إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي بلغ حتى نهاية شهر نيسان/أبريل الماضي 4400 أسيراً، بينهم 39 أسيرة، فيما بلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين في سجون الاحتلال نحو 160 طفلاً، وعدد المعتقلين الإداريين 430 معتقلاً.