شأنه شأن عامة الناس، يعيش الشاعر حياته، تماما كأي حرف لا مرئي تتقاذفه الرياح باتجاه الجغرافية المادية والرمزية كافة، الخفية والمعلنة. كالآخرين يعيش حياته – على الأقل من حيث الظاهر- وطبعا في سياق تلك الحدود المألوفة والمشتركة، التي تنتهي عادة بنعي، يعلن عنه من قبل هذا المنبر أو ذاك. بصرف النظر عن نوعيتها، هناك في سجف الجحيم، أو بين أنوار الفراديس، ما دامت الحياة في عرف الذاكرة المشتركة، لا تعدو أن تكون زمنا عاما، وعابرا بين فاصلتين، لا أقل ولا أكثر.
لكن خارج هذه الحدود، هل ثمة صيغة مغايرة ومختلفة، يجوز الحديث بها عن حياة الشاعر؟ سؤال يبدو غير لائق إنسانيا وأخلاقيا، باعتباره يتضمن تلقائيا ذلك الإشعار «الجائر» بتعال مسبق، يتيح للشاعر فرصة انتزاعه لحظوة التفرد بمكانة استثنائية عن باقي الكائنات المجتمعية. فضلا عن كونه سؤالا «يفتقر» إلى الحد الأدنى من «العقلانية» خاصة بالنسبة للمتشبعين بالنظرة الأفلاطونية، التي دأبت على تجريد الشاعر من شرعية حضوره، بوصفه ضحية «تخيلات وأوهام» منفصلة جذريا عن «حقائق» الواقع ومستلزماته، ما يدعوها إلى الإزراء بحياته جملة وتفصيلا، ما دامت تخلو من مردوديتها العملية، ومن صلاحيتها الفعلية. وضمن هذا التصور المغلوط والمبيت، يمكن أيضا إدراج القرارات القمعية، الصادرة عن الأنظمة المتسلطة في حق من تعتبرهم شعراء مناوئين لسياساتها، ومخربين لقيمها وأعرافها.
فانطلاقا من هذه التصورات وغيرها، تصبح اللعنة قدرا يطارد حياة الشاعر، خاصة حينما تتعدد مصادرها، لتلقي به في ظلمة حجر قد يلازمه إلى الأبد، مؤثرا سلبا في منهاجية تلقي نصوصه، التي تصبح هي أيضا مشمولة باللعنة نفسها التي طالته حيا وميتا. وباعتبار أن هذا الموضوع، يحتل حيزا مهما في حقل الدراسات المختصة بتاريخ الأدب، حيث تتعدد التآويل والتفاسير لظاهرة قبول، أو رفض حياة هذا الشاعر أو ذاك، فإننا سنتناوله من وجهة نظر مغايرة، تهدف إلى مقاربة مفهوم حياة الشاعر أساسا داخل زمن ممارسته لفعل الكتابة وخارجه.
ولعل أهم أسس هذه المقاربة، وضع الحياة ككل في إطارها الإنساني الكبير والمحكم، باعتبارها شبكة معقدة من المكابدات والرهانات والكوارث، المفتوحة على احتمالاتها المتوقعة واللامتوقعة، سواء ضمن إطارها الجماعي العام والمشترك، أو فقط في سياقها الذاتي المحض. ونعني بها تلك الشبكة التي تنعدم فيها كل من عدالة الأرض، وعدالة السماء. ومن المؤكد أن تقييم المعيش انطلاقا من هذه الزاوية، سيرتقي بدلالة الحياة، من مستوى اعتبارها زمنا عابرا ومحدودا بين فاصلتين، إلى مستوى أكثر تقدما، تعلن خلاله الهوية الإنسانية عن حضورها الدرامي، في مواجهتها المكابرة لشراسة الممارسات الهمجية وعدوانيتها.
وضمن الإطار ذاته، تستمد الأعمال الإبداعية والفكرية الكبيرة دلالتها الإنسانية والتاريخية، بوصفها الضمير الحي، والنابض بحقائق وأسرار هذه الحياة، وباعتبارها نماذج راقية من نماذج التواصل الإنساني، المتميز بقدرته الاستثنائية على التقاط أكثر المشاعر خفاء، وأكثرها ترجمة للجوهر الإنساني، في مجمل ما يؤسسه من علاقات تفاعلية أو تنابذية مع عناصر الكون.
إنها لحظة موت الشاعر في الذات، التي لا تقل مأساوية عن لحظة موته الفعلي. كما أن غروب شمس الكتابة فيه، لا يقل ألما عن غروب شمس حياته من سماء هذا الكون، كي تظل نصوصه محتفظة «ربما» بتوقد حضوره هناك كما هنا، حيثما حلت ضيفة على أرض التلقي.
من هنا تحديدا، يمكن الحديث عن حياة الشاعر أولا: داخل المعيش، وثانيا داخل تجربة الكتابة. كما لو أن الأمر يتعلق بحياتين متكاملتين، تتبادلان معا فاعلية التأثير والتأثر، ما يضفي عليها خصوصيتها الاستثنائية المتفردة. ومن جديد، سوف نجد أنفسنا تلقائيا، أمام سؤال هذه الازدواجية المتكاملة، أي معايشة اللحظة حياتيا، بموازاة معايشتها إبداعيا، حيث سنكون مدعوين لإضاءة ما نعنيه بلحظة المعيش، التي يمكن رصدها في خاصية تمحور الذات حول ذاتها، بموازاة انفتاحها في الوقت نفسه على محيطها. وهو انفتاح متعدد الأبعاد، حيث يحتمل أن يشمل القضايا الكونية الكبرى، إلى جانب القضايا الوطنية والإقليمية. كما يحتمل أن يقتصر على حالات بشرية بذاتها، تلك المنتمية إلى المحيط الشخصي أو خارجه.
وكما هو واضح، فإننا لا نتحدث في هذا السياق عن الفضول العام والآلي الذي يتميز به الكائن ككل، خاصة بالنسبة للنخب المثقفة التي تعتبر – بحكم اهتماماتها المعرفية – مدعوة لتقصي ومقاربة مختلف الإشكاليات الأكثر إلحاحا، دون أن تكون معنية بامتلاك أي ميول فني أو إبداعي، يؤهلها لترجمة هذه الإشكاليات إلى أعمال فنية وإبداعية. ذلك أننا عكس ذلك، نتحدث عن تجربة التذاوت الإنساني الكبير، الذي يحدث بين المبدع، وأشياء العالم ككل، والتي تتوج عادة بإبداع نصوص شعرية، تنتزع اللحظة المعيشة من نسقها الزمني البسيط، لتضعها في سياق الصيرورة المجردة من ثوابتها المؤقتة والعابرة.
فبقوة هذا التذاوت الذي له نكهة الحلول، سيكون بوسع الشاعر أن يصهر حياته في حياة الآخرين، بصرف النظر عن أمكنتهم وأزمنتهم التي يتواجدون فيها، ما يسمح له بالعيش لأكثر من حياة في أكثر من مكان وزمان، حيث يتجاوز بذلك حدود التفاعل المشترك، من خلال صهره لهذه التماهيات، وهذه الحلولات في نصوصه، كي تتحول بدورها إلى موضوع معايشة وحياة بالنسبة للمتلقي. مع التذكير بأن تلميحنا إلى تجاوزه للحدود المشتركة والمألوفة، لا يعني بالضرورة تخصيصه بمكانة ما فوق إنسانية، بقدر ما يعني احتفاءنا بمجموع ما تتميز به الذات البشرية ككل من ملكات استثنائية، ترتقي بمقوماتها إلى مستويات متقدمة، من مستويات التواصل الجمالي والمعرفي الخلاق.
إن الشاعر من خلال تذاوتاته الإبداعية، يتيح للآخرين – هم أيضا – بوصفهم متلقين عاشقين، فرصة الترحال في الأمكنة والأزمنة، بما هي فضاءات حافلة بمختلف المواقف الإنسانية، سواء منها تلك التي تفتح أمامه أبواب الغبطة، أو أبواب الجحيم. ولعل فرصة الترحال هذه، هي البرزخ الرمزي، الذي يفضي بنا إلى أرض التفاهم والحوار، المؤطرة بقيم المعرفة والمسؤولية، باعتبار أن المعرفة الحقيقية المهداة إلينا من قبل الإبداع، هي تلك المتميزة بشحنتها الإنسانية التي يستضيء العقل بأنوارها.
وضمن هذ المعطى، يمكن الحديث عن مأساوية الصمت التي يباغت بها الشاعر، أو يمضي طواعية إليها. ونعني بها مأساوية انسحابه القسري أو الطوعي من أرض القول، حيث تنتفي بذلك، إمكانية اندماجه من جديد في حياة الكتابة. وعلى سبيل المجاز، فهذا الانسحاب هو في حد ذاته إعلان ضمني عن موت رمزي، تصبح بموجبه حياة الشاعر الإبداعية في حكم الماضي.
وبالنظر إلى أن الاسم يستمد سلطته من هويته الشعرية، فإن هذه السلطة لا تلبث أن تفقد بريقها فور زوال حظوة الهوية، أي فور تحول الشاعر إلى مجرد شخصية عادية تعيش حياتها على وتيرة الآخرين، حيث له أن يتكيف مع تقلب الأحوال، كما له أن يستشعر آلاف الآخرين وأفراحهم، دون أن يمتلك بالضرورة القدرة على نقل هذه الأحوال بما تفجره من مشاعر وأحاسيس، في عمل شعري قابل للتداول والتفاعل، بوصفه حياة رمزية ذات طابع جمالي وتعبيري.
إنها لحظة موت الشاعر في الذات، التي لا تقل مأساوية عن لحظة موته الفعلي. كما أن غروب شمس الكتابة فيه، لا يقل ألما عن غروب شمس حياته من سماء هذا الكون، كي تظل نصوصه محتفظة «ربما» بتوقد حضوره هناك كما هنا، حيثما حلت ضيفة على أرض التلقي.
شاعر وكاتب من المغرب