الطاهر الطويل مضى زمن كان فيه مطربون ومطربات يقفون أمام الجمهور لمدة تزيد عن ساعتين، ويقدمون أغاني طويلة، بنفس الحماس والتألق في الأداء والقدرة على الإمتاع وشد انتباه الجميع.كان صوت المطرب هو رأسماله الحقيقي، وكانت قدرته على إبراز خاماته الصوتية كفيلة بجعله يتربع على عرش المجد الفني. أما اليوم، فقد اختلفت المعايير وانقلبت المفاهيم. صار صوت المغني أو المغنية ‘يُصنع’ في الاستوديوهات، حتى وإن كان ضعيفا، وتضاف إليه بهارات التقنية والموسيقى ومؤثراتها، إمعاناً في خداع الناس، وتكتمل حلقات صناعة ‘نجم الغناء’ بلمسات شكلية في المظهر تجعله مغايراً ومثيراً، ولا بأس أيضا من مرافقين ومرافقات يشغلون الناس بالرقصات؛ حتى أصبح الجمهور ينصت إلى الأغنية بعينيه لا بأذنيه، وهي أغنية لا تتجاوز بضع دقائق، انسجاما مع ثقافة الوجبات السريعة التي أفرزها المجتمع الاستهلاكي.ومن ثم، أصبح الكثير من المطربين والمطربات العرب يحملون معهم أسطوانات مدمجة (سي دي) لأغانيهم، أينما حلوا وارتحلوا، حتى إذا دُعوا إلى سهرة تلفزيونية دفعوا تلك الأسطوانات إلى مخرج السهرة ليشغّل الأغنية، ويكتفي المطرب بتحريك شفتيه كما لو أنه يغني على المباشر، مدعياً الاندماج الحي مع الجمهور الحاضر في استوديو التصوير.إنهم يفعلون ذلك، أولاً للتغطية على ضعف أصواتهم (المزينة بزخرف التقنيات في الاستوديوهات ـ كما أسلفنا). وثانياً، لتحاشي مرافقة العازفين والموسيقيين لهم، وشعارهم في ذلك: ‘أنا أولى بالمستحقات المالية من هؤلاء!’مطرب.. و’سي دي’.. وسهرة مزيفة، يبذل من أجلها التلفزيون ملايين الدراهم. ألا يذكر حال هؤلاء المطربين بحال العديد من المسؤولين العرب الذين تقوم سياستهم، هم أيضا، على الزيف والخداع، في محاولة لاستمالة المواطنين؟مخاطر الصورة التلفزيونية وأخلاقياتهاالإعلاميون المشتغلون في التلفزيون في وسائل الإعلام السمعية المرئية المغربية، وربما حتى في مؤسسات إعلامية عربية ودولية، يتشكلون من فئات متعددة، من ضمنها فئتان:ـ فئة خريجي المعاهد المتخصصة في المجال، عمومية كانت أم خصوصية.ـ وفئة الصحافيين القادمين من الصحافة المطبوعة ـ ولاسيما من المؤسسات العتيدة ـ التي تعد مدارس فعلية للمراس الصحافي وللتفاعل الحي مع المضمون الإعلامي، خبرياً كان أم تحليلياً أم حوارياً.الممارسة الإعلامية في التلفزيون لا يمكن اختزالها في الجانب التقني المحض، مع ما لهذا الجانب من أهمية قصوى؛ فالأساس هو كيفية تطويع المعطيات التقنية للصناعة التلفزيونية، من أجل تقديم مضمون محدد، يستوفي شروط الخدمة التلفزيونية العمومية في مستوياتها المعروفة: الإخبار، التثقيف، الترفيه، وبالتوازن المطلوب طبعا بين هذه المستويات.وكما هو معروف، فالمادة التلفزيونية تقوم على عنصرين مركزيين: الصورة والنص أو التعليق (وأحيانا يغيب النص وتبقى الصورة لوحدها ناطقة بدلالات معينة)؛ ولذلك، فمن أهم القضايا التي ينبغي أن يرتكز عليها استعمال الصورة التلفزيونية المقدمة لجمهور المشاهدين، هو ما يُطلق عليه ‘أخلاقيات الصورة’، وهي قضية تحمل أوجها قانونية وأخلاقية وإنسانية، بالقدر نفسه الذي تحمل وجها إعلامياً بتجلياته الإخبارية أو التعبيرية والإيحائية وربما الجمالية أيضا. فأخلاقيات الصورة تنصب على كيفية توظيف الصورة التلفزيونية وتركيب (مونتاج) مجموعة من اللقطات للدلالة على محتوى معين. وحين تخرج تلك اللقطات عن سياقاتها المعروفة، ويتم تحميلها من المعاني والدلالات ما لا تحتمل تقع الكثير من المفاجآت غير السارة التي قد تسيء للأفراد أو المجموعات. وكلنا يتذكر ـ مثلا ـ فضيحة بعض القنوات الإسبانية التي استعملت صورا لأطفال فلسطينيين خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، وادعت ـ كذباً ـ أنهم أطفال صحراويون تعرضوا للتعذيب من طرف السلطات المغربية.أخلاقيات الصورة كما تهمّ التغطيات الإخبارية، تهم أيضا البرامج الاجتماعية والتحقيقات وغيرها. ويبرز معها الحق في الصورة كحق شخصي لا يمكن الاعتداء عليها، كما يبرز معها ضرورة تمييز الفرق التلفزيونية بين الأماكن التي يحق فيها التصوير والأماكن التي لا يحق فيها ذلك (ما يطلق عليه المكان الخاص). وضمن نفس الاحتياطات القانونية والإعلامية المرتبطة بالصورة التلفزيونية، تندرج أيضا حقوق الأطفال والنساء والمرضى والمعاقين وغيرهم… هذه المجالات وغيرها ينبغي ألا تكون فقط مجال تدريب محدود في الزمان والمكان، في هذا المعهد أو ذاك، وإنما يتعين أيضا أن تكون موضوعات لتدريب مستمر في مختلف المؤسسات الإعلامية السمعية المرئية. فكم من حقوق تُنتهك في مجال الصورة التلفزيونية للفئات المذكورة في أكثر من قناة تلفزيونية. ولحسن حظ تلك القنوات، ولسوء حظ من يكونون موضوعا لتلك الانتهاكات في ميدان الصورة، أنه لا تحرك دعاوى قضائية ضد المؤسسات التي تقوم بذلك الفعل، كما يقع في بلدان تكرست فيها حقوق المشاهد وحقوق المواطن عموما.من جهة أخرى، وبما أن الصحافي المشتغل في الإعلام السمعي المرئي (كما هو الحال بالنسبة لزميله العامل في الصحافة المطبوعة) ليس رجلا تقنيا فقط، ولا يعمل في مهنة تنتج موادا وقوالب جاهزة، لأنه مرتبط أساساً بالمضمون والخطاب، فإننا نعتقد أن قضايا مثل الخط التحريري وميثاق التحرير وبند الضمير ينبغي أن تكون هي الأخرى مجالا للتدريب المستمر، لما لها من انعكاس على الممارسة الصحافية؛ ولاعتبار ثان، يتمثل في أن الصحافي يُساءَل، هو أيضا، عما يُـقـدَّم في المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها، وليس من حقه أن يقول: أنا مجرد منفذ لسياسة إعلامية منتهجة من طرف الإدارة. فالصحافي ليس مجرد شخص يقوم بمهمة أُمر بها، بل لا بد أن يكون له رأي وموقف بخصوص تلك المهمة في إطار أخلاقيات المهنة أولاً، وفي إطار ميثاق واضح للتحرير ثانياً.الصوت / الجوكر المتنقل بين البرامج والقنوات والإعلانات’أنا وحدي نضوي البلاد’ (أنا وحدي أضيء البلاد)أغنية مغربية معروفة، تنطبق على منشطة ذات حضور طاغ في برامج التلفزيون المغربية، فوجهها يتكرر في أكثر من برنامج، وصوتها يُسمع في البرامج وكذا في فقرات الدعاية للفقرات التلفزيونية، بالإضافة إلى الإعلانات التجارية. مما يطرح معه أكثر من سؤال: ما سر هذه الهيمنة للصوت النسوي المومأ إليه؟ هل يفتقر التلفزيون المغربي العمومي إلى أصوات ووجوه يمكن أن تحد من قوة ذلك الاحتكار الفردي؟ أم أن صاحبة ذلك الصوت تمتلك قدرات خارقة لا تتوفر في غيرها من الأصوات؟ العارفون بالأمور يقولون إن صاحبة الحظوة غير متعاقدة حصرياً مع قناة بعينها، ولكنها تعمل مع شركة للإنتاج التلفزيوني. وبالتالي، فمن حقها أن تتنقل كفراشة بين مختلف الحقول. أما الداعون إلى تكافؤ الفرص فليشربوا البحر!* كاتب من المغرب[email protected]