قرداحي الفارسي… وتهاون محمد صلاح… زهير رمضان وتفاهة الشرّ

حجم الخط
3

حتى لو كان في قرار وزير العمل اللبناني توسعة للعمالة الفلسطينية في لبنان، والعبارة بحسبه، يبقى النقاش كما دار على قناة «الميادين» في برنامج «المشهدية» مخجلاً في جوهره، وإن بدا للبعض أن الوزير مصطفى بيرم يعطي مزيداً من حرية العمل لفلسطينيي لبنان، أو أنه منحاز لتحسين أحوالهم، فهو نفسه يكرر أن القرار جاء تبعاً للمصلحة اللبنانية ومراعاة للظروف الاقتصادية (لا تلبية لحقوق وضرورات إنسانية). الوزير طمأنَ الجميع أنه مجرد قرار وزاري لا يمس التشريعات أو القوانين التي سنّت منذ سبعين عاماً.
نقلت مذيعة البرنامج احتجاجات جبران باسيل واتهامه للقرار بالتوطين المقنّع، كما اعتراض نقابة الأطباء، لكن الوزير ظلّ يُطَمْئِن وضرب لنا مثلاً عن أولوية العامل اللبناني على سواه عندما راح يعدّ على أصابع يده: إن طُلب ستة عمال وتقدّم ثلاثة لبنانيين وفلسطينيان وبنغلاديشي ستكون الأولوية للبنانيين، ولو تقدّم خمسة لبنانيين لكان الفلسطيني هو السادس، ما يعني أنه مواطن وعامل من الدرجة السادسة. هل سمعتم عن قوانين في ألمانيا أو فرنسا تحرم اللاجئ أو المقيم من العمل أو تعطي الأولوية للعامل الألماني والفرنسي على أي كان؟

عهد الوصاية السورية في لبنان لم يحاول فرض قوانين جديدة تنصف الفلسطينيين، ولا كذلك عهد ما بعد الوصاية

سيعرض البرنامج لتقرير عن أحوال المخيمات، البؤس والبطالة والبنى العاطلة، وسيتقزّز الوزير متحدثاً عن أرقام يندى لها الجبين، لكن من دون أن يطالب بمشاريع جدية تطال التشريعات الأساسية والقوانين. سيكتفي بالتلميح بأن الأمر ليس بيد من يمثلهم (هو من حصة حزب الله). عندما يجدّ جدّ الحديث سيقول إنه لن يدخل في الزواريب اللبنانية.
في الظاهر سيبدو بيرم وكأنه بطل منحة خارقة ستضع فلسطينيي لبنان في قلب المستقبل، خصوصاً أنه زاد قليلاً وتباكى على أحوال الفلسطينيين البائسة، لكن في الواقع لا المنحة تستحق الاحتفال، ولا يتعدّى الأمر سوى كونه تعويضاً لعمالة أجنبية لم تعد تطيق لبنان فهاجرت. وبالتالي ليس أسهل من إبطال قرار الوزير بقرار وزير آخر، أو بقرار جديد منه هو نفسه.
جدير بالذكر أن كل عهد الوصاية السورية (حلفاء الوزير) لم يحاول فرض قوانين جديدة تنصف الفلسطينيين، ولا كذلك في عهد ما بعد الوصاية، حيث «حزب الله» هو الدولة التي فرضت وعطّلت وأخذت لبنان كلّه إلى خارج البلاد، ومع ذلك لم يتكرّم باجتراح معجزة قانونية أقل إجحافاً.

صمت قرداحي

أجرت قناة «العالم» الإيرانية مقابلة مع الوزير المستقيل جورج قرداحي، طبّلت له، ووصفته باللقاء الحصري، مع أن الرجل متوفر على الشاشات بلا رحمة.
لا جديد في المقابلة، كلامه مكرور وفارغ يخجل به قلب أقلّ الإعلاميين اللبنانيين شأناً، في بلد أنجب أساتذة في الصحافة والإعلام، تماماً كما أنجب أسوأ زعماء ووزراء. الجديد هو تلك الكلمة المكررة بكثافة في الحوار المكتوب، وقد أرفق به فيديو المقابلة على موقع القناة: «الخليج الفارسي» ، مع أن قرداحي لم يأت على ذكر الكلمة، كان يكتفي باسم «الخليج» كما هو معتاد في أحاديثنا العادية، سوى أن المحرر الإيراني لا يردعه رادع، لا مهني ولا أخلاقي.

يؤمن جورج قرداحي في أعماقه أن الخليج خليجهم، ما دام يؤمن أن لبنان هو كذلك لبنانهم!

لن تجد في أي مكان احتجاجاً من قرداحي على تقويله ما لم يقل، في النهاية هو جزء من المحور الإيراني، لم يخفِ ذلك، حتى وهو ينهل من خيرات الصفّ الآخر، حتى وهو يبني لحم كتفيه من أعطياتهم.
وزير الإعلام المستقيل، المذيع المخضرم السابق ذو الشعبية الكبيرة التي يأمل أن توصله إلى البرلمان اللبناني، لم يخطر له أن يوجه أي نوع من العتب للقناة الإيرانية، فلعله يؤمن في أعماقه أن الخليج خليجهم، ما دام يؤمن أن لبنان هو كذلك لبنانهم.

تفاهة الشرّ

مع وفاة نقيب الفنانين السوريين الممثل زهير رمضان استبشر عدد من الفنانين خيراً، فقد كان النقيب أقرب إلى مساعد في المخابرات (السورية حصراً) منه إلى فنان، تصريحاته كانت نارية على الدوام، بطشَ بالفنان الموالي قبل المعارض. بعد وفاته تنفس الفنانون الصعداء، قالوا ربما تعود إليهم بعض الحقوق، وبالفعل فُتح الباب مجدداً كي يعاود الفنانون المفصولون الانضمام، لكن تصريح نائب النقيب جاء لافتاً، ومؤكداً على نهج رمضان، عندما استثنى «من تلوثت أيديهم بدماء السوريين» .
هي عبارة تخوينية قاتلة أفظع من «إيهان نفسية الأمة» ، ما يعني تلويحاً لكل فنان معارض بمصير قاتم. من يعرف فناناً سورياً كان قريباً بهذا القدر أو ذاك من السلاح! من هو الفنان الملوثة يداه بدماء السوريين!

إن كان نقباء آخرون مثل أسعد فضة ودريد لحام وصباح فخري في زمنهم من دون تصريحات كوميدية أو نارية فلأن زمنهم لم يكن زمن احتدام واشتباك سياسي.

تصريح نائب النقيب الناري أكد للجميع بأن زهير رمضان لم يكن متفرداً، تصريحاته وفرماناته ليست تماماً من رأسه. نقيب الفنانين (كأي نقيب آخر في سوريا الأسد) دور، وظيفة، هذا ما سيكون عليه أي نقيب فنانين. تذكروا الممثل صباح عبيد (الغضنفر) هل كان أقل سوءاً وهزلاً من رمضان (وهو تسلّمَ حكم النقابة في فترة الاحتدام اللبناني السوري بعيد اغتيال الحريري)! وإن كان نقباء آخرون مثل أسعد فضة ودريد لحام وصباح فخري في زمنهم من دون تصريحات كوميدية أو نارية فلأن زمنهم لم يكن زمن احتدام واشتباك سياسي.
أخيراً؛ قد يصبح الفنانون السوريون أكثر تفهماً لحال برغي تافه في ماكينة النظام الهائلة القاتلة.

فتاوى

لم يكفر لاعب كرة القدم الأشهر محمد صلاح عندما أجاب في مقابلة تلفزيونية على سؤال حول ما يمكن أن يفعل، وهو المقيم في بريطانيا، إن عُرض عليه شرب الكحول: «ما بشربش خمور لأنها مش حاجة كبيرة بالنسبة لي عشان أعملها، نفسي على طول مش بتروح لها» . بالنسبة لـ «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» العريضة لا يعجبها أن الشاب عازفٌ فطرياً عن الخمور والأمور. هاجوا وماجوا مستنكرين جوابه؛ كان عليه أن يكون أكثر صرامة ليتحدث عن انصياعه لتحريم ديني، إنهم تقريباً يطالبونه بالتحوّل إلى شيخ ينقل إلى مضيفه الشرير فتاوى دينية حرفية بخصوص ذلك الرجس التاريخي. لكن محمد صلاح مجرد لاعب لا مُتَمَشْيِخ، ولا شك أن أبعد ما يكون عن مشاغله إقناع البريطانيين بالكفّ عن «فعايلهم» .

محمد صلاح مجرد لاعب لا مُتَمَشْيِخ، ولا شك أن أبعد ما يكون عن مشاغله إقناع البريطانيين بالكفّ عن «فعايلهم».

انشغال لا يشبهه إلا انشغال شيخ أزهري برأس المغنية المصرية شيرين بعد حلاقتها الصبيانية لشعرها. أفتى الرجل، ولا شك أن فتواه تأتي استجابة لانشغال شعبي يهجس هو الآخر برأس الفنانة، محذراً الأجيال من الصبايا من تسريحة شيرين، حتى لو كان في الأمر حلّ لاكتئاب نفسي.
طريقة صلاح في الاعتذار عن المنكر، ورأس شيرين، ودموع ليلى علوي أثناء العمرة شؤون شخصية تماماً، ليس غريباً أن تصبح هي التريندنغ للملايين البعيدة عن هموم لا شكّ أنها أكثر إلحاحاً.

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية