النهايات السعيدة في السينما: تزييف للواقع أم بعث للأمل؟

شكّلت فكرة النهايات السعيدة في السينما جدلا واسعا بين فريقين.. الأول ينتصر لها، باعتبارها تشكل طقوسا تفاؤلية وتخلق حالات من الفرح والتنفيس مما يعانيه الإنسان من صعوبات الحياة. والآخر معارض يرى أن هذه النهايات تسعى لتزييف الواقع وخلق الوهم، حيث تجميل حالات البؤس والفقر والحرمان.

ميلاد الفكرة

رمت الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 بكامل ثقلها على الحياة آنذاك، حتى سميت الفترة بكاملها بـ(الكساد الكبير) متجلية في انتشار الفقر المدقع، وعدم اليقين بشأن المستقبل. من هنا ستتولد فكرة «النهاية السعيدة» في السينما تخفيفا من وطأة الأوضاع القاسية والصعبة، وبسرعة انتشرت في كل بقاع العالم.
ما أراده المشاهدون – على جانبي المحيط الأطلسي – لم يكن أكثر من جرعات من الهروب من واقع مرير، أو على الأقل، هذا ما اعتقده مموّلو الثقافة وصانعو الأفلام آنذاك. وهكذا انتهت القصص الكلاسيكية بطريقة أكثر تفاؤلاً عندما ظهرت على الشاشة الكبيرة، بهدف تحسين الأمزجة، ومنح طاقة إيجابية وتخفيف التوتر، واستبدال مشاعر الكرب بأخرى لطيفة، وتعزيز التحرر العاطفي وتنمية الخيال والإبداع، والمساعدة على تحديد وتطوير نقاط القوة الخاصة بالفرد، والدعوة للإيمان بإمكانية تحسين الأوضاع، وبالتالي هناك فرصة أخرى.. هناك أمل.
رأى أصحاب وجهة النظر هذه، أن هذه النهايات السعيدة تعزز المرونة (وهي قدرة الأشخاص على التغلب على فترات الألم العاطفي) والتشجيع على إظهار المشاعر الإيجابية، وبالتالي تقوية جهاز المناعة، كما تساعد في تماسك العالم الداخلي للشخص بتفاؤل أكبر، لكن هذا الرأي الأول وجد معارضة شديدة لهذه النهايات، لكونها تخلق مفاهيم زائفة وغير واقعية، وعلامة على الإفراط في التسويق التجاري في الأساس.
ولنأخذ على سبيل المثال رواية فرانكنشتاين (1931). ففي الرواية يتزوج فرانكنشتاين من حبيبته إليزابيث، لكنها تُقتل على يد الوحش. وفي وقت لاحق، يواجه فرانكنشتاين الموت في القطب الشمالي. في الفيلم، على العكس تماما، يجتمع الدكتور فرانكنشتاين وزوجته ويعيشان في سعادة دائمة. وأيضاً في رواية «أحدب نوتردام» لفيكتور هوغو، تتمثل النهاية في شنق إزميرالدا، عندما اختار كوازيمودو أن يموت بجانب جسدها. أما في نسخة الفيلم (1939) نجد أن كليهما قد نجيا من المصير الذي خطّه لهما الكاتب. وحتى في رواية جون شتاينبك، «عناقيد الغضب» وموضوعها عن المعاناة في الأراضي القاحلة، ظهرت النهاية في فيلم جون فورد (1940) بصورة أكثر تفاؤلاً.

البطل المُنتصر

كانت فكرة قتل البطل في النهاية تبعث برسالة غير مناسبة تماما، في سياق مأزوم من التاريخ الأمريكي، حيث كان الاكتئاب ينمو في الأرجاء، وكان المواطنون يتطلعون إلى مستقبل أفضل بسبب الأزمة الاقتصادية، فكان على السينما أن تجد مخرجا، وأن تترك في أذهان الناس تجربة البطل الذي ينتصر على الشر وأوجه البؤس والفقر دون موته، مجسدا القيم العليا والمثالية. وبالتالي، فليس من المستغرب على الإطلاق أن تجد «النهاية السعيدة» في السينما الهوليوودية قبولا للفكرة ورواجا وتصديرها إلى السينما البريطانية، وحتى إلى بعض البلدان غير الناطقة بالإنكليزية، وتصبح شكلا ثقافيا أكثر قبولا في أكثر السينمات والمدارس السينمائية، واستخدامها سياسيا في أكثر من بلد، وعلاجا نفسيا وقائيا للمواطن من بعض الأزمات مع بعض الاستثناءات القليلة.
فمنذ عام 1930 أقدم مخرجون قلائل على قتل أبطالهم في النهايات، وما يخلفه الموت من وقع في نفسية الجمهور، الذي تعود على فكرة انتصار البطل وقهر الصعاب. وفي التسعينيات قدم المخرج كوينتين ترانتينو رؤية مغايرة للنهاية السعيدة في فيلم «الرومانسية الحقيقية» بوفاة بطل الرواية (كلارنس) الذي قُتل بالرصاص، لكن في نهاية الفيلم، نراه نجا ويلعب مع زوجته وطفله على الشاطئ. وهنا يقدم ترانتينو نهايتين.. نهاية واقعية ونهاية في الحلم. كذلك نجد بعض المخرجين يتوقف عند نهايات مفتوحة، تاركا الأمر صالحا ومتوافقاً وكل الاحتمالات، تخوفا من نهاية قتل البطل ونفور الجمهور من الفيلم، وبالتالي فشل تسويقه التجاري.
وفي الأخير نجد الكثير من النقاد لا يؤمنون بفوائد النهاية السعيدة، مشددين على أن هذه النهايات تخلق مفاهيم خاطئة وأوهاما زائفة عن تقدير الواقع بعيون واقعية وعقلانية، في مواجهة بؤس الحياة اليومية بتلونها وتعقيداتها.

كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية