أعلن الأردن هذا الأسبوع رسمياً، وبشكل غريب، سحب ترشيح فيلم “أميرة” من جائزة الأوسكار، الفيلم الذي أنتج وصور باسمه وعلى أرضه لكبرى شركات الإنتاج الأمريكي “نتفلكس” بسبب انشغاله بالمسألة الأكثر تفجراً وحساسية في العالم العربي، ولا سيما في أوساط الجمهور الفلسطيني – السجناء الفلسطينيين، الذين يعرفهم الكثيرون في العالم بأنهم “مقاتلو حرية”.
“أميرة” (إنتاج مشترك أردني ومصري وفلسطيني) يروي حياة فتاة فلسطينية تدعى أميرة، اعتقل أبوها وهو سجين أمني قبل أن تولد، وحكم لعشرات السنين في السجون الإسرائيلية. بعد أن كبرت أميرة وأصبحت فتاة واعية، بدأت تطرح الأسئلة القاسية، ولا سيما كيفية ولادتها لأب مسجون يحظر عليه أي اتصال جسدي من أي نوع كان. وبعد ضغوط شديدة، وافق الأب على إجراء فحص أنسجة، ولمفاجأتها – وهنا الأزمة الكبرى وتوجيه النقد الحاد ضد الفيلم – يكتشف أنها ليست ابنته البيولوجية رغم أنه هرب نطفته، بل هي لسجان إسرائيلي درج على اللقاء بأمها.
يبدو أن الفيلم وضع على الطاولة موضوعاً حساساً جداً، بقرة مقدسة، يفضل الكثيرون عدم الحديث فيه أو طرحه على جدول الأعمال، بل قبوله كما هو. وبخاصة عندما تتحدث المعطيات الحقيقية الرسمية عن 96 طفلاً وطفلة ولدوا لسجناء أمنيين فلسطينيين، نجحوا -حسب الرواية الرسمية- في تهريب نطفهم خارج أسوار السجون في إسرائيل، وهكذا نجحوا في إنجاب أطفال.
لم تهدأ بعد تلك العاصفة التي جرت في الأردن حول الفيلم، وجرّت حتى الآن نشر اعتذار رسمي من بعض الممثلين في وسائل الإعلام وفي الشبكات الاجتماعية، خصوصاً للسكان الأمنيين وأبناء عائلاتهم. وكان أساس الاعتذار الإعراب عن الأسف الشديد على التعاون مع الإنتاج.
الفيلم، كما أسلفنا، نجح في رفع أسئلة معقدة إلى السطح، هي مثابة المحظور الذي لا يتجرأ أحد على طرحه علناً، أو أن يطلب أجوبة عليها، ولا سيما تلك المتعلقة بالمسألة الصحية وبمصداقية تهريب النطفة من السجن.
مسألة السجناء في المجتمع الفلسطيني واحدة من المسائل الحساسة، المهمة والمقدسة لكل الجمهور. ليس هناك عائلة ولو واحدة إلا ولها علاقة بسجين أمني، سواء في الماضي أو الحاضر، والجمهور الفلسطيني موحد في رأيه في الحاجة لدعم السجناء ومساعدتهم هم وأبناء عائلاتهم. يمكن القول إن هذه هي المسألة الأولى في أهميتها بعد المسجد الأقصى، وبالتأكيد أهم من مسألة اللاجئين.
من هنا، كانت مسألة السجناء، وما زالت، في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، إحدى صخور الخلاف الأشد. ترى إسرائيل فيهم كمن ارتكبوا جرائم، ويرى الفلسطينيون فيهم مقاتلين ضحوا بحريتهم من أجل الوطن.
وفي هذه الأثناء، منع الفيلم عن البث سيستغرق وقتاً طويلاً آخر إلى أن تكون هناك جرأة لطرح مسألة مثل ولادة أطفال لسجناء أمنيين من خلال تهريب نطفة من السجون الإسرائيلية. كل حديث من هذا النوع -يطرح تقديرات وتخمينات بحق السجناء- كفيل بأن يجر نقداً لاذعاً ومقاطعة لمن يتجرأ على طرح أسئلة قاسية على جدول الأعمال العام.
بقلم: جلال البنا
إسرائيل اليوم 15/12/2021