النظارة السوداء لا تخيف

حجم الخط
1

كنا وحدنا حين قال لي بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يسمعه أحد سواي: «سأعترف لك ببعض أسراري ما دمنا وحدنا فأنت خير من يفهمني». كان جليسي واسع المعارف وهذا ما زاد من اهتمامي باقتراحه، فقلت له، كلّي آذان صاغية.. ولكن إرفع صوتك قليلا.. فأجاب: حسنا.. سأرفع صوتي قليلاً.. المسألة تتعلق ببعض المشاعر التي تنتابني في مناسبات معينة، فأنا لا أدري مثلا لماذا أشعر بنوع من الدوار كلما دخلت إلى مؤسسة رسمية ضخمة ذات طوابق متعددة، وممرات طويلة متداخلة وعلى الأخص حين أكون ساعيا في إنجاز معامله لي هناك. ما أكاد أدخل حتى أشعر بالضياع وبأنني إنسان ضعيف مغلوب على أمره أمام هذه الغرف الكثيرة المحتشدة بالموظفين العابسين، وخلال تلك الممرات المتشابكة التي تبدو لي كمتاهة من المستحيل حفظ الاتجاه السليم عبرها. وهكذا يركبني نوع من التهيب او الخوف على الأصح، فأدخل الغرف مترددا وأخرج منها متعثرا، وأقف أمام الموظف خاشعا متحيرا كيف أظفر باهتمامه من دون أن أزعجه. ولا أعود إلى حالتي الطبيعية إلا بعد خروجي من المبنى تماما. وعندها فقط أتنفس الصعداء وأنطلق في الشارع مختلطا بالمارة سعيدا بأنني تحررت للتو من مأزق خانق.
وحتى في الشارع، حين أمر من أمام مبنى رسمي يقف دونه حراس مسلحون تنتابني هذه الكوابيس على الفور، فأنزل من على الرصيف إلى الشارع حتى إن كان مزدحما بالسيارات المسرعة احتياطا من أي تحذير يوجهه الحراس إليّ بهذا الخصوص. وكثيرا ما أعمد إذا كنت وحيدا والمكان خاليا إلى تشجيع نفسي بالصفير المتقطع المتحشرج ولا استرد سكينتي إلا بعد ابتعادي ودخول العابرين إلى طريقي.
حتى على حدود البلاد وأنا مسافر ما أكاد أقترب من حاجز رجال الأمن أو نوافذ مكاتبهم كي أسلمهم جواز سفري حتى تنتابني هواجس عجيبة وكأنني مجرم ملاحق وما أكاد أسمع اسمي بعد قليل حتى يقفز قلبي بين ضلوعي متوجسا، فإذا كان الأمر لا يعدو كونه نداءً عاديا لتسلّم الجواز سرعان ما تأخذني حالة من الفرح وكأنني نجوت فعلا من خطر كبير.. يا إلهي.. ما كان أشقاني وأسعدني بعدها في تلك اللحظات!
ماذا نسمي هذه الحالة يا صاحبي؟ هل أنا جبان إلى هذا الحدّ؟ وهل هو جبن فطرت عليه أم أكسبتني إياه ظروف الحياة؟
فقلت له:
ـ لا أعتقد ذلك، فأنت إنسان مثقف وجندي شارك في الحرب كما أعرفك، لا تتردد عن قول كلمة الحق في الموقف المناسب.. هذا ليس جُبنا لا بالفطرة ولا بالاكتساب وإنما هي حالة عامة تكاد تشمل معظم المواطنين، فنحن أناس كما تعرف ورثنا عهود الحكم الاستبدادي المطلق منذ آلاف السنين، وقد تعودنا كما يبدو على الخوف من السلطة المطلقة التي لا تقيم وزنا لمبادئ الحرية والديمقراطية.. لقد ذهب عهد عمر بن الخطاب الذي قال لعمرو بن العاص والي مصر حين وجده محاطا بالحرس والحجاب في قصر مترف مغلق قولته الشهيرة: «متى استعبدتم الناس يا عمرو وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟».. هذا خليفة لا مثال له في ما طغى على العرب من حكام .. إن الخوف عزيزي شعور ضروري لهؤلاء الحكام كي يشعروا بأن الأمن مستتب في البلاد وأن لا خوف على الكرسي الذي يتربعون فوقه من أن يُنتزع منهم.. أنا مثلك اشعر بالارتباك وتأخذني الهواجس كلما واجهت نافذة موظف عابس يتلذذ بالتعالي على المراجعين وخلق الإشكالات لطلباتهم ليس استدرارا للرشوة، بل لأن الانتماء إلى الجهاز الحكومي القادر على تعطيل الطلبات ولو قليلا يمنح الموظف عادة شعورا خاصا بالاستعلاء على المواطن العادي البسيط والخضوع أمام الموظف الأعلى منه شأنا..
وقبل أن أتابع حديثي وجدت صاحبي يخزني بأصبعه هامسا:
ـ إخفض صوتك يا رجل.. لقد اقترب منا رجل يلبس نظارات سوداء وينظر إلينا بإمعان..
فالتفت نحو الرجل المقصود فإذا هو أحد معارفي القدامى ينظر نحوي وكأنه يختبر ذاكرته فأشرت إليه مرحبا وأنا أقول لصاحبي:
ـ لقد كسرت جدار الخوف يا عزيزي بفضل هذا الرجل الذي تشير إليه..
فقال لي: كيف حدث ذلك؟ ومتى.
فأجبته وأنا أنهض لاستقبال الصاحب القديم: لقد كسرنا جدار الخوف معاً ذات يوم.. وها أنذا اكسره معك من جديد.. ولا تسألني كيف حدث ذلك.

٭ أديب سوري

شوق بغدادي ٭

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية