هل تمنع حكومة بغداد الصدام بين الفصائل والقوات الأمريكية؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

من أجل إسقاط ذرائع الفصائل والأحزاب الولائية حول تواجد القوات الأمريكية، تسعى حكومة بغداد، لتأكيد انسحاب تلك القوات وبقاء عدد محدود منها لأغراض التدريب والاستشارة وتقديم الدعم.

بغداد ـ «القدس العربي»: مع اقتراب عداد الأيام من إعلان نهاية عام 2021 تلوح في الأفق توقعات اندلاع مواجهة جديدة بين القوات الأمريكية المتواجدة في العراق وبين الفصائل الشيعية الولائية، التي هددت بمعاودة شن الهجمات على القواعد والمناطق التي تتواجد تلك القوات فيها، بعد تاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر الحالي، مما ينذر بجولة جديدة من التوترات الأمنية في البلد.
وقد تصاعدت وتيرة التحدي المتبادل بين الحكومة الأمريكية والفصائل رغم إعلان حكومة بغداد، بدء القوات الأمريكية الانسحاب من العراق، وبقاء عدد محدود منها لأغراض التدريب والاستشارة والدعم، حيث هددت الفصائل الولائية، بشن حرب ضد أي تواجد للقوات الأجنبية، وتحت أي مسمى، وسط محاولات حكومة مصطفى الكاظمي، التهدئة واحتواء الموقف، لتجنب إضافة أزمة جديدة إلى الأزمات والتوترات السائدة في العراق، وخاصة أزمة الصراع حول تشكيل الحكومة بين القوى السياسية في أعقاب الانتخابات الأخيرة.
ويبدو واضحا ان هناك تناقضا عميقا في النظرة لدور القوات الأجنبية وكيفية التعامل معها، بين معسكر يضم حكومتي بغداد وأربيل والأحزاب الكردية والسنية، التي ترغب ببقاء القوات الأمريكية واستمرار الحصول على المساعدات والمشورة والدعم الاستخباري والجوي منها، مقابل معسكر الفصائل والأحزاب الموالية لإيران، التي جعلت إفراغ العراق من القوات الأجنبية، هدفا استراتيجيا لها، ليس حرصا على سيادة العراق، وانما لإبعاد أية قوة خارجية قد تعرقل نفوذ الحليف الإقليمي.
وفي إطار محاولات التهدئة، استقبل الرئيس العراقي برهم صالح، منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت مكغورك، مؤكدا «ضرورة نزع فتيل أزمات المنطقة ودعم مسارات الحوار» مع الحرص على «استمرار التعاون لتعزيز قدرات قوات الأمن العراقية ومكافحة الإرهاب». ومن أجل إسقاط ذرائع الفصائل والأحزاب الولائية حول تواجد القوات الأمريكية، تسعى حكومة بغداد، لتأكيد انسحاب تلك القوات وبقاء عدد محدود منها لأغراض التدريب والاستشارة وتقديم الدعم. وفيما أعلن مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، «انتهاء المهام القتالية لقوات التحالف وانسحابها من العراق رسميا» وتأكيده أن «العلاقة مع التحالف الدولي ستستمر في مجال التدريب والاستشارة والتمكين» فإن قيادة العمليات المشتركة، أكدت أن «اجتماع اللجنة الفنية العسكرية بين الجانب العراقي والتحالف الدولي، تم فيه «تحديد الإطار العام لشكل العلاقة بين الطرفين» مؤكدة «أن الوحدات المقاتلة من التحالف الدولي انسحبت وأعادت انتشارها خارج العراق» وان «التحالف الدولي سلم القوات العراقية معدات ثقيلة قبل الانسحاب» إضافة إلى قيام الحكومة بنشر فيديوهات تظهر انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها.
إلا ان تأكيدات الحكومة ومحاولاتها، لم تجد أذانا صاغية لدى الفصائل التي واصلت التشكيك في انسحاب القوات الأمريكية وتوعدت بمهاجمتها بعد انتهاء الموعد المحدد في نهاية الشهر الحالي، بل ان الفصائل أعلنت انها لا تعترف بالاتفاق بين الحكومة العراقية وواشنطن حول الانسحاب، وانها ترفض وجود أي جنود أجانب.
وفي هذا السياق، أكدت ميليشيا العصائب، بأن «فصائل المقاومة لن تسمح بإيجاد مبرر لتمديد بقاء القوات الأجنبية في العراق» وأن «الخروج لكل القوات العسكرية القتالية التابعة للاحتلال دون استثناء» مهددة بأن «سلاح المقاومة سيخرج القوات المحتلة من جميع قواعدها العسكرية في البلاد» فيما أعلنت كتائب «سيد الشهداء» في وقت سابق عن فتح باب التطوع للعراقيين لحمل السلاح ضد القوات الأمريكية وتنفيذ عمليات عسكرية ضدها اعتباراً من منتصف ليلة 31 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بعد أن «لمست فصائل المقاومة عدم جدية الإدارة الأمريكية بسحب قواتها من العراق» حسب قولها، الذي كررته بقية الفصائل مثل كتائب حزب الله.
وتستند الفصائل على تصريحات القيادة العسكرية الأمريكية، ومنها تصريح قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال فرانك ماكنزي، الذي أشار إلى «أن انتهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق لا يعني انتهاء الوجود العسكري الأمريكي فيه» مؤكداً: «نحن باقون». وقد توقع ماكنزي أن تتصاعد الهجمات ضد القوات الأمريكية عندما قال إن الميليشيات المدعومة من إيران «تريد مغادرة جميع القوات الأمريكية لكن جميع القوات الأمريكية لن تغادر» مضيفاً أن هذا قد يستفز الميليشيات ويدفعها إلى رد «مع اقتراب نهاية الشهر».
وبالنسبة لدور حلف الناتو في العراق الذي بدأ عام 2015 فإن الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، أعلن في شباط/ فبراير الماضي، زيادة مهمة الناتو في العراق، ورفع عدد جنوده من 500 إلى 4000 فرد، بينهم نحو 2500 جندي أمريكي، مبينا ان الناتو سيوسع أنشطته الاستشارية لتشمل مؤسسات عراقية إضافية مثل وزارة الداخلية الاتحادية ووزارة البيشمركه وجهاز مكافحة الإرهاب.
وقد أعرب العديد من الخبراء العسكريين العراقيين، عن مخاوف من ان تؤدي أية مواجهة بين القوات الأمريكية والفصائل، إلى قيام الولايات المتحدة بقطع امدادات قطع الغيار والعتاد والأسلحة للقوات الجوية والبرية العراقية التي يقتصر تسليحها على السلاح الأمريكي، مثل طائرات اف 16 والدبابات الأمريكية وغيرها. إضافة إلى مخاوف من فرض واشنطن عقوبات مالية على حكومة بغداد.
وفي كل الأحوال، فالمؤكد ان رد الفصائل على وجود القوات الأمريكية سيتوقف على نتائج المفاوضات الجارية حاليا، بين إيران والغرب حول ملفها النووي، والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية بإجراء عسكري ضد إيران إذا فشلت المفاوضات، وليبقى قدر العراق ان يكون استقرار أوضاعه، متوقفا على نتائج صراع الأجندات الإقليمية والدولية، في وقت تقف فيه حكومة بغداد عاجزة عن منع الصدام المتوقع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية