قال اردوغان إن بلاده مدّت يد المساعدة إلى الدول الأفريقية في وقت كان العالم يدير ظهره لها، مندداً بغياب العدالة عن النظام العالمي القائم على سيطرة خمس دول.
إسطنبول ـ «القدس العربي»: جدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، السبت، رفع شعار «العالم أكبر من خمسة» منتقداً عدم وجود ممثل للقارة السمراء التي يبلغ سكانها 1.3 مليار نسمة في مجلس الأمن الدولي وذلك في افتتاح قمة الشراكة التركية-الأفريقية الثالثة المنعقدة في إسطنبول بمشاركة رؤساء ورؤساء وزراء ومسؤولي أكثر من 40 دولة أفريقية بهدف توسيع التعاون والعلاقات المتنامية بين تركيا وأفريقيا في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ومنذ وصوله إلى الحكم عام 2003 بدأ اردوغان بخطة عمل واسعة لتعزيز العلاقات بين تركيا والقارة السمراء ليصبح أكبر زعيم دولي يزور أكثر من 30 دولة بالقارة، ونجح في تعزيز العلاقات الدبلوماسية برفع عدد السفارات التركية إلى 43 ورفع حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول القارة إلى أكثر من 25 مليار دولار، ومؤخراً توسع التعاون في المجالات العسكري والدفاعية بين الجانبين حيث امتلكت العديد من الدول الأفريقية أسلحة تركية مختلفة أبرزها طائرات بيرقدار القتالية المسلحة.
وشارك في القمة رؤساء تركيا والكونغو الديمقراطية وروندا والسنغال وجزر القمر وجيبوتي ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال وسيراليون وموريتانيا وغينيا بيساو، كما شارك رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي ونائب رئيس غينيا الاستوائية ونائبة رئيس غامبيا ورؤساء وزراء إثيوبيا والنيجر والجزائر ومستشار رئيس جنوب السودان لشؤون للأمن القومي ورئيس لجنة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والأمين العام لمنطقة التجارة الحرة للقارة الأفريقية، ووزراء وممثلون عن كل من أوغندا وتشاد وغانا وأنغولا وبوروندي والكاميرون والكونغو وساحل العاج والغابون وليبيريا وجنوب السودان وتونس وزيمبابوي وزامبيا وتنزانيا ومصر وجنوب أفريقيا ومالاوي وكينيا وبوركينا فاسو والمغرب.
وفي افتتاح القمة المنعقدة في إسطنبول، قال اردوغان إن بلاده مدّت يد المساعدة إلى الدول الأفريقية في وقت كان العالم يدير ظهره لها، مندداً بغياب العدالة عن النظام العالمي القائم على سيطرة خمس دول، وأضاف: «إجحاف كبير ألّا يكون للقارة الأفريقية، حيث يعيش 1.3 مليار شخص، الحق في التحدّث واتّخاذ القرار في مجلس الأمن» وتابع: «أجرينا زيارات كثيرة إلى دول أفريقيا بينما كان العالم يدير ظهره لها ومددنا يد المساعدة إلى الدول الأفريقية ولم نتركها وحيدة بمواجهة كورونا».
وفي الجانب الاقتصادي، قال اردوغان: «حجم التبادل التجاري تطوّر بشكل كبير بين تركيا والدول الأفريقية ونتطلع إلى زيادة التبادل التجاري والاستثمارات مع دول أفريقيا» مضيفاً: «حجم تجارتنا وصل إلى 25.3 مليار دولار في 2020 وواثق أننا سنرتقي بحجم تبادلنا التجاري إلى 50 مليار دولار أولاً ثم إلى 75 مليار دولار عبر جهودنا المشتركة» واعداً بإرسال 15 مليون جرعة لقاح مضاد لفيروس كورونا للقارة في الفترة المقبلة وكميات أكبر من اللقاح التركي عندما يصبح جاهزاً للاستخدام.
وأشاد الرئيس التركي بالجهود المشتركة التي وصلت «بالعلاقات التركية-الأفريقية إلى مستويات لم يكن من الممكن تصوُّرها قبل 16 عاماً، مشيراً إلى أنه يتابع عن كثب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية الّتي دخلت حيّز التنفيذ في 1 كانون الثاني/يناير 2021 وقال: «نسعى جاهدين للربح والتطوّر والتنمية معاً (مع أفريقيا) والسير يداً بيد نحو المستقبل وحالياً نجهز مسودات اتفاقيات مع دول أفريقيا لفتح آفاق جديدة من العلاقات».
ومنذ عام 2005 حتى اليوم زار اردوغان إثيوبيا وجنوب أفريقيا وتونس والمغرب والسودان ومصر والجزائر وليبيا والصومال والغابون والنيجر والسنغال والإكوادور وجيبوتي وساحل العاج وكينيا وأوغندا وغينيا ونيجيريا وغانا وتنزانيا وموزمبيق ومدغشقر والسودان وتشاد وموريتانيا ومالي وزامبيا وغامبيا، وخلال الجولة الأخيرة قبل أسابيع زار الرئيس التركي أنغولا ونيجيريا وتوغو.
وخلال هذه السنوات، وفي إطار خطة استراتيجية شاملة لتعزيز النفوذ في أفريقيا بنت تركيا علاقات إنسانية وثقافية وسياسية واقتصادية ودفاعية مع العديد من الدول الأفريقية وزاحمت الصين وروسيا وإسرائيل في مساعيهم لتوسيع النفوذ بالقارة كما وجهت ضربات مؤلمة للنفوذ الفرنسي في العديد من الدول التي بدأت تتململ من بقايا الاستعمار الفرنسي وتبحث عن شركاء سياسيين حيث تقدم تركيا نفسها كبديل مثالي في هذا الإطار.
وخلال السنوات الماضية رفعت تركيا عدد سفاراتها وقنصلياتها في أفريقيا من 12 في عام 2002 إلى 43 سفارة في الوقت الراهن، أي أن تركيا بات لها ممثليات (سفارات وقنصليات) في 43 دولة من أصل 54 دولة عضو في الاتحاد الأفريقي وتأمل قريباً بأن تمنح صفة عضو مراقب في الاتحاد الأفريقي انطلاقاً من علاقاتها الواسعة مع الدول الأعضاء. كما تخطط أنقرة لإكمال برنامجها لنشر سفارتها في كافة دول القارة بالقريب العاجل. وفي أنقرة يوجد سفارات لـ33 دولة أفريقية، كما تُسير الخطوط الجوية التركية رحلاتها عبر 50 مساراً نحو القارة.
وخلال قرابة من 18 عاماً من العمل المتواصل، تمكنت تركيا من رفع حجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية من قرابة 5 مليار دولار إلى أكثر من 25 مليار دولار، وسط خطط لرفع هذا الرقم إلى أكثر من 100 مليار دولار على المدى المتوسط، وأكثر من ذلك على المدى البعيد.
كما لعبت بعض المؤسسات والمنظمات التركية، دورا هاما في تطوير العلاقات مع الدول الأفريقية، عبر المساهمات التي تقدمها للمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والتعليم والتنمية والثقافة. وتتصدر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا» ومعهد يونس إمره، ووقف المعارف التابع لوزارة التربية، أبرز المؤسسات الحكومية التركية التي تنشط بمشاريع تنموية في القارة السمراء حيث تعرف عن هذه المؤسسات أنها القوة الناعمة للسياسات الخارجية التركية.
رؤية استراتيجية
رأى اردوغان منذ وصوله إلى الحكم ضرورة تعزيز انفتاح تركيا على العالم والخروج من سياسة الانغلاق على الذات التي مرت بها البلاد لعدة عقود، ورأى في الشرق الأوسط والقارة السمراء عمقا استراتيجيا هاما يجب العمل معه وبدأ جهود واسعة للتقارب مع معظم الدول العربية والأفريقية، وذلك في الوقت التي كانت فيه تتقلص فرص أنقرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ومع تطور طموح تركيا بتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، لا سيما في هيئات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، شكلت الدول الأفريقية التي عززت معها تركيا العلاقات في السنوات الأخيرة، داعماً أساسياً لهذه الطموحات، وبات لتركيا سند قوي في منظمة التعاون الإسلامي التي ترأستها، وسبق أن تولت منصب أمينها العام بفضل دعم الدول الأفريقية بالمنظمة، وتطمح مستقبلاً لإمكانية حصولها على الدعم الكافي من هذه الدول وغيرها لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وتقدم تركيا نفسها إلى القارة السمراء بأنها الدولة التي لا تهدف لاحتلال أو نهب موارد هذه الدول، يقول إبراهيم قالن الناطق باسم الرئاسة التركية: «أفريقيا تستحق المعاملة كشريك متساوٍ على الساحة العالمية» لافتَا إلى احتياج القارة لـ«السلام، والعدالة، والاستقرار وليس إلى أشكال جديدة من الاستغلال».
ويقول اردوغان: «تربطنا بالأفارقة رابطة أخوة حقيقية» مضيفاً: «تقرب تركيا من إخوتها الأفارقة ليس تقرب مصلحة من طرف واحد، بل هو علاقات منافع متبادلة تهدف لإغناء أفريقيا والنهوض بها» ويشدد على أن تركيا تتبع مع أفريقيا سياسة «إربح إربح» والقائمة على تبادل المنفعة وليس نهب موارد هذه الدول التي يذكرها دائما بالاستعمار ونهبه لمواردها، مقدما تركيا كنموذج مختلف.
الاقتصاد والصناعات الدفاعية
وإلى جانب الأهداف السياسية، يحتل الاقتصاد مرتبة متقدمة جداً في أولويات تركيا في القارة السمراء، وترى فيها أسواقاً واعدة وبلاداً تتمتع بقوة بشرية مؤهلاً لأن تتحول إلى كنزاً اقتصادياً في المستقبل، حيث تضم القارة السمراء 54 دولة يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، أكثر من 70 في المئة من سكانها شباب، وتتمتع باقتصاد سريع النمو، وموقع جغرافي يحمل أهمية اقتصادية، بالإضافة إلى قربها من منابع الطاقة وممرات نقلها.
وعملت تركيا على إنشاء عدد كبير من لجان الشراكة الاقتصادية مع أفريقيا، أبرزها مجالس عمل مستقلة مع 35 دولة أفريقية و«منتدى الاقتصاد والأعمال بين تركيا وأفريقيا» واجتماعات لوزراء الزراعة والصحة وغيرها، ومؤتمر «وزاري تركي أفريقي» إلى جانب «قمة الشراكة التركية الأفريقية».
وكنتيجة طبيعية لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بدأ التعاون بين تركيا والدول الأفريقية يتعزز بشكل لافت في السنوات الأخيرة في مجال الصناعات الدفاعية، فحديثاً كشفت مصادر مختلفة عن أن إثيوبيا والمغرب امتلكتا بالفعل مسيرات تركية من طراز بيرقدار، وهما البلدان اللذان حصلا مؤخراً على العديد من الأنظمة الدفاعية التركية، كما أعلنت مالي وروندا حديثاً أنهما بصدد الحصول على أسلحة تركية مختلفة وتعزيز التعاون مع أنقرة في هذا الإطار.
وعلى الرغم من أن الكثير من الاتفاقيات الدفاعية وعقود بيع الأسلحة تبقى طي الكتمان ولا يعلن عنها بشكل رسمي، إلا أنه من المؤكد أن المغرب وإثيوبيا وتونس حصلوا حديثاً على أسلحة تركية مختلفة منها طائرات مسيرة، وكما تعتبر تركيا المورد الرئيسي للأسلحة للجيش الصومال وقوات حكومة الوفاق في ليبيا، كما صدرت مئات العربات المدرعة إلى دول أفريقية مختلفة آخرها كينيا التي وقعت على شراء 120 مدرعة تركية من طراز «خضر».
والجمعة، كتبت مجلة «كابيتال» الفرنسية الاقتصادية الشهرية أن تركيا زادت من نفوذها في أفريقيا، وتبيع طائراتها المسيرة المسلحة «كالخبز الطازج» في إشارة إلى تزايد الطلب على المسيّرات التركية، وأوضحت المجلة أن تونس والمغرب حصلتا بالفعل على مسيرات تركية وأنغولا أبدت اهتمامها بالمسيرات المسلحة التركية، لافتةً إلى وجود اتفاقية عسكرية مع إثيوبيا واتفاقية دفاعية مع حكومة الوفاق بليبيا، وكتبت المجلة: «عبر مسيراتها المسلحة ستجلس تركيا الآن إلى طاولة المفاوضات مع المزيد من الأوراق الرابحة» وأشارت إلى أن تركيا ستوسع أكثر نفوذها العسكري في أفريقيا من خلال 37 مكتب تمثيل عسكري لأنقرة في القارة الأفريقية.