الصراع على أوكرانيا: روسيا تطالب بالعودة إلى ترتيبات الحرب الباردة كضامن لأمنها فما هي خيارات الغرب؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أثارت الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية، وما تبع ذلك من تحذير المخابرات الأمريكية عن غزو روسي قريب للبلد الجار قلق أمريكيا وأوروبا، وكانت مدعاة لتهديدات الرئيس جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتين بأنه سيدفع ثمنا باهظا لو مضى في تحركه العسكري، فيما لوحت أوروبا بورقة العقوبات الاقتصادية ومقاطعة الغاز الروسي.
ورغم وعود بايدن بدعم أوكرانيا في أي هجوم روسي محتمل إلا أنه لم يصدر تصريحات مماثلة كتلك التي تعهد فيها بالدفاع عن تايوان حالة تعرضها لهجوم صيني. وأكدت روسيا ان حشدها أكثر من 100.000 جندي قرب أوكرانيا هي ضمن أراضي روسيا. وكانت مطالب روسيا واضحة في حماية مصالحها بعدما أطاحت ثورة شعبية بالرئيس الموالي لها وجلبت نظاما معاديا في كييف، وهو ما أدى إلى قرار روسيا ضم جزيرة القرم عام 2014 ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا. ومن الواضح أن روسيا تخشى من الالتفاف الغربي على حديقتها الخلفية وتعارض فكرة انضمام أوكرانيا لحلف الناتو وكذا نشر معدات عسكرية ثقيلة تهدد مدار تأثيرها في أوكرانيا ودول البلطيق التي حاولت روسيا تحدي التأثير الغربي فيها.

مقترحات جديدة

ووضحت موسكو موقفها أكثر عندما أصدرت يوم الجمعة مقترحا لإقامة ترتيبات على خطوط الحرب الباردة في شرق أوروبا، وتشمل المناطق الجديدة التي توسع فيها حلف الناتو منذ عام 1998 ولهذا تم رفض المقترح حالا. فقد طلبت روسيا من الولايات المتحدة وحلفائها وقف عملياتها العسكرية في أوروبا الشرقية ووسط آسيا، وبهذا وضعت تحديا أمام الجهود الدبلوماسية الهادفة لنزع فتيل التهديد العسكري المتزايد على أوكرانيا. وطالبت في مقترحها ترتيبات مكتوبة يتعهد فيها الناتو بعدم التوسع في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وهي منطقة واسعة تمتد من أوروبا الشرقية حتى وسط آسيا. ووضحت بشكل جلي المطالب التي تحدث عنها المسؤولون الروس وبعدة أشكال في الأسابيع الماضية، بما فيها اللقاء الذي تم عبر الفيديو بين بايدن وبوتين.
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» (17/12/2021) إن المطالب تمثل أهدافا مثيرة للغرابة وطالما رغب بوتين بتحقيقها ويرى المحللون أنه بات يخشى من انحراف أوكرانيا إلى الفلك الغربي مما يمثل تهديدا على الأمن الروسي. وتمثل المطالب استعداد بوتين للمخاطرة من أجل إجبار الغرب للتعامل مع القلق الأمني الروسي بجدية ومعالجة المظالم التاريخية التي تم تجاهلها وعلى مدى عقود. وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي إي ريابكوف في مؤتمر عبر الفيديو المقترحات الجديدة، وسط استمرار الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية فيما فسره المسؤولون الغربيون بأنه تهديد بالغزو. وذهبت المطالب أبعد من النزاع الحالي بين القوات الحكومية الأوكرانية والانفصاليين الذين تدعمهم روسيا في شرق أوكرانيا. وهي رسالة لأمريكا وحلفاء أوكرانيا الغربيين وليس فقط لكييف. وكان المقترح واضحا في اشتراطه على الناتو عدم قبول أوكرانيا، مع أن الحلف لم يستبعد قبول عضوية أي دولة شرق أوروبية بما فيها أوكرانيا.

خلافات في النظرة

وكشف المقترح عن الخلافات الواضحة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن أوكرانيا. فقد أكدت موسكو أن الغرب يقوم بمفاقمة الأزمة عبر إثارته المشاعر المناهضة لروسيا وتقديم السلاح، وقدم ريابكوف المواجهة في أوكرانيا على أنها تهديد خطير على أمن روسيا. وفي المقابل تقول الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا أن روسيا هي من خلقت الأزمة الأمنية عبر نشرها عشرات الآلاف من جنودها على الحدود الأوكرانية. وقال مسؤولون أمريكيون إن المقترحات الروسية ليست مقبولة بما في ذلك حق الفيتو على دول مستقلة. وأكدوا على الخيار الدبلوماسي وأن أي حوار مع روسيا يجب أن يشمل أيضا مظاهر القلق الأوروبية من ناحية نشر الصواريخ الروسية واختبارات الأقمار الاصطناعية وجهود التضليل الإعلامي. واقترح المسؤولون الأمريكيون أنه في حالة توغل روسيا عسكريا في داخل أوكرانيا، فقد يفكر الناتو بتحريك قواته إلى الدول الحليفة التي تحد أوكرانيا، مثل بولندا ودول البلطيق لأن «العمق الإستراتيجي» الذي تقدمه أوكرانيا ضد روسيا سيتضرر أو ينتهي. وقال مسؤول بارز في وزارة الخارجية الأمريكية أن بعض المقترحات التي قدمتها روسيا غير مقبولة للغرب والكرملين يعرف هذا، مضيفا أن بعض المقترحات الأخرى قابلة للنقاش بشرط اشتراك الدول الأوروبية المتأثرة بالسياسات الروسية. وقال المسؤول إن واشنطن تقوم بالتشاور مع حلفائها وشركائها وتخطط للرد الأسبوع المقبل. وبناء على المقترحات فروسيا تريد عقد معاهدة مع الناتو وأخرى مع الولايات المتحدة. وتطالب روسيا بوضوح بضمانات مكتوبة بعدم ضم أوكرانيا والدول الأخرى للحلف.

خيانة

ويرى بوتين والمسؤولون الروس أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة هي خيانة غربية. وقالوا إن الناتو توسع شرقا رغم التأكيدات التي قطعها وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر لميخائيل غورباتشوف بأنه لن يفعل. ولم يتم توثيق كلامه كتابة. وقال بيكر لاحقا إن الروس أساءوا تفسير كلامه والذي كان يقصد به ألمانيا الشرقية. وأكد غورباتشوف في مقابلاته أن النقاشات تعلقت فقط بألمانيا الشرقية. وأعاد المقترح الروسي مظالم تاريخية أخرى من الحرب الباردة، فروسيا تريد من الناتو سحب كل المعدات الثقيلة وتفكيك البنى التحتية التي أقامتها في أوروبا الشرقية عام 1997 وهو العام الذي وقعت فيه اتفاقية مع الناتو، وتريده موسكو اليوم أن يكون بداية معاهدة أمنية. وطالبت وزارة الخارجية الروسية حلف الناتو إلغاء إعلان بوخارست عام 2008 الذي رحب بانضمام كل من أوكرانيا وجورجيا للحلف. وأعاد الأمين العام للناتو التذكير بالإعلان عند لقائه يوم الخميس مع الرئيس الأوكراني فولودمير زيلنسكي، مؤكدا أن العرض لايزال قائما. وحاولت موسكو في مقترحاتها توضيح معظم المظاهر التي تثير قلقها من مثل نشر معدات عسكرية في دول لم تنضم للناتو، في إشارة إلى أوكرانيا، وطلبت من الولايات المتحدة مذكرة حول ما إن كانت ستنشر صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. ويعتقد محللون أن روسيا وضعت هذه الشروط التي تعرف أنها لن تقبل كمبرر للحرب. ويرى آخرون انها محاولة من روسيا التفاوض والحصول على تنازلات. وعلق البرفسور في الدراسات الروسية بكلية كينغز في لندن، صموئيل غرين أن المطالب مصممة بطريقة تثير الغموض على الوضع. وقال المحللون إن بوتين حاول الحصول على نفس التنازلات من دونالد ترامب ولكنه فشل. ويرى غرين أن الروس يرون وجود فرصة للتفاوض على مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي وفي الوقت الذي تعاني فيه أوكرانيا من الضعف ومن المحتمل أن تصبح قوية، وفي وقت تنشغل فيه أوروبا بالوباء وتنشغل فيه أمريكا بالتوتر الصيني – التايواني. ويقول صموئيل شراب، المحلل بمؤسسة راند أن وضع شروط تعجيزية هي محاولة لتعقيد الدبلوماسية وحرف النظر عن الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية. وأضاف «من الصعب النظر إلى أين ستقود هذه غير المزيد من التصعيد».
ونقلت صحيفة «الغارديان» (17/12/2021) عن ديمتري ترينين من مركز كارنيغي في موسكو قوله إن روسيا كانت تعرف أن قبول الغرب لهذه المقترحات غير محتمل و«الوسائل المنطقية التي ستلجأ إليها روسيا لحماية أمنها وبنفسها ستكون الوسائل العسكرية- التكنولوجية على أكبر احتمال».

الموقف الغربي

وفي الوقت الذي يتعامل فيه الكرملين وبوتين مع الوضع في أوكرانيا ومحاولة الغرب تطويق روسيا في مجالها كخطر داهم إلا أن الغرب يتعامل مع تحركات بوتين على أنها عودة لوضع ما قبل عام 1991 وهو العام الذي لم يعد فيه الاتحاد السوفييتي السابق موجودا. وقال غورباتشوف، آخر حاكم للمنظومة السوفييتية: «لقد تخلينا عن ممارسة التدخل في شؤون الآخرين الداخلية واستخدام القوات خارج البلد». وتعلق مجلة «إيكونوميست» (18/12/2021) أن بوتين يقوم بعد ثلاثين عاما بالعودة إلى أسلوب التدخل، فهو ساخط على خروج أوكرانيا عن سيطرته واستطاع قبل فترة تأكيد تأثيره في بيلاروسيا عندما طلب ديكتاتورها مساعدته. وفي حشوده على حدود أوكرانيا- خطوط إمدادات ومستشفيات ميدانية إشارة لنية الغزو، فماذا على الغرب عمله لردعه؟ فالقوات الأوكرانية في وضع أفضل من عام 2014 عندما بدأ بوتين بالسيطرة على أجزاء من البلاد، ضم شبه جزيرة القرم وأقام المتمردون منطقة نفوذ في دونباس في شرق أوكرانياـ لكنها ليست في وضع لتهزم الجيش الروسي، ولن يتدخل الناتو وعليه ألا يتورط في حرب مع قوة نووية. وكل ما على الغرب عمله هو زيادة كلفة الحرب على بوتين. وبعضها اقتصادي، فقد هدد بايدن في مكالمته مع بوتين في السابع من كانون الأول/ديسمبر بعقوبات اقتصادية مشددة. وهناك حديث عن قطع روسيا عن نظام «سويفت» وهو نظام الدفع العالمي، وهذا سيضر بروسيا، لكنه سيؤثر على اقتصاديات أخرى ويدفع الحكومات المستبدة للبحث عن بدائل عن النظام الغربي. ويمكن ضرب الاقتصاد الروسي من خلال استهداف المؤسسات المالية الروسية واحدة بعد الأخرى ووضعها على القائمة السوداء. كما وتستطيع الولايات المتحدة بناء جبهة موحدة مع أوروبا، وكبداية يمكن أن تلغي ألمانيا «نورد ستريم 2» وهو خط الغاز الجديد الذي يتجاوز أوكرانيا. أما الوسيلة الثانية لزيادة الثمن على بوتين فهي عسكرية، وسيجد بوتين أن احتلال أوكرانيا مكلف، وهو ما اكتشفته أمريكا في العراق. ومن هنا فعلى الغرب تقديم المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا وجعلها منطقة غير مرغوبة للروس، بل وأدت أفعال بوتين منذ عام 2014 إلى جعل الأوكرانيين وحتى الناطقين بالروسية معارضين لأي احتلال روسي.
وهناك الخيار الدبلوماسي حيث يعمل من خلاله الساسة على خفض التوتر، وهذا نهج فيه الكثير من الصعوبة، نظرا لمطالب بوتين غير المعقولة، فهو يقول إن الناتو يمثل تهديدا عليه، وهذا غير صحيح، فكل ما يخيفه هي ديمقراطية في أوكرانيا تكشف عن استبداده. وهو يستخدم التخويف من الأعداء الوهميين لزيادة شعبيته، فقد أشار استطلاع إلى أن نسبة 4 في المئة إلى أن التوتر في شرق أوكرانيا هو خطأ روسيا، وقالت نصف المشاركين إنه من خطأ الناتو وأمريكا. وتقول المجلة إن بايدن محق في الحديث مع بوتين ومحاولة البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه. ولأن بوتين يسيطر على ما ينشر عنه في روسيا فلن تكون هذه مشكلة. ويجب أن يؤكد له ان أوكرانيا ليست في وارد الانضمام للناتو حاليا ولكن يجب ألا يمنحه فيتو على انضمامها. ويريد بوتين من أمريكا دفع أوكرانيا للقبول باتفاق مينسك الذي فرض عليها قبل سبعة أعوام عندما هزمت القوات الروسية الأوكرانية. ويأمل بأن يقيم دولة فيدرالية في أوكرانيا يتحكم بخيوطها في الشرق ويسيطر على جزء من الحدود ويؤثر على السياسة الخارجية. وقاومت أوكرانيا هذا من خلال نفض يديها من دونباس، وعدم القيام بجهود لاستعادتها بعد سقوط ضحايا وتشريد مليون ونصف، مع أن الأوكرانيين لا يصرحون بهذا.

منع الحرب

والحل الوحيد هو استمرار التفاوض وبناء على هدفين، الأول مشاركة أوكرانيا، بشرط عدم التعامل معها كدمية غربية. والهدف الثاني هو جعل الحرب غير مجدية لبوتين، مع انه ذكي في اختراع المبررات والقيام بأعمال عدوانية ينكرها رغم معرفة العالم بها. وفي النهاية ستظل روسيا خطرا على جيرانها طالما ظل بوتين حاكمها. لكن بوتين كما يقول ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (9/12/2021) حظي بالتشجيع على أعماله المتهورة من الرئيس السابق دونالد ترامب. فقد كان هذا متعاطفا مع بوتين وعلى مدى عقد. وتجاهل ترامب أمن أوكرانيا والذي اشترطه بحصوله على مكافأة كما كشفت المكالمة مع الرئيس الأوكراني عام 2019 أي البحث عن مواد مضرة ببايدن وأدت إلى محاكمته في الكونغرس. وملاحقة تملق ترامب ببوتين طويلة، ونكتفي بواحدة، ففي تغريدة له بآذار/مارس 2014 قال فيها «أعتقد أن بوتين سيواصل عملية إعادة بناء الإمبراطورية الروسية». ولا ننسى انه وقف مع بوتين ضد المخابرات الأمريكية عندما عقد قمة معه في هلنسكي عام 2018. وبالمحصلة فمشكلة بوتين مع الغرب أكبر من مديح ترامب أو تشجيعه له، فهي عن الوضع الجيوسياسي ومحاولات الغرب التأثير على فلك التأثير الروسي وافتعال الثورات التي تقود إلى أنظمة مؤيدة للغرب. ولا شك فالمخاطر في أوكرانيا كما في تايوان والمصاعب مع إيران تعرض النظام العالمي لامتحان، فقد حذر رئيس الوزراء السويدي كارل بيلدت صناع السياسة وطالبهم بالتحضير لغزوات متزامنة لكل من تايوان وأوكرانيا. وعلق قائلا «إن هذين الغزوين يشكلان معا تحولا أساسيا في ميزان القوة العالمية» مما يعني المسمار الأخير في نعش النظام الدولي الذي كان أساس السلام العالمي لعقود طويلة. وكتب جيدون رتشمان في صحيفة «فايننشال تايمز» (13/12/2021) أن إدارة بايدن تواجه أزمات قابلة للعسكرة في أوروبا، آسيا والشرق الأوسط، وتشكل معا أكبر تحد للقوة العالمية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة. مضيفا أن الإدارة ستلوح بالخيار العسكري في أوكرانيا وإيران وتايوان ولكنها ستلتزم بالوسائل الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية التي مارستها مع إيران، وخاصة حالة غزت روسيا والصين، أوكرانيا وتايوان على التوالي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية