يذكر الجغرافي سترابون أنه سمع أهل العراق يردّدون أغنية فيها 365 فائدة للنخلة، وقال إن هذه الشجرة تجهّزهم بجميع حاجاتهم عدا الحبوب، وكانوا يستحضرون شرابا من التمر يسمّونه «شراب الحياة» وهو «العرق» النبيذ الذي يفضّله العراقيون منذ القدم، وحتى الآن.
من مزايا التمر التي توصل إليها القدماء أنه يشبع المعدة ويلين الأمعاء ويغذي البدن دون أن يرهله، وفي العبرية يدعون التمر تامار، وكانوا يسمّون البنت تمارا، كناية عن الجمال واعتدال القوام. وورد في الإنجيل أن أنصار المسيح فرشوا سعف النخيل في طريقه عندما دخل أورشليم لأول مرة (يوحنا 014-13) وكان سعف النخيل من علامات الظفر، يحمل أمام المنتصرين في مواكبهم (رؤيا 014-13). وتخبرنا كتب التاريخ أنه في زمن القيصر يوليان (331م) كان إقليم ميسان الواقع في جنوب العراق غابةً لا نهاية لها من النخيل، وكان النخل يزرع في ساحة البيت، وفي بعضها ينمو داخل الغرف فتخترق جذوعها السقف لتظلّل السطح. ميسان هو الاسم القديم لمدينتي «العمارة» وهي تجاور مدينة البصرة، وفي بساتين الاثنين جرت أعنف المعارك في الحرب العراقية الإيرانية. اندفع الإيرانيون في إحدى هجماتهم إلى داخل البساتين، وكان القنّاصة يصوّبون نيراهم إلى الجيش العراقي، وصدر أمرٌ من القيادة العليا للبلاد إلى الكتيبة الهندسية، بإعداد خطّة لإسقاط خمسة ملايين نخلة في تلك الجبهة من المعركة. يروي لي سائق البلدوزر الذي شارك في إنجاز المهمّة، أن النخلة تدفع هذه الآلة الجبّارة إلى الخلف. إنها تقاوم بجذعها، وبالسعف، وبالأعذاق، والعناد الأهمّ تقوم به الجذور.
في شريعة حمورابي مواد عديدة عن زراعة النخل أهمها الشريعة 59 التي تفرض غرامة نصف مَنًّ من الفضة على من يقوم بقطع نخلة، وهي غرامة باهظة للغاية، وكانوا يعدّون النخيل من أهمّ ركائز القوة والعمران في البلاد، ففي قصر الملك سنحاريب في نينوى منحوتة آشورية تصوّر منظر الجند وهم يقطعون ويقلعون بساتين النخيل العائدة إلى العدوّ للقضاء على مقاومته بحرمانه من أهمّ مصادر غذائه.
تسمّى النخلة عند فطامها من النخلة الأم وغرسها في أرض جديدة «فسيلة» وندعوها «نشوة» حين تنضج، وما إن يتعدّى طولها ارتفاع مسحاتين تسمّى «رِبْعِيّة». النخلة الشاهقة «عيطة» وهذه لا يصعدها إلا أمهر الفلاحين، ممن قضى عمره في ريّ النخل وقطّه وتقليمه وتدثيره وتسميده. عندما يزيد عمر النخلة على مئة عام يأخذ جذعها بالتقوّس، وتنحني، وتظلّ تنحني، ثم تهوي ميتة، وترتجّ الأرض عندها من هول الصدمة. سعدي يوسف:
النخلة أذكرُها
أتلمّسُها، وأكون بها، حين هوت سوداء بلا سعَفٍ،
حين هوت قنطرةً من نَحْتِ البرقِ.
البستان لغةً يعني الجنة، وخصّ العراقيون بهذا اللفظ غابة النخل وحدها، في ما عداها تسمّى مزرعة للعنب، أو للرمّان، وغير ذلك. في الليالي المقمرة تضوع في البستان رائحة كرائحة وردة واحدة. يروي الشاعر طالب عبد العزيز في كتابه «بعد خراب البصرة» أن غريبا حلّ في بستانهم، وشاهد الماء يجري من تحت أقدامه، وكان يسير على سجادة من عشب بين الماء والماء، وفي جواره فسائل تحمل رطبا، عذوقه دانية. «جلس الضيف، غير مستريح، فهو مرتبك، لا تسعه أريكته، وبادية عليه أمارة الذهول، عكّازه ملقىً بين ذراعيه، عيناه شاردتان، لا يردّ على تحية مضيّفه، لكنه قال متأخرا: (عذرا يا جماعة، لم أمت بعد كي أكون في الجنة). فيضحك مضيفه، وتنتهي الحكاية».
والدليل على أن النخل من أشجار الجنة هذا الحديث الشريف: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» فهو يزرعها، ومحصولها يأكله أهل الفردوس، وكان المصريون القدماء يسّمون النخلة (شجرة الفردوس). يقول كمال الدين القاهري صاحب كتاب «حياة النبات والحيوان»: «تشبه النخلة الإنسان فالنخلة ذات جذع منتصب، ومنها الذكر والأنثى، وإنها لا تثمر إلا إذا لقحت، وإذا قطع رأسها ماتت وإذا تعرّض قلبها لصدمة قوية هلكت، وإذا قطع سعفها لا تستطيع تعويضه من محله، كما لا يستطيع الإنسان تعويض مفاصله. والنخلة مغشاة بالليف الشبيه بشعر الجسم في الإنسان، فهل لا تكون هذه الصفات شبيهة بصفات البشر؟».
امتدّ العمران في مدينتي إلى بستان عائشة، وصدر قرار من الحكومة بتحويل المكان إلى مبان سكنية. لكنه يضمّ ألوفا من أشجار النخيل، مما يعني إسقاطها جميعا وبأدوات بدائية لا تتعدّى الفأس والطُّبر والهيب. كلّ يوم، وما إن يتمّ الضحى، يتجمع الشبّان حول النخيل، وتبدأ المجزرة.
هناك عادة متّبعة في العراق عندما لا تحمل النخلة ثمرا بعد الثانية عشرة من عمرها تضربها امرأة بالعصا، وتهدّدها بصوت عال إن هي ظلّت عاقرا فسوف تُقطع، وتحمل النخلة رطبا في الموسم نفسه، حتما. بلغ عدد آيات القران التي ورد فيها ذكر للنخل 21 آية. منها الآية التي تبيّن لنا استخدام الأقدمين لجذوع النخيل لصلب السحرة واللصوص والمعترضين على نظام الحكم: «فلأ قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى». (طه 71). يستغرق الوقت الذي يمضيه المصلوب حتى يموت ثلاثة إلى أربعة أيام، وفي رواية سبارتاكوس تفاصيل مثيرة عن عملية الصلب، وهيئة الرجل المسمّر من ذراعيه وقدميه، ولونه وهو يتقلّب في دروب الموت، والكلام الذي يقوله، وبلغ عدد الرجال المصلوبين في الفصل الأول من الرواية (6472) مصلوبا. هي مقبرة جماعية، مرئية على الهواء، إن صحّ التعبير.
هل كانت أعذاق النخيل تحنو على هؤلاء؟
امتدّ العمران في مدينتي إلى بستان عائشة، وصدر قرار من الحكومة بتحويل المكان إلى مبان سكنية. لكنه يضمّ ألوفا من أشجار النخيل، مما يعني إسقاطها جميعا وبأدوات بدائية لا تتعدّى الفأس والطُّبر والهيب. كلّ يوم، وما إن يتمّ الضحى، يتجمع الشبّان حول النخيل، وتبدأ المجزرة. ثم يجتاز القطع منتصف الجذع، وهو الحدّ الذي يكون بقاء النخلة فيه واقفة أمراً ميؤوسا منه، والنخلة تبدو عندها متألمة أشد الألم، ومترفعة أشدّ الترفّع، لا صرخة احتجاج واحدة، ولا أي مقاومة، وحده السعف يشهق في السماء، ويشبه أسئلة بلا إجابة. ثم يغور الفأس داخل الجذع، ويقف الجميع عندها في صفّين، وعلى وجوههم تعبٌ غير التعب الذي نعرفه، مع حزن مثاليّ يسكن عيونهم. يدفع أحدهم الجذع، وتُسمع أصوات تكسّر، وتشرع عندها النخلة في السقوط، من أعلى عُلاها. يبدو هذا الفعل من القوة والغموض بحيث أن الجميع لا يعرف ما سيجري بعده لاحقاً، رغم تكرار إسقاط النخل عشرات المرات في السابق. «ربما يكون الأمر هذه المرة مختلفاً» يقول كلّ واحد من الواقفين في سرّه، حتى حاملو الفؤوس، ليت عملية القتل لا تتمّ إلى النهاية. مثلاً: تميل النخلة ولا تسقط، أو تبقى مثل منارة الحدباء حيّةً وهي في حالة التداعي والسقوط. هذا الأمل يدوم لحظةً، يضمّ جميع الحاضرين في أثنائها أنفسهم كأنهم يشعرون بالبرد، رغم الحرّ. امرأة تمسك بيد طفلها تقف في أحد صفّي الجمهور الذي حضر للفرجة. في اللحظة التي مال فيها الجذع، انفلت الطفل من يد أمه، وراح يمشي قاصداً أباه الواقف في الصفّ المقابل. كانت النخلة تهوي، والطفل يجري بخطوات ناعمة وسريعة مثل قطّ، وتوقف عندها الجميع عن الحركة، سكنت منهم حتى الأنفاس. لا أدري لم ثبتتْ عيناي في تلك اللحظة على فم الأم جميلة القوام، المرسوم حدّ الكمال، وعلى عينيها الواسعتين، ورموشها الطويلة والكثيفة. هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها سواد العينين يصير رمادياً ومغبرّاً كذلك. كانت النخلة تهوي، وتزداد سرعة الطفل في الجري، والغبرة في عيني الأم تشتدّ، وكانت الوجوه شاغرة عندما ارتطم الجذع والسعف بالأرض التي اهتزّت. كان خطّ سير سقوط النخلة يقع حتما على رأس الطفل، لكنها مالت عن هذا الدرب في اللحظات الأخيرة، وتراكض الجميع إلى الطفل الذي بدا في تلك اللحظة لاهيا عن المعجزة التي تحقّقت قربه. بوسع الحياة التغلب على القدر عندما يكون لها أن تجمع بين الحبّ العظيم والألم العظيم. هل قال هذا أحدٌ قبلي؟
كاتب عراقي