رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنه
“القدس العربي”: أعلن محمد سباعنه، أحد أعضاء فريق رسامي الكاريكاتير في صحيفة “القدس العربي”، عن صدور أول كتاب له بتقنية الحفر والنقش، الذي يروي عشرات الحكايات التي عاشها وآخرون خلال فترة اعتقاله عام 2013.
ويجسد الفنان الفلسطيني في كتابه معاناة شعبه، الذي يجردهم من تابوهات الصورة النمطية التي زرعها الاحتلال بإظهارهم “مجرمين لا يعرفون سبيل الإنسانية”.
وقال سباعنه، في اتصال هاتفي مع “القدس العربي”، إن إصدار كتاب “فلسطين قصتي” جاء أول مرة عندما قدم محاضرة لطلاب معهد الفنون في مدينة نيويورك مع بدء انتشار جائحة كورونا، ولمس رفضا واسعا من قبل الطلاب لإجراءات الحجر الصحي التي فرضت على العالم أجمع، فما كان منه إلا أن تناول قصص المعتقلين ومعاناتهم في السجون الإسرائيلية كنموذج واقعي، لا يمكن بحال مقارنته بما يعيشه الناس في الوقت الحالي.
وأشار إلى أن الكتاب الذي كان في نهاية المطاف جزءا من رسالة الماجستير الخاصة به أثناء دراسته في المملكة المتحدة، جاء كرد عملي على المعارض التي أقامها عدد من الرسامين البريطانيين والتي حاولوا من خلالها الوقوف إلى جانب “مظلومية إسرائيل” المزعومة، والتي أكد سباعنه أنه حضر جزءا منها وكانت جميعها، تحاول نزع ثوب الإنسانية عن الفلسطيني، بل وتجريدة من أرضه وتاريخه.
![]()
وأضاف: “في البداية كنت متردداً في الفكرة من حيث المبدأ، خاصة أن مضمون الكتاب يعتمد فن الكومكس، وهو فن صعب ويحتاج لوقت وجهد كبيرين، لكنني نظرت للأمر بصورة أوسع عندما رأيت أن من واجبي الرد على المعارض الاستفزازية التي أقيمت لتشويه إنسانية الفلسطيني”.
ويتحدث الكتاب بحسب سباعنه عن تفاصيل المعاناة التي عاشها خلال فترة اعتقاله التي قال إنه على الرغم من أنها لم تستمر لأكثر من ستة أشهر، إلا أنه تمكن خلالها من رصد عشرات القصص التي تؤكد رغبة الفلسطيني في الحياة، وتؤكد إنسانيته التي ينفيها الإسرائيلي الذي يحتل أرضه ويعتقله ويحد من حريته.
وعلى سبيل المقاربة، أوضح رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف بمواقفه المناهضة لكل أشكال التطبيع مع الاحتلال، أن بدء تسجيل الحكايا ونسج تسلسلها في عقله بدأ عندما قال له ضابط التحقيق يوماً إنه لا يمكن على الإطلاق النظر للفلسطيني إلا كمجرم، وهو بدوره نفى ذلك محاولا الدفاع عن فلسطينيته وقضيته.
![]()
وأردف: “على الدوام كل ما كان يردده المحققون هو أن الأسرى الفلسطينيين ليسوا أكثر من مجرد مجرمين، ولا يمكن لهم أن يتغنوا بكونهم إنسانيين. وهذا بعيد كلياً عن الواقع، لكن عندما تم نقلي لسجن النقب وجدت عددا من المعتقلين يقومون يومياً بإطعام العصافير التي كانت تقف على حافه أسوار السجن، فتخيلت كيف لتلك العصافير أن تكون حُرة أكثر من هؤلاء الذين يطعمونها”.
واستكمل حديثه: “كل ما كان يدور في عقلي في تلك اللحظة أن تلك العصافير ربما كانت رسول هؤلاء خارج أسوار السجن، بل ربما خُلقت بينهم لغة خاصة لا يفهمها غيرهم، تنبئهم بكم كبير من قصص الفلسطينيين المعتقلين في السجن الأكبر المسمى فلسطين والواقع تحت الاحتلال بكل مكوناته، كيف يمكن لها أن تحكي معاناة الفلسطيني أينما وجد”.
وأوضح أن كل القصص التي تم سردها بطريقة الكومكس في الكتاب الذي تشرف على نشره واحدة من أبرز دور النشر الأمريكية ويعد الأول الذي تناول هذا النوع من الفنون ويصدر من داخل فلسطين، بُنيت على قصص واقعية أجرى فيها سباعنه مقابلات مع أصحابها، مشيرا إلى العدد الكبير من التعليقات الإيجابية التي أوردها كبار الرساميين العالميين، مشيدين بالتجربة التي وصفوها بالفريدة، وكان من بينهم جو ساكو.
![]()
وبيّن سباعنه أن الكتاب يعمل بشكل مكثف على أنسنة الفلسطيني بطريقة مبسطة وغير معقدة، سارداً نماذج لتلك القصص التي تضمنها الكتاب، قائلاً: “لم أتطرق للحرب على غزة على سبيل المثال، لكن ذكرت الطائرة الزنانة التي تقلق صحو ومنام الغزي. تحدثت كذلك عن قصة الطفلة التي تحلم في ارتداء حذاء جميل أنيق بدلاً من الأحذية التي استهلكت وباتت قديمة بسبب قطع الطرق وهدم البنية التحتية في مدينة نابلس بسبب كثرة الاقتحامات التي تنفذها الدبابات الإسرائيلية”. وأضاف: “في المحصلة كل فلسطيني هو معتقل إذا لم يكن بجسده، فإن روحه وحريته وكرامته وإنسانيته تواجه بشكل أو آخر شكلاً من أشكال الاعتقال”.
وأكمل: “اختتم الكتاب بقصة الشهيد محمد مطر، وهو طفل فلسطيني من منطقة دير أبو مشعل في الضفة الغربية حيث استشهد خلال مواجهات وقعت بين الشبان الفلسطينيين وجنود الاحتلال الذين واجهوا الحجارة بالرصاص الحي، وكيف تم اعتقال (احتجاز) جثمانه لاحقاً، وإلى أي حد يقع الفلسطيني رهن الاعتقال حتى لو كان جثة”.
وعن السبب في استخدام تقنية الحفر في كتابه، برر سباعنه ذلك بالقول إن عدداً من الأسرى من خلال مشاهدته وملاحظته استطاعوا حفر أسمائهم على جدران السجون كي تبقى شاهدة على وجعهم الممتد على طول سنوات التاريخ الفلسطيني وصراعه مع الاحتلال، ولكنني لم أفعل ذلك خلال اعتقالي، وكان خيار الحفر في الكتاب هو أداتي الأمثل لنقش وحفر معاناتي وآخرين”، مضيفا: “كل منا يختار طريقته ليروي القصة للعالم”.
وذكر أنه استعان خلال رحلة الكتاب في بناء سردية القصة بالشاعر الفلسطيني فارس سباعنه، فيما استوحى الشخصية الرئيسية لها مجسدة بـ”الطير الرسول” من خلال مجموعة لوحات رسمها الفنان الفلسطيني المقيم في قطاع غزة ميسرة بارود، والذي قضى 15 عاماً في سجن غزة الكبير، وكيف تم الاتفاق بينهما على إمكانية إعادة تحوير العصفور بطريقة تناسب الهدف من الرواية المحكية لسباعنه.
![]()